المعصية والذنب

أنواع المعاصي في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن الخطوة الأولى، أن نميز درجة المنكر.. والموقف الذي ينبغي أن يؤخذ في هذا المجال..

٢- إن مشكلتنا هذه الأيام لا تنحصر بالشهوات في عالم الغرائز، بل أن هنالك شهوات في عالم الحسيات، وشبهات في عالم العقلانيات.. ولا يخفى دور الاستعمار والعدو في العمل، من أجل تفريغ الإنسان من محتواه العقائدي والفكري.. ومن المعلوم أن المجتمع لو تخلى عن الإيمان، وترك الشريعة والاستقامة؛ فإن مآله إلى التوغل والسقوط في أوحال الغرائز الباطلة والمحرمة.

٣- إن الوجاهة الاجتماعية بمثابة الهواء الذي يتنفسه الكائن الحي، وعليه فإن من يسقط إنسانا عن أعين الآخرين، فإنه يقضي على حياته من خلال خنقه، إذ سلب منه الهواء الذي يتنفسه.. وليس من العجب بعدها، أن نرى بعض الروايات ترجح إثم هذا الإسقاط على إثم الزنا، وذلك لأن الزنا أمر يتم في ستر وخفية، ومن السهل أن يعود صاحب هذه المعصية إلى حياة الاستقامة، بعد الندامة الصادقة والتوبة النصوح.. فتأمل في هذا النص النبوي: إن الرجل قد يزني فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه!..

٤- إن من مشاكل العصر الحديث؛ إعطاء الإباحية بعدا فلسفيا.. فذهب بعضهم إلى أن كل إنسان حرّ ما لم يصطدم بحرية الآخرين، وهي مقولة تساوي إلغاء إنسانية الإنسان وإلحاقه بالبهائم التي لا تعرف قيداً في الحياة.. فبأي منطق جاز لنا أن نتيح للإنسان أن يفعل ما يشاء، والحال أن الهوى -وهو أمير وجوده- لا يعرف قبيحاً شرعياً ولا عرفياً؟!.. وهل يمكن أن ننكر وجود ممارسات في الحياة، تضر بالإنسان كفرد، سواء في بعده النفسي أو البدني؟..

٥- بعض أنواع الإدبار قد يكون من باب اللطف؛ فرب العالمين قد لا يعطي بعض المزايا الروحية والمعنوية للعبد؛ لئلا يعيش حالة العجب والغرور.. ورد في الحديث: (سيئة تسوءك؛ خير من حسنة تعجبك).

٦- كيف يمكن للإنسان في ليلة القدر، وعلى باب المسجد، وفي شهر رمضان، وفي ليلة المصيبة، أن لا يترك الحرام النظري؟.. هذا متى سوف يعود إلى الله عز وجل؟.. أليس هذا من موجبات نزول الغضب الإلهي؟..

٧- إن الإنسان الذي تفوته صلاة الفجر لأيام، هذا إنسان في دينه ثلمة.. ومن الممكن أن يكون مصداقاً لحديث الإمام زين العابدين (ع): (اللهم!.. إني كلما قلت قد تهيأت وتعبأت، وقمت للصلاة بين يديك وناجيتك.. ألقيت علي نعاساً إذا أنا صليت).. نعم، إن النعاس من الممكن أن يكون علامة من علامات الطرد من رحمة الله عز وجل.

٨- إن المعصية المتعمدة، وخاصة المتكررة، من علامة الكذب في السير إلى الله عزّ وجلّ.. لذا يجب أن نفرق بين المعصية العابرة، والمعاصي المتقطعة المستتبعة للندم، وبين المعصية المتكررة، ولو كانت معاصي صغيرة.. وبالتالي، فإن علينا أن نحاول بشتى الطرق، أن لا نجعل للمعصية أثرا في حياتنا..

٩- إن الإنسان إذا استولت عليه شهوة الغضب، وشهوة الجنس، فإنه يقوم بما لا يقوم به حتى الكافر.. إحذروا هذه الحالة الخطيرة!.. فإن صاحب الغضب لو كان بطلاً، فهو بطل نائم.. وما أسهل القضاء على الإنسان النائم، والمغمى عليه!..

١٠- إن الذين يرتكبون المعاصي: على الأرض، وعلى الفراش، وفي أي مكان؛ يرتكبونها على أشياء تسبح بحمد الله!.. أما يستحون من تلك الجمادات، التي تسبح بحمد الله -عز وجل- وهم مشغولون بالمعصية؟!..

١١- إن الإنسان الذي يعصي ربه في الخلوات؛ عليه أن يطيعه في الخلوات!.. والذي عصى الله -عز وجل- في العلن، فليقدم حسنة علانية؛ ليشجع الغير على فعل الطاعات والحسنات.

١٢- إن صوم الخواص: أن يصل العبد إلى مرحلة يستحي أن يرتكب فيها المنكر، فالقضية ليست قضية خوف وقضية رعب؛ بل قضية حياء.

١٣- إن الخشونة والعنف، حديث الساعة.. ونحن لا ننكر أن هناك جماعات مشبوهة، تمارس هذه الطريقة باسم الدين، وهي لا تزيد الناس بذلك إلا نفورا منه.. وهو دليل على الخواء الفكري، إذ أن صاحب المنطق والفكر، له ما يغنيه عن استعمال العنف بأي شكل كان.. وقد أساء هؤلاء إلى الدين الذي وصفه النبي (ص) بأنه الشريعة السمحة السهلة.

١٤- إن من موجبات فقدان الأصالة الفكرية عند المسلمين: التبعية العمياء لكل مظاهر وتقاليد بلاد الكفر.. فهاهم قد اعتادوا في كل سنة على دعوى إقامة ذكرى ميلاد المسيح (ع)، بما هو المسيح بريء منه!.. وذلك بالمبالغة في ارتكاب المنكرات، والجرائم التي ترتفع نسبتها، بما لا مثيل له طوال العام!.. فأي مباركة وسعادة في ذلك؟!.. ولو أراد المسلم أن يكون له دور في إحياء ذكر المسيح (ع)، فعليه بالترويج لما رسمه القرآن الكريم له، من أعلى صور العبودية لرب العالمين، ولما ذكر من غرر كلماته الواردة على لسان المعصومين (ع).

١٥- إن الذنوب تنقسم إلى قسمين: فمنها ما لها تحقق قبيح في الخارج: طعنا بالسكين، أو إراقة للماء الحرام في الموضع الحرام، أو سلبا للمال من صاحبه، وغير ذلك من الذنوب التي يرى الإنسان أثرها بشكل مباشر.. وهناك من الذنوب ما ليس لها تجسم في الخارج بشكل واضح، مما يجعل صاحبها يستهين بأمرها، وهي عند الله -تعالى- من الموبقات المهلكة.. ومن مصاديق ذلك: التعرض لكرامة المؤمن، وإن لم يبلغ أعلى درجات الإيمان؛ فإنه لا يرى إلا حركة في اللسان.. والحال أن القرآن يعتبر ذلك أكلا لأقبح مأكول على وجه الأرض، ألا وهو لحم الميتة، من رحم ماسة: كأخ شقيق!..

١٦- إن المنكرات على تعددها، فإنها منحصرة غالبا في شبر مربع تقريبا!.. فإن روافد الحواس الخمسة هي بنفسها روافد الحرام، وكما أن هذه الحواس تنقل الأحاسيس البريئة والخالية من أي معنى سلبي، فكذلك تنقل الأحاسيس المريبة.. وعليه، فإن إجراء مسح شامل لواردات هذه الحواس، أمر ضروري لكشف كل ما هو غريب على هذا الوجود الذي فطره الله -تعالى- في أحسن تقويم.

١٧- إن المعاصي المأكولة والمشروبة والمتمتع بها من صفاتها أنها فانية، فالمحرمات التي ترتكب لا تتجاوز خمس دقائق إلى ساعة أو ساعتين.. الحرام إذا كان شرباً، أو أكلاً ، أو كان ممارسات غير شرعية؛ فإن وقت الالتذاذ بالحرام محدود وهي دقائق، إن لم يكن في بعض الحالات ثواني أصلاً.. فإذن، هذه الساعات متصرمة، وكما في الروايات: (شتان بين عملين: عمل تذهب لذته وتبقى تبعته، وعمل تذهب مؤونته ويبقى أجره).. وعليه، فإنه يجب تذكر فنائية المعاصي.

١٨- إن المعصية بعد الطاعة؛ هي علامة الرفض والرد.. فلو كانت هذه الطاعة مقبولة عند الرب، لما حدثت هذه المعصية.

١٩- إن الهفوات الصغيرة لا تسلب النعم، ولكن حذار حذار من تراكم الهفوات!.. لأنه من الممكن أن هذه الهفوات الصغيرة المتراكمة، يكون مفعولها كمفعول الذنوب الكبيرة، لذلك قال الصادق (عليه السلام): (لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار).

٢٠- إن القبائح على نوعين: هناك قبيح مستور، وهناك قبيح لا وجود له.. وبعبارة أخرى: تارة القبيح موجود موضوع، ولكن لا أثر له.. وتارة القبيح منتصب برأسه.. وإذا أردنا أن نوضح العبارة بمثال حسي مثلاً: أمامنا لغم، وفيه الفتيل، ومن يمشي عليه ينفجر به؛ هذا هو القبيح القابل والمستعد للانفجار.. وتارة يكون أمامنا لغم، نزع منه الفتيل، هو لغم ولكن لا أثر له.. وتارة ليس هناك لغم أصلاً.

٢١- إن من أسوأ الذنوب بشكل عام، ومن أقبح الذنوب، بل من أقرب الذنوب للعقوبة المعجلة؛ هو الذي يذنب الذنب وهو غير متأسف ولو بعد الذنب مباشرة.

٢٢- إن الظلم في هذا الوجود، هو ظلمات يوم القيامة.. قد يصل الإنسان إلى درجة من الظلم، هذه الدرجة توجب له العذاب الذي لا يرد، ألا نطلب في أدعيتنا من الله -عز وجل- ألا يُحلل علينا غضبه: (اللهم!.. لا تؤمنا مكرك، ولا تكشف عنا سترك، ولا تصرف عنا وجهك، ولا تحلل علينا غضبك).. أي هناك غضب مقدر؛ ولكنه محجوب.. مثل الذي يُحكم عليه بالسجن مع وقف التنفيذ، وإذا ارتكب جريمة ثانية، كذلك يحكم عليه مع وقف التنفيذ.. ولكن في الرابعة والخامسة يجمعون له الأحكام السابقة، ويدخلونه السجن.. بعض الأوقات تكون المعاصي والذنوب هكذا.

٢٣- إن العداء لله –عز وجل- قسمان: عداء موقفي: كنمرود، وفرعون، وقارون.. والقسم الآخر عداء عملي، وهو قسمان: فالبعض تراه من الصباح إلى الليل في مقام العمل عدواً لله عز وجل، وقد يكون عدواً لله عملياً في اليوم مرة أو مرتين.. فإذن، إن العداء العملي غير العداء الموقفي، وهذا العداء العملي قد يكون في اليوم مرة.

٢٤- المعاتبة وهي تتعلق بالهفوات، التي لا تعد من الذنوب: لا الذنوب الخالقية، ولا الذنوب مع المخلوقين: كالهواجس الباطلة، والنوايا السيئة، ومشاعر الحسد، والتكبر، والغرور -إن قلنا: أنها في الباطن، ولا إثم فيها على بعض الآراء-.. ولعل البعض يرى أن الإنسان يؤاخذ بما في فؤاده من مشاعر.. ولكن نأخذ على المبنى الأسهل، أنه مادام الأمر لم يتحول إلى الجوارح، فلا إثم.

٢٥- إن هناك ذنوباً تحتاج إلى استغفار وإلى عزم على عدم العود؛ كالإنسان الذي كذب كذبة، أو الذي قام بعمل يُعدّ حراماً، من دون كفارة في البين (كالغيبة) -إن قلنا بعدم وجوب الاستحلال- لأن العلماء يقولون: في الغيبة إن كان الاستحلال موجباً لتكدر الخواطر، وإيذاء الغير، فلا يكون في هذه الحالة الاستحلال راجحاً.

٢٦- إن هنالك قسماً من المعاصي والذنوب، تحتاج إلى معاتبة، وتحتاج إلى استغفار، وتحتاج إلى تعويض عملي، كترك الصلوات والصيام الواجبين.. فعلى الإنسان أولاً أن يعاتب نفسه: لماذا عمل هكذا؟.. ثم يستغفر ربه.. وبعد ذلك هنالك ممارسة، وهي قضاء الصلوات في الحد الأدنى الذي يتذكره، وخاصة في الفترة المبهمة في حياة الإنسان.. وبالتالي فإن على الإنسان في مقام العمل، أن يعوّض تعويضاً عملياً.. وكذلك دفع الكفارات الواجبة، إن كان تاركاً للصيام تركاً عمدياً.

٢٧- إننا إذا أردنا أن نفهرس العناصر الدخيلة في إثارة الإنسان، وإثارة شهواته في هذه الحياة الدنيا، فلا نشك بأن شهوة النساء من أقوى الشهوات في عالم الوجود.. ولهذا نلاحظ في آية حب الشهوات، أن القرآن الكريم يذكر شهوة النساء في أول هذه القائمة حيث يقول: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}.. ولابد أن نلتفت إلى هذه الحقيقة، أن المزَيَّن هو حب الشهوات، لا ذات الشهوات.. فذات المرأة ليست بمذمومة، إنما الكلام في الارتباط والعلاقة، التي هي في جانب السلب، لا في جانب الإيجاب.

٢٨- إن تحقير الذنب فيه إهانة، وتحدٍّ مبطن لله -سبحانه وتعالى-.. روي عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: «لا تنظروا إلى صغير الذنب، ولكن انظروا إلى ما اجترأتم».. وفي رواية أخرى أوحى الله -عز وجل- إلى عُزير (ع): (يا عُزير!.. إذا وقعت في معصية، فلا تنظر إلى صِغَرها، ولكن انظر مَن عصيت).

٢٩- إن الإنسان المؤمن بمجرد أن تسلب منه النعمة، بدل أن يقرأ الفنجان والأبراج والكف، ويسب الزمان؛ فلينظر إلى نفسه ما الذي فعله؟.. ومن أسوأ صور المعاصي: أن يعصي الإنسان ربه وهو مرتاح.. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من أذنب ذنباً وهو ضاحك؛ دخل النار وهو باك).. مثلاً: ينظر إلى فيلم حرام وهو يضحك، أو يقامر وهو يضحك؛ هذا الإنسان في منتهى السوء؛ لأنه يعصي ولا يعيش حالة الخجل من الله عز وجل.. لذا فإنه يدخل النار مقابل ذنبه، وباكياً مقابل ضحكه في الحياة الدنيا، وهو يرتكب المعاصي.

٣٠- هذه حقيقة ينبغي أن نلتفت إليها، وهي: أن المعصية لها أطراف، وهي: رب العالمين، والنبي، والوصي، وكذلك النفس.. فظلم الإنسان لنفسه من أقبح أنواع الظلم!.. والمعصية من مصاديق هذا الظلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى