العمل الصالح

لذة العبادة في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- ما هي علامة العمل المقبول؟.. إن العمل المقبول، هو ذلك العمل الذي يعيش معه الإنسان الانتعاش الروحي..

٢- إن الإنسان إذا عاش المحضرية بالنسبة للعبادة؛ عندئذ يقوم بالعبادات بمقدار الشهية.. وأما إذا لم يكن عنده حالة إقبال، فإن عليه أن يكتفي بالواجبات..

٣- إن للسجود ملكوتا، وهذه الملكوت روحية، تُدرك ولا توصف.. هنالك مرحلة تسمى بالموت الاختياري، أو ما يسمى بخلع الروح.. فالإنسان في حالة السجود، وبعد فترة من المراقبة، والمواصلة، والمشارطة، وما شابه ذلك من حركة روحية.. يخرج من بدنه، لا خروجاً حقيقياً، بل يسيح في عالم آخر.. وهذه السياحة جداً جميلة ورخيصة!.. والمؤمن الذي يعتاد هذه السياحة، يكون قد وصل إلى قمة المتعة في هذا الوجود.. وإذا كان الله -عز وجل- مع الإنسان في كل لحظة من اللحظات، فإنه لا يستوحش..

٤- إن التلذذ عبارة عن: ارتياح باطني، نتيجة للوصول إلى المقصود.. فالذي بذل جهده في تحويل مقصوده الحسي إلى مقصود معنوي، فإنه سيلتذ أيضا عند الوصول إلى مقصوده المعنوي.. ومن هنا كانت لذة أهل العبادة والفكر، ليست بأقل من لذة أهل الهوى، بل أكثر وأكثر؛ لأن اللذائذ الحسية متقطعة ومكلفة، والمعنوية باقية وبلا كلفة..

٥- لا يختلف اثنان في حال الناس يوم العيد من: السرف، والترف، والتبذير؛ بحجة أن اليوم عيد فلنفعل ما نريد!.. والحال بأن ذلك ما هو إلا وهم في وهم، فما الفرق بينه وبين فرح الأطفال الذين يترقبون العيد؛ شوقاً للهدايا واللبس الجديد!.. فليس العيد لمن لبس الجديد؛ إنما العيد لمن أمن الوعيد، وللمؤمن الذي وفق للصيام والقيام، ونال المغفرة والرضوان.. فهنيئاً لهكذا إنسان!..

٦- إن النفحات الإلهية لها أسباب خارجية، وأسباب داخلية.. غير أن الأسباب الخارجية -وهي الليالي المعهودة، والأيام المعهودة، والأماكن المعهودة-، ليست بأيدينا.. إذ أن في السنة ليلة قدر واحدة، والمسجد الحرام بعيد عنا، بالإضافة إلى أن الذهاب إلى هذا المكان، يحتاج إلى استطاعة، وقدرة مالية.. فإذن، علينا أن نركز على القسم الثاني، وهي النفحات الداخلية: النفحات الخاصة.

٧- إن الحوائج الكبرى تعطى في صلاة الفجر، لما فيها من ثقل على الإنسان.. والقرآن الكريم يقول: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}؛ لأن هناك حركة للملائكة بين الطلوعين؛ حيث أن ملائكة الليل ترتفع، وملائكة النهار تنزل.. فهنيئا لمن كان من الذاكرين!..

٨- اغتنموا السجدة الأخيرة في الصلاة الواجبة.. فإذا أدركت الإنسان الرقة، فليطيل في سجدته الأخيرة أكثر من الركعات الثلاث والأربع.. وليكن السجود بعد الصلاة الواجبة أيضا، سجود اعتذار بين يدي الله.. إذ أنه بالإمكان من خلال هذه السجدة، أن ينفخ الروح والحياة في الصلاة الميتة.

٩- إن من التعقيبات أيضا، السكوت في المصلى ساعة من الزمن: لا يصلي نافلة، ولا يقرأ دعاء، ولا يتلو قرآنا.. إنما يفكر في عظمة الله، وفي ضعف الإنسان، وفي قلة حيلته.. فهذه الحالة تعتبر من ضمن التعقيبات، ويا له من فوز!..

١٠- إن الذي يتلذذ باللذائذ المعنوية؛ سوءا كانت لذائذ جوف الليل، أو لذائذ الصلاة الواجبة؛ يعيش حالة الجفاء مع المخلوقين، ومع الوقت يعيش حالة التقوقع والانعزال عن الناس.. ومع الأسف قد يظن أنه على خير!.. نعم، هم ليسوا بمثابة {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}، ولكن ليست هذه هي الحالة الفضلى أو المثلى للإنسان الكامل.

١١- إن الإنسان قد ينام -أحيانا- في السجود الأخير من صلاة الليل، إلى أن يستيقظ لصلاة الفجر.. مؤمن قام من دون أي إلزام، وألزم نفسه أن يقف بين يدي ربه، فخشع في ركعتين ولم يخشع في الباقي؟.. أو لا تحتمل أن الله -عز وجل- يحب هذا المنظر الجميل؟!..

إننا لا يستلذ بالعبادة، فالمشكلة في فقدان اللذة.. إن الذي يستثقل قيام الليل، مشكلته ليست في الوقت أو الاستيقاظ، بل المشكلة هي أن هذا الإنسان يعيش حالة من النفور الباطني.. فالذي لا يقبلُ على الله -عزَ وجل- في صلاته، يبدو أن هناك إعراضا من الطرف الآخر..

١٢- إن بعض المجاهدات القاسية على النفس، من الممكن أن تفتح الآفاق الكبرى للإنسان.. لعل نظرة فيها مجاهدة، وفيها معاناة؛ في يوم من الأيام من الممكن أن يُعطى الإنسان درجات عالية، وهذه الرواية شاهد على ذلك: (من نظر إلى امرأة فرفع بصره إلى السماء؛ لم يرتد إليه بصره حتى يزوجه الله من الحور العين).

١٣- عندما أمر نمرود الظالم بجمعِ نارٍ لإحراق إبراهيم -عليه السلام- كان كلّ من المرأة والرجل يأتون، وبيدهم شوكة يلقونها في تلك النار؛ لأنهم يريدون أن يكون لهم دور في تأجيج هذهِ النار.. هكذا في الباطل، فلماذا نحنُ لا نعمل بهذا الدور في الحق؟!..

١٤- إذا أراد الإنسان أن يستعد للآخرة، فعليه بهذا المثلث المبارك: أداء الفرائض، واجتناب المحارم، واشتمال المآثر والمكارم..

١٥- ما على الإنسان إلا أن يخلص النية لله عز وجل، فيجعل عمله كله لله عز وجل.. وهذا لا يكلف إلا نية بسيطة، وهي أن يقول: يا رب!.. أنا من هذه الساعة إلى أن أموت، كل ما أقوم به من طاعة قربة إليك.. وإذا بلحظات العمل، وكأنه في المسجد.. والأخت المؤمنة أيضا كم تمضي من الوقت في المطبخ والغسيل وغيره!.. بإمكانها أن تحول حياتها إلى معبد، من خلال هذه النية.. فبهذه النية المجانية، نحول المستقبل الذي لا لون له، إلى لون إلهي!..

١٦- إن يوسف (ع) صار صديقاً، ليس لمجاهدته وهربه من زليخا.. وإنما السر هو في قوله: {… رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ}.. ما قال: السجن أنفع لي.. بل قال: يا رب!.. إن خلوتي في ذلك السجن، أحب إليّ من خلوتي مع زليخا.. وهنيئاً لمن وصل إلى هذه المقولة!.. يرى أن ليلة خلوة مع رب العالمين، تسوى لذائذ الدنيا بقضها وقضيضها.

١٧- إن الإنسان من الممكن أن يُحيي ليلة القدر من الغروب إلى مطلع الفجر، ولكن لم يذرف دمعة واحدة، ما قيمة هذا الإحياء؟!.. ( ركعتان مقتصدتان في تفكير؛ خير من قيام ليلة والقلب ساه).. أو تعلم أن من موجبات قسوة القلب، أن ترغم نفسك على قراءة القرآن والدعاء إرغاماً؟!..

١٨- إن السياحة هذه الأيام مكلفة، سواء في أدوات النقل، أو في مكان النزول، أو فيما يلتهي به الناس في أسفارهم.. ولكن هنالك محطة مجانية، يمكن أن يتخذها الإنسان مجالاً للسياحة، لأجل أن يروّح عن نفسه، وبلا كلفة مالية -بل حتى بدنية- فبإمكانه أن يسيح في عالم جميل جداً.. وهذه السياحة موطنها عقيب الصلوات الواجبة والمستحبة، وفي حال السجود وفي جوف الليل.

١٩- إن الإنسان له القدرة على أن يحسّن من صلاته، ولكنه يتكاسل في أن يستحضر ذهنه وقلبه في ركعات محدودة.. فإذا لم يمكنه ذلك في الركعات الأربع، فلماذا لا يستحضر الإقبال في ركعة مثلاً، أو في سورة، بل في آية!.. فمن الممكن أن يستحضر ذهنه، على الأقل في تكبيرة الإحرام، ولكن الإنسان يتكاسل.

٢٠- إن من الملاحظ في عالم الطبيعة، وفي عالم الشريعة، وفي عالم الإرتباط بالله عز وجل، أنّ للمجاورة وللانتساب آثارها على الشيء.. ففي عالم الفقه مثلاً: إن الماء القليل إذا اتصل بالكُر، أصبح في حُكم الكُر، وإنْ كان قبل لحظات يُعد قليلاً.. وفي عالم الطبيعة كذلك، فمن الملاحظ أن المجاورة للرائحة الطيبة؛ موجبة لاكتساب الروائح الطيبة.. وفي عالم السياسة، إن الذي ينتسب إلى السلطان، ويُعد من حاشيته؛ فيصبح له حصانة وحُرمة ذلك السلطان.. فإذن، إن الانتساب للشيء في الفقه والطبيعة والسياسة وفي عالم العُرف، مما يعطي الشيء آثار ذلك المنتسب إليه.. فكيف إذا انتسب المحدود الممكن البائد الفقير، إلى ذلك المطلق اللامحدود القادر العليم، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؟!.. فالذي يريد أنْ يتشبه بالخالق جلا وعلا -وحاشا أنْ يكون له كفؤ في الوجود- عليه أنْ يرتبط به، بشكل من الأشكال.

٢١- مَن أراد أنْ يعطيه الرب مزية إضافية عن الخلق، أي يعطيه مزية في عالم الأنفس والآفاق، فعليه بهذا الانتساب الذي يوجب الخلود.. وهذا الانتساب لا يتم إلا عن طريق العبودية الخالصة، لله الواحد القهّار في كل شؤون المعيشة.

٢٢- إن رب العالمين رغبة منه في أن يقف عباده دائماً وأبداً بين يديه، أسقط عنهم أموراً كثيرة في الصلاة المستحبة.. وبالتالي، فإن الإنسان لو أخذه الشوق للقاء رب العالمين، وهو في العمل، أو المتجر، أو المزرعة، أو غيره؛ فبإمكانه أن يصلي لله ركعتين مقتصدتين، أي صلاة تطوعية ليست بفريضة ولا بنافلة رتيبة.

٢٣- إذا جعل الإنسان الصلاة ذريعة للحديث مع الله عز وجل؛ تحولت الصلاة إلى أحلى محطة من محطات الأنس.. وتحولت الصلاة في حياة البعض إلى محطة للتلذذ والارتياح.

٢٤- إن الساجد له هيئة، وعليه أن ينتقل من ملك السجود إلى ملكوت السجود.. وهناك طرق ووسائل ومقدمات منها: أن يعرف الإنسان حقيقة من يسجد له، فالسجود تذلل، والسجود تواضع، والسجود ارتماء على الأرض، في مقام بيان الخضوع والخشوع.. فإذا لم يعرف الإنسان لمن يخضع، ولمن يتذلل.. فإذن، من أين يأتي الخشوع؟!..

٢٥- إن إدامة السجود يوصل الإنسان العابد إلى درجة، يرى أرقى لذائذ الوجود في حالة السجود.. يرى ما لا يراه الآخرون، فلا يحتاج إلى حث تشريعي على السجود.. بل يغتنم الفرص، ويتحين الأوقات، ويبحث عن الخلوات، لكي يسجد.

٢٦- إن على الإنسان أن يعيش حالة من الضيافة الإلهية في المسجد، ولهذا إذا رأى إدبارا خارج المسجد؛ فإنه يحاول أن يستنزل جو الإقبال من خلال الحضور في بيوت الله عز وجل، وخاصة هذه العبارة التي يدعى بها عند دخول المسجد: (إلهي!.. عبيدك ببابك، سائلك ببابك).. فالإنسان يكثر من ترديد الذكر، ويقرأ هذه العبارات؛ لينقي النفس.. وكم من الجميل عندما يقول: (يارب!.. لكل قادم كرامة، ولكل ضيف قرى، فاجعل قراي عتق رقبتي من النار)!.. وهل هذا عزيز على رب العالمين؟..

٢٧- أن نحمّل أنفسنا فوق طاقتها في العبادة؛ هذه حركة مرفوضة.. لأنّ الله -عزّ وجلّ- يحبُّ أن يتقرب إليه العبد، وهو يستلذّ العبادة.. فالذي يؤدي العبادة على كره ومضض؛ هذا الإنسان قد يؤجر، لكنه لا يتقرب..

٢٨- إن الإنسان الذي يصلي، ويقرأ القرآن، وهمه آخر الجزء؛ هذا الإنسان في يوم من الأيام، يكره العبادة، ويعمى قلبه.. لا ينبغي للإنسان أن يرهق نفسه في المستحبات، إذا لم يجد إقبالا!..

٢٩- إن المقياس هو العمل الأحسن، لا العمل الأكثر!.. فلابد أن نتقن النوعية، لا الكمية فحسب!..

٣٠- بعض الناس صمته: إما للمرض، وإما للخواء الباطني.. ولكنّ هناك قسما ثالثا: وهو صمت انشغالي.. هذا الإنسان مشغول بحديث باطني مع الله عز وجل، فلماذا يتنزل ليتكلم مع زيد وعمرو؟.. نعم يتكلم بأمر الله: نهيا عن منكر، أو أمرا بمعروف، أو إرشادا، أو موعظة، أو نصيحة.

٣١- إن الإنسان الذي وصل إلى ملكوت الواجب والمستحب؛ يتلذذ بأداء التكليف.. عندما يذهب إلى الحج، ويعاني ما يعاني في طريق الحج؛ يتلذذ في هذه الصعوبات، كما يقال: لذة الخطاب أذهبت العناء.. أي أن الإنسان الذي يخاطب بالتكليف، هذا تشريف إلهي بالنسبة له.. ولكنّ إنسانا حديث عهد بالمعاصي والذنوب، من الطبيعي أنه في أول الطريق إلى الله عز وجل، يعيش ألم الطاعة.. الطاعات لا تناسب مزاجه إلا تكلفا، يقوم لصلاة الليل متناعسا، ومتثاقلا.. ولكن بعد فترة لو فاتته نافلة الليل في ليلة من الليالي، لمرض أو لنعاس؛ يكون في النهار في حالة يرثى لها؛ لأنه لم يقف بين يدي الله عز وجل.

٣٢- إن لكل حركة عبادية ثمرة مرجوة منها، ألا وهي الورع عن محارم الله عز وجل.. ولكن مع الأسف ما يُرى هذه الأيام عند البعض من التوغل في ممارسة الحرام، بعد أي عمل عبادي، بدعوى أن لديه فرصة التطهر من جديد في موسم عبادي آخر.. أليس هو بهذا الأسلوب يعد مستهزئاً بالنفس، والمولى جل وعلا؟!.. أو ما علم هذا المسكين أن الله لا يخدع وهو خير الماكرين؟!.. وعليه، ينبغي علينا التوازن الشعوري والفكري، فمجرد العواطف وذرف الدموع المحرقة لا يكفي!..

٣٣- لابد من البحث في الآليات الموصلة لهذه الحالة المقدسة؛ أي حالة الارتماء في الأحضان الدافئة للحنان الربوبي، والتي منها يتشعب دفء حنان الأمومة، وهذه الآلية متمثلة في: إتقان الواجبات بشروطها الفقهية والعرفانية، ومن ثم العمل بما لم يلزمنا به الشارع؛ أي الالتفات إلى ضرورة القيام ببعض النوافل.. فإن القيام بالواجبات فيها شبهة الخوف من العقاب، أما النافلة ففيها نسبة عالية من حب إرضاء المولى بما لم يفترضه على العبد.. ومن هنا عبر الإمام العسكري (ع) عن السفر إلى الله -تعالى- بأنه: (لا يدرك إلا بامتطاء الليل).

٣٤- إن البعض من كبار السن، لا يتحمل الوقوف لممارسة أعمال المنزل لمدة ربع ساعة أو عشر دقائق؛ ولكنه يقف ساعة ونصف في عبادة أمام الله عز وجل؛ وتفسير ذلك: أنه أراد وأحبَّ أن يعمل فعمل!.. كذلك أحدنا عندما يطارد من قبل لص أو ما شابه، فإن قوته تتضاعف للهرب؛ ذلك لأن الجسم يكيف نفسه مع مختلف الظروف، ومنها ليالي العبادة.. فالإنسان لديه قدرات وإمكانات كامنة، وهي توجب الشكر!..

٣٥- إن البعض لا يسبح إلا بمسبحة خاصة، فإذا فقد المسبحة؛ توقف عن التسبيح.. ولا بد أن يصلي في زاوية خاصة في المنزل، وإذا لم يصل في تلك الزاوية؛ لا يخشع.. ولابد أن يدعو في مسجدٍ معين، وخلف إمام معين، وفي جوٍّ معين.. هذا أمرٌ غير صحيح!.. المؤمن يجب أن يتحرر من كل هذه القيود!..

٣٦- مشكلتنا نحن -بني آدم- أننا متكاسلون في العالمين: في عالم الجوارح، وفي عالم الجوانح.. نحن في زماننا هذا، في هذا القرن لدينا وسائل الرفاهية والراحة والتمتع في الحياة، ما لا تجعل للإنسان مجالاً أن يترقى من باب المجاهدة.. لكن القلب إذا صار عامراً بالذكر، والحب، والاعتقاد العميق؛ رب العالمين إذا أحب عبداً؛ رضي منه القليل.. هذا القليل من الطاعة: كالفرائض اليومية: أي يكفي أن يكون الإنسان مصلياً صلاة واجبة، وصائماً صوم الواجب، ومؤدياً المال الواجب، وحاجاً في العمر مرة واحدة؛ عندئذ تفتح له أبواب الجنان.. لأنه أرضى ربه في باطنه، والجوارح شغلها في العبادات الواجبة.. رب العالمين قد يعطيه التعويض الكثير في نواقص هذا الطريق.

٣٧- ما المانع أن يجمع الإنسان بين الأمور الثلاثة: بين الصدقة الجارية، والعلم النافع، والولد الصالح؟..

٣٨- إن الإنسان العاقل، يقدم الباقي على الفاني.. والإنسان العاقل ينسجم مع هدف خلقة الوجود، ألا وهي العبودية!.. بعد أن يعتقد أن الانقطاع إلى الله أمر حسن: يتصوره تصوراً، ثم يصدقه تصديقاً، ثم يحول هذا المفهوم إلى شيء محبوب.. أي هو يحب أن يصل إلى هذا المستوى من الانقطاع إليه، ويستميت من أجله.. فإذا أحب الإنسان هذا المفهوم، عندئذ يأمر القلب البدن أن يتوجه للعبادة للحوزة، لأن هذه مقدمات لحصول الانقطاع إلى الله عز وجل.

٣٩- إن هناك قسماً من الناس يستهويهم من عالم التقرب إلى الله -عز وجل- جانب العبادة الجوارحية؛ لأن هنالك بعداً مادياً.. فالذين التزموا في هذا الشهر بصلاة ألف ركعة، فيرى في دفتره ألف ركعة، أي أن هنالك وجوداً مادياً، هذا الوجود يريحه.. والعمرة كذلك وجود مادي، فهو يذهب إلى البيت، ويقف تحت الميزاب، وعند الحطيم.. وعندما يذهب لزيارة مشاهد أهل البيت (ع)، يصلي عند الرأس الشريف.. فإذن، إن البعض يأخذ من الشريعة هذا الجانب العبادي المادي؛ أي الجانب الذي فيه مزاولة، وتشغيل للجوارح والأعضاء.

٤٠- إن الذي يعيش اللذائذ المعنوية، يحتقر اللذائذ الدنيوية العابرة، ولا يراها ملفتة جداً؛ فهي مؤقتة، وليست دائمية.. وهي غير مجانية، وتحتاج إلى أموال؛ بينما اللذائذ المعنوية أمر ميسور دائماً.. يكفي أن يغمض الإنسان عينيه وهو في أي مكان، ويسيح في مناجاة قلبية مع رب العالمين.. يقول الإمام زين العابدين (ع): (وأستغفرك من كل لذّة بغير ذكرك، ومن كلّ راحة بغير أُنسك، ومن كل سرور بغير قربك، ومن كل شغل بغير طاعتك).. على كل حال نحن مأمورون أن نتمتع بالدنيا، قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}.. نحن لسنا من دعاة تعذيب الأنفس، وحرمان النفس من اللذائذ.. إذا أقبلت الدنيا، فأولياء الله أولى من الفجار؛ ولكن هذه عينات تعطى للإنسان، لتفتح شهيته على هذا العالم الجديد.

٤١- إن هنالك عبودية تشريعية.. بمعنى أن الإنسان عبد مطيع لله -عز وجل- بالإرادة.. ولكن قد تكون هذه العبودية خوفاً من العقاب، أو رجاءً في الثواب.. أي خلاف لمقتضى ميل الإنسان، فهو يطيع الله -عز وجل- على مضض بدون أي انسجام أو عاطفة.. إذ أن هناك فرقاً بين امتثال الموظف لأوامر المدير، وبين امتثال الزوجة لأوامر لزوجها؛ فكلاهما امتثال، ولكن الثاني محفوف بهالة من المحبة والرغبة.. وبينما المطلوب أن يصل الإنسان إلى هذه العبودية الثالثة، لا طمعاً ولا خوفاً، وإنما أن يرى أن هذه العبودية ثمرة الوجود، ولا يمن على الله -عز وجل- بذلك، وإنما هو عبد مخلوق، خلق لمهمة، وهو منسجم مع هذه المهمة التي أرادها الله عز وجل.

٤٢- إن الشر ينسب للعبد؛ لأنه هو صاحب الإرادة، فلو سلبنا منه عنصر الإرادة، لانتفى حسن الثواب والعقاب.. لأن الله -تعالى- لا يعاقب من سلبت إرادته: كالساهي، والنائم، والمكره، والمضطر.. فإذن، إن الشر هو من سلوك العبد، الذي تصرف في موارد الطبيعة، وتصرف في أعضاء بدنه، مما يؤدي إلى وقوع المعصية.. ولكن عندما نقول: بأن الخير من الله عز وجل، لا بمعنى أن الله -تعالى- أجبرنا على فعل الخير، وإلا لا يحسن الثواب لإنسان قام بعمل بلا شعور، بل يعني أن المواد التي سخرها الله -تعالى- لنا، هي من الله؛ تمكيناً للقيام بالعمل الصالح.

٤٣- إن من أعظم القربات إلى الله سبحانه وتعالى، التوفيق بين رأسين في الحلال.. والفشل في بعض الحالات لا يلزم التوقف والإحباط، أنتم قمتم بما عليكم والبقية تترك على رب العالمين، فلو نجحتم في تزويج عشرة من شباب المؤمنين، فإن لكم من الذخائر التي لا تنفذ يوم القيامة.. ثم إن حركة الزواج الجماعي حركة اقتصادية جميلة، لا أعتقد أنها صورة من صور الفقر، أو التمظهر بمظهر الاستضعاف؛ ليستنكف البعض عنها.. بل هي حركة مباركة إذا ما كانت ضمن مباركة شرعية، وفي جو رسالي هادف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى