العمل الصالح

شهر رمضان في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

إن المؤمن الذي يرجع من الحج أو من العمرة، أو ينتهي من شهر رمضان، ومن ليالي القدر، أو ينتهي من صلاة ليل خاشعة، ثم يخالف؛ فمثله كمثل الحواريين.. تلك مائدة تؤكل، وهذه مائدة تدرك.. {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ}..

يلاحظ على بعض المؤمنين التذبذب والتراجع، والتقدم والتأخر: فتراه ليلة القدر يترقى، ثم ينزل، ثم يترقى في موسم الحج، ثم ينزل، ثم يترقى…. وهكذا، إنما يكون كذلك؛ لأن ليس له قانون أساسي..

فلنحذر الخروج من الجنات المعنوية.. مثلا: إنسان يرجع من الحج، ويخرج من شهر رمضان، فهو في جنة كجنة آدم.. فيقوم ببعض المعاصي، فيخرج من جنة الأنس الإلهي، ويعيش كعامة الناس..

إن شهر رمضان شهر التعارف والمصالحة مع الله -سبحانه وتعالى-، والقرآن الكريم بالنسبة إلى عامة الناس، يقول: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.. فلنطبق هذه الآية في تعاملنا مع رب العالمين!..

إن النقطة الأولى الجوهرية في ليلة القدر: أن نطلب من الله أن يحول إيماننا من إيمانٍ خوفيٍّ، ومن إيمانٍ رجائي؛ إلى إيمان أمير المؤمنين -عليه السلام- الذي كان يقول: (ربي!.. ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك.. ولكني رأيتك أهلا للعبادة، فعبدتك)..

إن الختمات في شهر رمضان أمر مطلوب، ولكن لتكن لنا ختمتان: ختمة التلاوة، وختمة التدبر..

إن الإنسان بعد ليالي القدر، يعيش حالة من حالات الخفة، ويستذوق حلاوة الإيمان؛ لأنه اكتسب عمرا جديدا.. فـ{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، فهو يعيش أوج التألق الروحي، والإقبال القلبي على الله عز وجل..

إن من علامات القبول في ليلة القدر، أن يعيش الإنسان حالة البرد الباطني.. فحلاوة المغفرة من الأمور التي لا يمكن أن تستوعب من قبل العصاة..

إن من آثار الضيافة الكاملة، أن يرجع الإنسان إلى وطنه بضيافة لا تفارقه.. فالسلاطين عادةً لهم ضيافة، وبعد انتهاء الضيافة يعلقون بعض الأوسمة على صدور الجالسين في تلك القاعة.. فالضيافة تنتهي، ولكن الأوسمة لا تنتهي..

إن على الإنسان أن يعتمد في ليلة القدر الكيف لا الكم!..

إن المؤمن في ليلة القدر، لا يكتفي بأن يقوم بالإحياء المتعارف من: صلاة، وقراءة دعاء الجوشن، وغير ذلك.. بل عليه بالآداب الباطنية، لأنه بدون هذه الآداب، لا يتقدم أُنملة في حياته الروحية..

إن أفضل الأعمال في ليلة القدر، هو طلب العلم.. ليس المسائل الفقيهة: عن الغسل، وما شابه.. إنما العلم الذي يناسب هذه الليلة، العلم المورث للخشية.. أحد العلماء الأجلاء يقول: (كل علم لا يبكيك، لا ينفعك).. أي لابد أن يكون عاقبة العلم، هو البكاء أخيراً.. الذي هو الخشية كما يذكره القرآن..

إن على المؤمن أن يضع شعارا لنفسه في شهر رمضان، وأن يسأل الله -عز وجل- أن يجعل شهر رمضان هذا، خير شهر مر عليه.. وليلة القدر هذه السنة، خير ليلة قدر مرت عليه!.. لأن الإمام علي (ع) قال: (مغبون من تساوى يوماه)!.. وعليه، فإن المغبون أيضا من تساوى شهراه، والمغبون من تساوت سنتاه!..

إن صوم خواص الخواص، هو أن يصل الإنسان إلى مرحلة لا يرى في الوجود مؤثرا ولا مالكاً إلا هو، أزمة العباد كلها بيده..

إن ليلة القدر تحتاج إلى برمجة وإلى إعدادٍ روحي!.. فالناس ليس كلهم بمستوى التفاعل من أول خطوة، وإنما يحتاجون إلى إعداد وإلى تهيئة.. لذا علينا أن نتحايل على أنفسنا، في أن نصل إلى هذه الدرجة التفاعلية.. فـ(ركعتان مقتصدتان في تفكير، خير من قيام ليلة والقلب ساه)!.. فهذا منطق الدين: منطق الكيف، لا منطق الكم..

إن ليلة القدر {خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، وفي تغيير جوهر الإنسان، يعني ليلة العبادة تساوي ألف شهر..

إن الإنسان في ليلة القدر، عليه أن يعول كثيراً على تغيير منعطف الحياة..

نحن كلنا عندنا آبار نفط ولكنها مغلقة!.. نستخرج منها عدة براميل في شهر رمضان، وعندما يأتي موسم الحج نخرج أيضا عدة براميل أخرى، وإذا بنا آخر السنة قد استخرجنا من الحقل الذي فيه مليون برميل، أخرجنا منه خمسين برميلا.. أليس هذا ظلما للنفس؟!..

إن الطاقة التي يأخذها الإنسان في ليلة القدر، هذه الطاقة الهائلة، عبادة ثمانين سنة؛ تحتاج إلى تقوية في كل أسبوع.. كالطاقات الكهربائية التي تقوى بين محطة ومحطة.. وليالي الجمعة، هي محطة لتقوية ما اكتسبناه في هذه الليالي والأيام..

إن الإنسان عليه أن يملأ وقوده بأقصى ما يمكن في شهر رمضان؛ لأنه من الطبيعي أن يفقد هذا الوقود -أو هذا الزاد- خلال شهر شوال وغيره.. فالذي لم يتزود إلا القليل في شهر رمضان المبارك، فإنه من الطبيعي في أول يوم من أيام العيد، سيفقد هذا المخزون الموجود لديه.. ولهذا فإن شهر رمضان شهر متميز، لا يرقى إليه شهر، وهو ربيع التكامل الأخلاقي وغيره.. ولكن على الفرد المؤمن أن يتملى من كل صور المزايا المعنوية في شهر رمضان المبارك، ليبقي الأقل القليل في طوال سنته..

إن الصوم من موجبات التركيز الفكري لدى الإنسان الصائم..

إن فصل الربيع في عالم الطبيعة ثلاثة أشهر، كذلك أيضاً بالنسبة لعالم الأرواح؛ فإن ربيعها هذه الأشهر المباركة الثلاث: رجب، وشعبان، ورمضان؛ إذ أنه من الملاحظ في هذه الأشهر كثرة العبادة والذكر صباحاً ومساءً..

إن البعض إذا وصل إلى درجة تناسبت شهيته مع الحرام، فإنه يرتكب المنكر ويكرره في شهر رمضان وفي غيره، ولا يرى بأساً في ذلك!.. فهذا الإنسان على مشارف الكفر!.. {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون}.. أوله إساءة، وفحشاء، ومنكر.. وفي الأخير إنكار لمبادئ الشريعة!..

إن القرآن الكريم أيضاً من صور الضيافة الإلهية.. فشهر رمضان هو شهر الدعوة إلى الضيافة، إذ ليس كل أحد دخل في ضيافة الله عز وجل!.. فشهر رمضان ليس شهر السحر والإعجاز، وليس كل من دخل الشهر، يكون قد دخل الضيافة؟!..

دُعينا إلى الضيافة في شهر رمضان: فالمائدة مفتوحة، والشياطين مغلولة.. ولهذا ضيافته ضيافة متميزة، فهذا النَفَس الذي نستنشقه، والذي لا قيمة له، والذي يدخل فيخرج غازاً ساماً، وإذا به يتحول إلى تسبيح؟!.. (أنفاسكم فيه تسبيح).. والنوم وهو الموت الأصغر، يتحول إلى عبادة، وإلى عبادة مقبولة، وذلك عندما يقول: (ونومكم فيه عبادة)!..

إن على الذين يهتمون بالجانب العبادي، اغتنام الليالي البيض؛ ليحولوا هذه الليالي المباركة إلى محطة بيضاء، وإلى فرصة لتبييض القلوب..

إن الله -عز وجل- له تجليات متميزة في السنة، ومنها في شهر رمضان.. وأثناء الشهر أيضاً، هنالك تجليات متميزة: كليلة القدر، وليلة الجمعة، والليالي البيض، والليلة الأخيرة من الشهر الكريم..

إن ليلة القدر قوتها في مقام العبادة والأجر {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، و{خَيْرٌ} أي أكثر من ألف شهر.. وهذا يتوقف على مدى شغل العبد في زيارة المعصومين، أو في حج.. يقول العلماء: إن اختلاف الأجر بحسب اختلاف طبيعة الزيارة: فزائر يُعطى حجة، وآخر يعطى أكثر، وهكذا إلى مليون حجة.. وفي ليلة القدر كذلك {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}..

إن شهر رمضان شهر تجلي الكرم الإلهي، الكرم الذي لا حدّ له.. شهر رمضان شهر تجلي الرحمة، الرحمة التي لا حدود لها.. شهر رمضان شهر تجلي المغفرة، المغفرة التي لا حدود لها.. ولهذا يقال: من لم يغفر له في شهر رمضان، فمتى يغفر له؟.. وعن أبي عبد الله (عليه السلام): (من لم يغفر له في شهر رمضان، لم يغفر له إلى قابل، إلاّ أن يشهد عرفة)..

إن الذين يريدون أن يصلوا إلى شهر رمضان متميز، فتحقيق ذلك يتم من خلال القرآن الكريم.. لأن الصيام -حسب الظاهر- هو: عملية كف عن الطعام، والشراب، وباقي المفطرات.. ولكن هذا الكف أو هذا الصوم يحتاج إلى منهج، وإلى خلفية فكرية؛ والقرآن الكريم هو الجزء المكمل، من خلال إعطاء الإنسان الرؤية الكونية المناسبة..

إن الإنسان عندما يصوم، يسيطر على غرائزه، وعلى نزواته، وعلى ما ألفه طوال السنة، ولكن العقل أيضاً يحتاج إلى برنامج.. والذي يتكفل هذا البرنامج، هو القرآن الكريم.. فالقرآن الكريم هو الذي يفلسف الحياة، ويفلسف حركة الإنسان؛ وعندئذ هذا الكف البسيط -الذي هو فعل من أفعال الفم، والمعدة، والأمعاء… الخ- يتحول إلى عملية هادفة..

إن الإنسان الذي بملء اختياره، يكف نفسه عن الطعام والشراب وغيره من الصباح إلى الليل، فإن هذا الجوع يُفَّتح مسارب النفس..

إن نفس عملية الجوع من موجبات انفتاح البعد الفكري، والثقافي، والتوعوي عند الإنسان.. (البطنة تذهب الفطنة)!.. فإذا كانت البطنة تذهب الفطنة، معنى ذلك أن العكس -وهو الصيام- يفتح الآفاق للتدبر والتأمل في كتاب الله عز وجل..

إن الانتساب إلى العظيم بالذات، يوجب العظمة بالعرض.. فهذه الأنفاس التي لا قيمة لها في باقي الأيام، تتحول إلى تسبيح (وأنفاسكم فيه تسبيح)!.. والنوم يتحول إلى عبادة (ونومكم فيه عبادة)!.. وخلوف فم الصائم ذو الرائحة الكريهة، يتحول إلى ما هو أطيب من المسك!.. كل ذلك من بركات الضيافة الإلهية في هذا الشهر، فطوبى لمن تعرض لها بشرطها وشروطها!..

إن الكريم أثناء ضيافته لخلقه، يغض الطرف عن العراقيل والموانع، التي تعوق اتصال السائل به تبارك وتعالى.. فمن باب أولى بالسخاء الإلهي أن يتجاوز تلك العقبات التي نصبها العبد في الطريق، لنيل العطايا الإلهية والعطايا الربانية.. فالإله -عز وجل- بكرمه وجوده، يزيل كل العراقيل والعقبات.. فالشياطين مغلولة، والحجب مرفوعة، والأرزاق مبسوطة.. فتبارك الله أكرم الأكرمين!..

إن ضيافة المولى عز وجل، تكون لكل عباده الوافدين إليه، والمقبلين عليه.. ولا تكون ضيافته مقتصرة على عدد معين من الناس، أو تكون ضيافته -تبارك وتعالى- بالانتخاب والاختيار.. فالمائدة معدة للجميع..

إن شهر رمضان؛ شهر الله بحقيقة المعنى.. فكما أن الكعبة بيت الله، والقرآن كتاب الله؛ فكذلك هذا الشهر المبارك، هو أيضا شهر الله عز وجل.. والشيء إذا انتسب إلى الله عز وجل، اكتسب العظمة الخلود؛ لأنه منتسب إلى عظيم أزلي وأبدي؛ فيُضفي على ذلك الشيء أنواع رحمته وبركاته.

إن شهر رمضان بمثابة بستان فيه أشجار، وثمرته هي التقوى، وليس الكف عن الطعام والشراب.. والتقوى ليس في هذا الشهر فحسب!.. وإنما هي حالة إذا وُجدت في الإنسان، استمر على حالة من التعالي والتقدس والطهارة، تستمر معه إلى آخر أيام السنة..

انظر إلى التعبير القرآني الجميل {لَعَلَّكُمْ}!.. فالقضية ليست قضية تلقائية، وشهر رمضان ليس شهر التقوى بشكل تلقائي.. فليس كل من صام شهر رمضان، إنسانا يحوز على ثمرة التقوى.. وإنما يحتاج إلى أمور أخرى غير الصيام المتعارف.

يقول النبي (ص) في خطبته التي ألقاها في استقبال شهر رمضان: (أيها الناس!.. إنه قد أقبل إليكم شهر الله، بالبركة والرحمة والمغفرة)، وكأن شهر رمضان قافلة محملة بالبضائع، جاء ليعطي الصائم ما عنده مجانا، مقابل أيام قليلة {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} وقد كان بإمكان الله عز وجل -وهو المالك على الإطلاق- أن يطلب منا صيام كل يوم، فهو خالق النفس، وخالق الطعام، فما المانع؟!..

إن الله -عز وجل- بمنه وكرمه على عباده، قد جعل محطات في السنة، ليتخفف المؤمن من ذنوبه، من حيث لا يشعر.. كالإنسان المبتلى بأنواع الكدر، فإنه يدخل إلى الحمام -وهو لا يعلم ما عليه من الأوساخ- وبمجرد أن يخرج من الحمام، وإذا به يخرج نقيا نظيفا طاهرا، من دون أن يعرف ما الذي حدث في الحمام، فكل ما قام به هو صب الماء، وإذا به يخرج نقيا.. فكذلك أحدنا يدخل شهر رمضان وقد ارتكب من الذنوب ما لا يعلمها إلا الله عز وجل؛ فيأتي شهر رمضان، ليعفو الله -عز وجل- عنه، وإن لم يتذكر تلك الذنوب.

يجب أن تكون الثمرة متناسبة مع الشجرة.. فالكف عن الطعام والشراب، أمر بدني مادي، يتعلق بالفم والأمعاء؛ ولكن التقوى أمر معنوي.. فهل يعقل أن يأتي اللب من القشر؟.. إن التقوى ثمرة معنوية، وعليه لابد أن يكون الصوم صوما معنويا..

إن شهر رمضان شهر متكامل، أي على المؤمن أن يضبط برامجه من أول ليلة، فينظر إلى أعمال الشهر كاملة.. لأنه إذا لم يبدأ من الليلة الأولى؛ فإنه لن ينتفع منه النفع المقصود.. فهذا الأجر يعطى لمن يقوم بهذا العمل، من أول ليلة إلى آخر ليلة.

إن البعض منا يفطر الصائمين بدعوى العادة، وفرق العبادة عن العادة، هو الباء.. فليس هذا من الأجر العظيم، أن يلتزم الإنسان بدعوى العادة.. هذا أولاً، وثانياً: لماذا لا ندعو الفقراء والمساكين إلى منازلنا؟.. علينا أن نعلم أن إفطار الصائم حركة إيجابية، ولكن علينا أن نعطي له بعدا نفسيا واجتماعيا: ففيه إطعام، وفيه قضاء حاجة، وفيه تنفيس كربة من كرب أخوانه المؤمنين.

إن المؤمن في شهر رمضان قريب إلى الله عز وجل، لئن كانت الذنوب أسقطته من عين الله في غير شهر رمضان، فإن شهر رمضان شهر المصالحة، وشهر التقرب والتودد.. وحاشى أن يدعو الناس إلى ضيافته، ثم يعاملهم معاملة غير ضيافته!..

لئن كانت العشرة الأخيرة من شهر رمضان، محطة تركيز على العلاقة الخاصة مع رب العالمين، من الزاوية الفردية للعبادة.. فإن العشرة الأولى من شهر محرم الحرام، تمثل محطة تركيز أيضا على تلك العلاقة من الزاوية الاجتماعية للعبادة؛ تأسياً بسيد الشهداء (ع) الذي مارس أرقى صور العبودية لرب العالمين، من خلال استنقاذ العباد من الجهالة وحيرة الضلالة؛ مجسدا بذلك شعار إحياء الخلق؛ لأنهم عباد الله.. وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله.

إن الذين لا يعيشون في ليلة القدر الرقة الروحية، فهؤلاء مرضى!.. لأن ليلة القدر هي ليلة التعالي، وليلة التصافي، وليلة الهجرة إلى الله عز وجل.. إذا كان هناك إنسان طوال السنة، لا يبكي من خشية الله، إنه أمر عادي.. أما ليلة القدر لا يبكي، فهذا مريض، أو فيه شبهة المرض، كعدم البكاء في ليلة عاشوراء.

إن ليلة القدر ليلة مصيرية، فرب العالمين في هذه الليلة يكتب مقدرات الفرد، ومقدرات أمة الإسلام، ويكتب مستقبل المسلمين في هذه السنة…. لذا قبل أن يجف المداد، وقبل أن يطلع الفجر، وقبل أن تصعد الملائكة إلى الله -عز وجل- بمقدرات المسلمين؛ فليسأل المؤمن الله -عز وجل- أن يغير من مقدراته.. نعم، في اللحظات الأخيرة، من الممكن أن يصرف رب العالمين البلاء عن هذه الأمة بدعوات المؤمنين.

إن الإنسان عندما يريد أن يسافر، يعد العدة لذلك السفر قبل مدة طويلة، ويبرمج نفسه: إلى أين يذهب، ومتى يذهب، وكيف يذهب؟.. في السفر المادي هكذا يعد له العدة، ونحن طوال السنة لدينا محطات للسفر الروحي: في ليالي القدر هناك سفرة روحية، وفي ليلة عرفة ويوم عرفة هناك سفر روحي، وفي الليالي البيض من شهر رجب وشعبان ورمضان كذلك هناك سفر روحي.. ومن هنا كما أن سفر الدنيا يحتاج إلى إعداد، كذلك سفر الآخرة يحتاج إلى إعداد.

إن هناك فرقا بين إنسان يشتاق لشهر رمضان المبارك، وبين إنسان يتمنى لو أنه يتأخر لأيام!..

إن الشارع المقدس، يهيئ الإنسان لما يريد تدريجيا: ففي شهر رمضان، جعل ليالي القدر في العشر الأخيرة؛ لذا فهي خير الليالي.. وليلة القدر الكبرى، هي الليلة الثالثة والعشرون.. أي هناك عشرون يوما قبل العشر الأخيرة، وهناك ليلتان قبل ليلة القدر.

من خطبة النبي (ص): (هو شهر عند الله أفضل الشهور) هذه العبارة جداً بليغة.. كلمة (عند الله)؛ أي أيها الناس، بنظركم أنتم التجار: الصيف؛ أفضل الشهور، وأول السنة الميلادية أفضل الشهور، حيث المعاملات الدولية.. ولكن عند الله أفضل الشهور هو شهر رمضان.. إذن عند الله شيء، وعند البشر شيء آخر!..

إن توفيقات الأشهر الثلاث متراكبة: فخيرات شهر رجب مقدمة لتشعب الخيرات في شهر شعبان.. وهي مقدمة للضيافة الرحمانية الخاصة في شهر رمضان، لتتوج أخيرا بخير ليلة قدر مرت علينا، منذ أن شرفنا الله -تعالى- بقلم التكليف!.. فهل أعددنا له العدة من الآن؟!..

إن أعمارنا ثمينة دائما، ولكن الوقت في شهر رمضان له قيمة مضاعفة!.. إذ أن: الدعاء فيه مقبول، والأنفاس فيه تسبيح، والنوم فيه عبادة.. وعليه، فلا بد من التحكم في الزيارات الرمضانية، من حيث: الأشخاص الذين نزورهم، ومن حيث المدة التي نقضيها معهم، ومن حيث الموضوع الذي نتناوله.. فإننا محاسبون على هذه اللحظات الثمينة!.. وليس من العيب أبدا أن يكون الإنسان بخيلا في وقته وعمره، فلا يعطيه إلا لمن يستحق ذلك.

إن كثيرا من الموائد الرمضانية، لا يراد بها وجه الله عز وجل، فيغلب على بعضها عنصر: المباهاة، أو المجاراة، أو المداراة.. ومن المعلوم أن ما لم يكن لوجهه تعالى، فهو مردود إلى العبد، وموجب لحسرته يوم القيامة.. فلنختر لدعوة الإفطار من يمكن التقرب بهم إلى الله عز وجل، كـ: الأرحام، أو من نفرج همهم بذلك، أو المساكين الذين لا يسألون الناس إلحافا.. وليكن شعارنا في ذلك، شعار أهل البيت (ع): {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا}.. وبذلك ينطبق علينا ذلك الأجر العظيم، المتمثل فيما روي عن الصادق (ع): (أيما مؤمن أطعم مؤمنا لقمة في شهر رمضان؛ كتب الله له أجر من أعتق ثلاثين رقبة مؤمنة، وكان له عند الله دعوة مستجابة).

إن التملي من الطعام والشراب -وخاصة عند الإفطار- من موجبات تكاسل البدن عن العبادة وطلب العلم.. فمن المناسب أن يوزع الصائم طعامه بين وجبتين: الإفطار، والسحور.. وخاصة أن الاستيقاظ لتناول الطعام ساعة السحر، من موجبات التوفيق القهري للقيام بحق الله -تعالى- في جوف الليل، وقد ورد: (إن الله وملائكته يصلّون على المستغفرين والمستسحرين بالأسحار ).. والمراد بالثاني الذين يتسحرون في هذا الشهر الكريم.

إن البعض يتذرع بالصيام، لسوء الخلق مع أهله، والتقصير في عمله الوظيفى.. والحال أن جوهر شهر رمضان، يتمثل في عملية كف النفس عن الحلال؛ فضلا عن الحرام، ليتدرب العبد السيطرة على جوارحه وجوانحه.. أوَ هل يكفي الكف عن الطعام والشراب -وهما مباحان في الأصل- وعدم الكف عن الحرام الذي هو حرام في كل حال؟!.. ولهذا جعل النبي (ص) أفضل الأعمال في هذا الشهر، هو الورع عن المحارم.

إن من المناسب جدا أن نجعل شهر رمضان بداية لسنة روحية جديدة.. فإن مجموع الغفلات، والشهوات، طوال السنة الماضية؛ جعلت الخطايا والذنوب تتراكم، إلى درجة تجعل الإنسان في بعض الحالات غارقا تحت ركام كبير من الحجب الظلمانية، والتي تحتاج إلى ثورة باطنية عارمة لقلب الوضع رأسا على عقب.. وهذا الأمر لا يتسنى إلا بمعونة إلهية، وهذه المعونة تتجلى في أعظم صورها في هذا الشهر الكريم، حيث الشياطين مغلولة، وأبواب الجنة مفتحة.

إن الصائم يرى في نفسه قدرة، لم يعهدها في نفسه طوال العام.. ومن أسباب ذلك: الضيافة الإلهية الدافعة للعبد إلى الإمام، والجو الجماعي للطاعة، والعزم الفردي على امتثال الأمر الإلهي.. وعليه، فإن الفرد يختزن في باطنه طاقة حبسها طيلة طياته، فلم يطلقها في سبيل التكامل.. ومن هنا يأتي العبد يوم القيامة خجلا وجلا، لا حجة له ولا عذر.. فيتمنى لو تسوى به الأرض، لما يرى من عظيم الخسارة، مع ما أعطي من رأسمال لم يقدر قدره.. أوَ لا يحسن بنا أن نتدارك تلك الندامة في هذه الأيام، والفرصة متاحة، والأعضاء مطلقة، وقلم التكليف لم يرتفع بعد.
إن الصيام الذي يكون جنة من النار، هو ذلك الصيام الذي يمنع صاحبه عن الحرام.. كما هو الحال في الصلاة، التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.

إن الإنسان يحلق في شهر رمضان في أجواء التوحيد، والمناجاة، وكبت النفس عن الشهوات، وتلاوة الكتاب الكريم.. فالغالب على ذلك الشهر، اللون التوحيدي.. وهذا اللون يتجلى بشكل واضح وصريح في ليالي القدر المباركة، حيث يقضي المؤمن ليله من المغرب إلى مطلع الفجر، وهو يذكر ربه ذكرا متميزا بليغا.. فالإنسان يحتاج في نشاطه اليومي، وفي حركته اليومية إلى هذه الصلة الوثيقة برب العالمين.. ومن منا يمكن أن يعيش، وهو مبتور الصلة بمنشأ الفيض، والهبة العظمى في هذا الوجود؟..

إن الكريم أثناء ضيافته لخلقه، يغض الطرف عن العراقيل والموانع، التي تعوق اتصال السائل به تبارك وتعالى.. فمن باب أولى بالسخاء الإلهي أن يتجاوز تلك العقبات التي نصبها العبد في الطريق، لنيل العطايا الإلهية والعطايا الربانية.. فالإله عز وجل بكرمه وجوده، يزيل كل العراقيل والعقبات.. فالشياطين مغلولة، والحجب مرفوعة، والأرزاق مبسوطة.. فتبارك الله أكرم الأكرمين.

إن الذي يريد أن يتقن الشهر الكريم، لابد أن يسيطر على مجمل الأعمال من الليلة الأولى واليوم الأول، سواءً من أسباب تلاوة القرآن الكريم، أو غير ذلك من البرامج.. فالذي يهمل الأيام الأولى، فإن الشيطان ينسيه ذكر ربه فيما تبقى من شهر رمضان، ويتفاجأ وإذا بالشهر قد انقضى وانتهى.

إن بني آدم مهما طال به العمر، -ستون أو سبعون سنة، أعمار الأمة في هذه الحدود- قد لا يتقن أن يحيا حياة طيبة، ولكن رب العالمين أعطانا عمراً كاملاً في ليلة واحدة.. فكم من المهم أن يفكر الإنسان من الليلة الأولى، لإحياء تلك الليلة إحياءً يرضي رب العالمين!..

إن أفضل عمل يقوم به الإنسان في ليلة القدر بالنسبة لارتباطها بالقرآن الكريم: أن يعزم عزماً جازماً على أن يعمل بمضامين القرآن الكريم بعد شهر رمضان المبارك.. والذي هو عاكف على معاصي الله -عز وجل- عليه أن يعلم أن أداء حق القرآن الكريم، وأداء حق ليلة القدر: هو أن يكف عما لا يرضي ربه في الشهر وبعد الشهر الكريم.
جاء في الحديث عن الرسول الأكرم (ص): (صوموا تصحوا).. لا ينبغي أن نحصر معنى كلمة (تصحوا) في هذه الرواية بالصحة الجسدية فقط، وإنما يفهم من المعنى أيضاً مسألة الصحة النفسية من خلال الصوم.. فالقضية لا تحتاج إلى تخصص طبي، لنفهم أن حاجة البدن للطعام هو أقل بكثير مما نأكله نحن.. وحسب كلام الأطباء: أن قسما كبيرا من هذا الطعام الهنيء، يمر من خلال الأمعاء كأي مجرى، ثم يؤخذ منه المقدار اللازم، ويعد قليلاً بالنسبة إلى ما هو موجود.. فيأتي الصوم لكي ينظم هذه العملية، ويثبت للإنسان أن بإمكانه أن يعيش على أقل من ذلك.

إن الصوم من موجبات هدوء الإنسان.. إذ أن الإنسان الصائم كونه في حال طاعة وعبادة، فعندما يعيش حالة العطش، ويرى بأن هذه العملية في إطار الطاعة الإلهية؛ فإنه يتلذذ بهذه الحالة، ويرى نفسه قريباً من الله عز وجل.. وهذا الإحساس بالقرب وبالضيافة الإلهية، تمنعه من القيام بعملية الحدة والغضب وما شابه ذلك.. وهذا عكس ما يروج: بأن الإنسان الصائم، أقرب ما يكون إلى حالة الغضب وغيره.

إن هناك نوعا من أنواع التلقين!.. فالذي يلقن نفسه حالة الحدة والبلادة الذهنية في شهر رمضان؛ فإنه من الطبيعي أن يؤول أمره إلى عدم الاستطاعة على التفكير، بينما الصحيح هو عكس ذلك.. إذ أن هناك من عندما يكون صائماً -طبعاً الجوع المعقول، ليس الجوع المرهق جداً الذي هو مقدمة للإغماء مثلاً- يلاحظ أنه في هذه الحالة يفكر تفكيراً جيداً.. وبمجرد أن يأكل الطعام -وخاصة وجبة الغذاء الثقيلة- يلاحظ وكأنه شمعة وانطفأت!.. ويشعر بحالة من حالات الكسل البدني، والفتور الذهني.

إن من مزايا السيارة أن يكون لها فرامل قوية، ومن المعلوم أن السيارة التي لها فرامل قوية، تعتبر من السيارات المتقدمة في هذا المجال.. والمؤمن يحتاج إلى فرامل!.. وشهر رمضان -إن صح التعبير- شهر الفرملة.. فهو يزيد من قدرة الإنسان على التحكم في كبح جماح شهواته، حتى لو أنه صادف شهوة محرمة، فإنه يمكنه ردع نفسه عن ارتكاب الحرام.

إن من ضمن الأسباب التي تجعل العبد تنتقض مراقبته، وينتقض وضوؤه الباطني -أي الطهارة الباطنية- هو: جهد الشيطان الرجيم في هذا المجال.. وقد بشرنا النبي الأكرم (ص) في خطبته: أن الشياطين مغلولة في هذا الشهر؛ أي أن نشاط الشياطين يصل إلى أدنى حد ممكن، بل قد يتوقف.. ومن هنا إذا انتفت موانع التكامل، وكان هنالك المقتضي؛ فإنه يؤثر أثره.. فالمقتضي موجود؛ حيث أبواب الرحمة مفتوحة.. والمانع منتفٍ؛ فرب العالمين قد غلَّ الشيطان.. ولكن الصائم العاصي، أو الذي يشهد الشهر ولا يصومه، فبالنسبة له إن الأغلال مازالت مفتوحة، أي أن أيديها مبسوطة.

إن الصائم بإمكانه أن يعيش أدنى درجات المعية التكوينية، عندما يرى أن هذا الكف هو بعين الله.. ومن المعلوم أن أصحاب التدخين هم أكثر الناس مجاهدة في شهر رمضان؛ فالكف عن الطعام والشراب أمر معقول بالنسبة لهم، أما الكف عن التدخين فهو أمر ثقيل.. ولكن عندما يرى الصائم أن هذا الكف بعين الله، فإنه يترك ألصق العادات به، لأن فيه مرضاة الله عز وجل؛ وهذا يشدد حالة المعية، واستحضار الرقابة الإلهية.

إن القرآن الكريم جاء ليمنهج العملية الأخلاقية.. فهذا الكف إذا كان كفاً مجرداً من دون استراتيجية جامعة؛ فإنه لا يؤثر أثره.. أما إذا كان الصائم يعلم أن هذا الكف يراد منه الكف المستمر طوال العام، وفي كل المجالات، ومنها الحدة -مثلاً- فإنه لا شك سيحاول أن يعوّد نفسه على ضبط سلوكه في كل أحواله.. وإلا فإن الذي يكف عن الطعام والشراب، ويحتد على إنسان، وقد يفحش بالقول، وقد يضرب إنساناً بريئاً؛ فإنه يعمل ما يوجب نقضاً للغرض، ولم يستوعب هدف الشريعة من عملية الصوم.

إذا أردنا أن نبقي المعلول، فلابد أن نبقي العلة -العلة المحدثة، والعلة المبقية-!.. فبالنسبة للإنسان الذي توفق لشيء من الطاعة والإنابة إلى الله -عز وجل- في شهر رمضان، فمن المعلوم أن هذه التوفيقات ناتجة من هذه التركيبة المعروفة: من الكف عن الحرام، والأنس بالعبادة في أسحار شهر رمضان وغيره، ومن تلاوة القرآن الكريم.. فلو أن الإنسان قام بهذه التركيبة بعد شهر رمضان المبارك.. فيتحول الكف عن الطعام والشراب، إلى كف عن المحرمات -هذا حرام بالعرض، وهذا حرام بالذات- ويبقى الأنس بالقرآن الكريم تلاوةً، ولو في حد أقل.. ويبقى الارتباط بأدنى درجات الدعاء والابتهال.. عندئذ فإن المؤمن سوف يعيش في شوال، أجواء قريبة مما كان يعيشها في الشهر الكريم.. ولهذا نلاحظ أنه الشريعة قائمة على إيجاد محطات عبادية في طوال السنة.

إن شهر رجب وشعبان، شهران تمهيديان للدخول في شهر رمضان المبارك.. فإذا أردنا أن نصل إلى إحياء متميز في شهر رمضان -كما أراده الله عز وجل- ونصل إلى ملكوت ليالي القدر، والليالي المباركة في هذه الأشهر الثلاث المباركة.. فإن نقطة الانطلاق للمكاسب الكبرى، هي أول ليلة من شهر رجب.. فإذن، إن العملية تراكمية، وعلينا أن نتابع في هذه المواقف، لنصل إلى المراد.

إن شهر رجب شهر منتسب إلى الله سبحانه وتعالى، ومن المعلوم أن الشيء إذا انتسب إلى الله عز وجل، اكتسب الشرافة الكبرى.. ومن هنا فإن ما يعطى في هذه الأشهر، ليس من باب الأجور على الأعمال، وإنما من باب العطية والهبة.. فالكريم عندما يعطي عطية، فإن عطاياه لا تحكمها القوانين العادية.. فلا ينبغي الاستغراب، أو الاستعظام من الأجور المنقولة مثلاً كالتي تأخذ تعبير: خروج العبد من الذنوب كيوم ولدته أمه، كما هو وارد في راويات كثيرة لأهل البيت مقابل أعمال يسيرة.

إن فصل الربيع في عالم النبات، عبارة عن ثلاثة أشهر؛ وأيضاً ربيع القلوب ثلاثة أشهر.. فالذين يريدون استنبات البذور الكامنة في أنفسهم، عليهم أن يركزوا جهودهم في هذه الليالي.. فإن لكل يوم، ولكل ليلة زهرتها التي ينبغي متابعتها، والوقوف عندها، واستشمامها.. وإلا لأخذها الذبول، ومن ثم الانحلال حيث لا عودة أبدا.

إن الغاية المرجوة من الصوم، أنه علاج لحالة اشتعال عنصر الغرائز والشهوات، والميل الزائد لمواد الدنيا.. ومن هنا فإن الذي يعيش حالة الولع بالنساء، ولا يستطيع كف نفسه عن الحرام؛ فعليه بالصوم كما ورد عن النبي (ص) هذا القول: (يا معشر الشباب!.. من استطاع منكم الباه فليتزوج، ومن لم يستطعها فليدمن الصوم، فإنه له وجاءٌ).. والأمر كذلك بالنسبة للطعام والشراب، فالإنسان يمرّن نفسه على ضبط الإرادة من خلال الصوم حتى في غير شهر رمضان، ثم إن الذي يصوم في شهر رجب، فإن نفسه تكون مقبلة على العبادة أكثر من سائر الأيام الأخرى.

إن الناس يُعَامِلون شهرَ رمضان، كما عامل المسلمون النبي (ص) في سورة الجمعة.. فالناس إذا رأوا تجارة، أو لهواً؛ انفضوا إليها بعد شهر رمضان.

بمقدار ما نتهيأ، ونهيئ الأرضية في شهر شعبان؛ بمقدار ما نقطف الثمار في شهر رمضان!..

إن مرحلة البذر، ومرحلة السقي؛ لابد وأن تسبقها مراحل أخرى: من إعداد الأرض، ورش المبيدات الحشرية، ثم يأتي الفلاح ليبذر.. فينزل عليه المطر، وإذا به كما يقول عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}.. ولكن هل تنبت فاكهة واحدة، مهما هطل من المطر في الصحاري القاحلة؟.. بالتأكيد لا!.. لأن الأرض غير مستعدة.. وإنما تنبت في البساتين الخاصة، وفي المحميات؛ لأن صاحبها هيأها لذلك، فلا يحتاج إلا للقليل من الماء لتنبت من كل زوج بهيج.. كذلك أنفسنا!.. وشهر رمضان شهر الأمطار الغزيرة خاصة في ليالي القدر، فأمطار شهر رمضان وسيولها مفيدة لمن هيأ الأرض، وبذر البذرة الصالحة.. وشهر شعبان فرصة جيدة لأن نهيئ أنفسنا لشهر رمضان.

أحدنا يتوقع أنه لو بذل كل قواه في شهر رمضان، سيصل إلى مرتبة الفالحين المقدسين.. والحال أن هذه النتيجة ليست نتيجة شهر واحد، إذ لابد من الاستمرارية والمتابعة.. فهل رأيتم تاجراً يريد أن يحصل على ثروة كبيرة، فيعمل في شهر واحد فقط من السنة، وينام بقية الأشهر؟!.. بل على العكس تماماً، يعمل صباحاً مساءً دون كلل أو ملل.. وكذلك بالنسبة إلى الأنس برب العالمين، والارتباط مع مكون السموات والأرض، والعيش في رحاب رب العزة والجلال، هل يحتاج إلى عمل شهر واحد فقط في السنة، وفي بقية الأشهر نكون في إجازة؟!.. الأمر يحتاج إلى متابعة!.. إذا كان الله -عز وجل- لا يعطي المقامات العالية لأئمته إلا بالمتابعة، فكيف نُعطى نحن هذه المقامات بمجرد إحياء ليالي القدر، وبعض الأيام من شهر رمضان؟!..

إن من أهم مزايا الشهر الكريم، هو أن الإنسان تصبح له حالة من الأنس المضاعف، إن كان له أنس في غير شهر رمضان.. وإذا لم يكن له أنس بالقرآن الكريم؛ فإنه يصبح هنالك حالة أنسية بكتاب الله عز وجل.

إن من أفضل أنواع الضيافة الرمضانية هذه الأيام والليالي، أن نعيش على مائدة علي (ع).. والغرض من ذلك: أولاً: رفع الظلامة إجمالاً، وثانياً: شهر رمضان هو أقرب الشهور إلى ذكر علي (ع)، وثالثاً: ليالي القدر فيه مقترنة باسمه الشريف.. فهذا شهر اقتران بركة الصيام، ببركة ذلك الدم الطاهر الذي أريق في محراب العبادة.

إن من أهم محطات ليالي القدر، ثلاثة أمور: الإكثار من دعاء الفرج، وأن يعيش الإنسان حالة العزاء، والمصالحة مع رب العالمين.

إن ليلة النصف من شهر رمضان المبارك، الإنسان لا يعلم هل يعيش الفرح أو الحزن.. يعيش الفرح لميلاد الإمام المجتبى (ع).. هذا فرح!.. وأما الحزن لأن العد التنازلي قد بدأ لهذا الشهر الكريم، ولا يدري الإنسان إلى أين وصل؛ هل قطف نصف ثمار الشهر؟..

إن شهر رمضان هو شهر التزود العلمي والثقافي، بالإضافة إلى التزود العبادي.. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الليالي والأيام منتسبة إلى أمير المؤمنين (ع)، شهيد هذا الشهر المبارك.

إن من الروايات الملفتة في كلمات علي (ع)، هذا الحديث الذي يثير الخوف والتحسر.. لقد ورد عن أمير المؤمنين (ع): (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء، حبذا نوم الأكياس وإفطارهم)!.. في هذه الرواية علي (ع) يريد أن يفتح لنا منهجاً في الحياة، وكلام علي (ع) كلام دقيق، وينبغي أن نتناوله بحذر!..

على الإنسان أن يطلب النور من الله -عز وجل-.. وشهر رمضان، وأسحار شهر رمضان، وليالي القدر، هي الفرصة الذهبية لامتلاك هذا النور؛ فليسأل الإنسان ربه أن يهب له هذا النور.. هذا النور الذي لو أوقعه الله في قلب وفي وجود الإنسان، فإنه يخرج من الحيرة (يا دليل المتحيرين!.. يا هادي المضلين)!.. والإنسان الذي يعيش هذا النور، تتحول حياته إلى جنة من جنان الله في الأرض.

إن ليلة القدر، هي من نعم رب العالمين علينا.. فرب العالمين عندما يصل إلى كلمة {لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، يستعمل الصيغ التي يستعملها لبيان أهوال يوم القيامة.. فأهوال القيامة غائبة عن الأبصار، وأحدنا لا يعلم ما الذي سيكون في عرصات القيامة، التي يقول الله -عز وجل- عنها في كتابه الكريم: {الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ}.. نعم كلمة {وَمَا أَدْرَاكَ}، هذه الكلمة تستعمل في المواطن التي لا تحتمل العقول معناها.. والقرآن الكريم يستعمل كلمة {وَمَا أَدْرَاكَ}، بالنسبة إلى ليلة القدر، لأنه على ما يبدو نحن لا نعلم قيمة ليلة القدر، إلا بعد الخروج من هذه الدنيا.. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}؛ أي لا تعرفون معنى ليلة القدر.. فعقولنا ضعيفة، لا تستوعب هذه الليلة.

إن في الليلة الثالثة والعشرين، هناك ازدحام للملائكة في عالم الوجود: فوج يعرج، وملأ ينزل، بعدد الخلائق.. كل ملك بيده كتاب ينزل من السماء، وفيه مقدرات الإنسان: سعادته أو شقاؤه، غناه أو فقره، موته أو حياته، سقمه أو صحته.. كل هذه المقدرات تنزل هذه الليلة من السماء، هي ليلة مباركة، ولكن أيضاً موحشة؛ لأن الإنسان الذي يعلم أنه عند الفجر تختم صحائف أعماله، كيف تكون حاله؟.. إنه شعور مزيج من الخوف والترقب والقلق!.. لو كشف لنا الغطاء، لرأينا العجب العجاب!.. ولكن على الإنسان أن يعمل بما أمكن، وإلا فمهما حاولنا، فإننا لا نعطي هذه الليلة حقها.. وهي الليلة التي شبهت بها فاطمة (ع)، كما أنها كانت مجهولة القدر ومخفية القبر.. فليلة ليلة القدر أيضاً مجهولة القدر، ومخفية في الليالي.. وليس من الصدفة أن يكون قبر فاطمة بين ثلاثة قبور: في البقيع، والروضة، وجوار قبر أبيها.. وليلة القدر كذلك هي بين ثلاث ليال!..

إن ليلة القدر هي ليلة المصالحة مع رب العالمين، فهنيئاً لمن صالح ربه مصالحة مستقرة!.. فهذه المصالحات الموسمية، لا تغني شيئاً.

إن على الإنسان في ليلة القدر، أن يصمم على أن يكون وفياً لخط الله عز وجل.. فرب العالمين لا يريد منا أمراً ثقيلاً؛ إنه دين اليسر!.. يكفي أن نسيطر على الحواس.. إن أراد الإنسان أن يعيش السلامة الباطنية، فعليه بالسيطرة على هذه البوابة.. إن الحكومات والدول تجعل الرقابة على مطاراتها، لأن المطار هو بوابة الدولة؛ فإن أحكمت السيطرة على المنافذ البرية والبحرية والجوية، عندها يعيش البلد بأمان.. وكذلك بالنسبة إلى الإنسان، فإن المنفذ الذي يدخل منه الحرام إلى وجوده، هو النظر.. فليحاول أن يبدأ هذه الليلة من هذه الخطوة.

إن الخطوة الأولى، هي أن نترك الحرام بكل صوره.. فلا يقول الإنسان: أنا بحمد الله موفق في كل شيء، ما عدا هذا الذنب البسيط، أنا عاكف على حرام واحد!.. يكفي أن يدخل الشيطان في وجوده من منفذ، ومن منفذ آخر السمع والبصر، ويلتقي ليرديه قتيلاً بين يديه.. فإذن، في ليلة القدر نحاول ألا نبقي منفذاً من منافذ الشيطان الذي يكفيه منفذ واحد، (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس).. فالمعاصي الكبيرة، والفواحش، والزنا وأخواتها من المعاصي؛ تبدأ بالنظر.

عندما نقرأ مناجاة أمير المؤمنين، وزين العابدين في التوبة وغيرها؛ علينا ألا نخدع أنفسنا، فنقول: هذه الليلة نخفف الحمل: نبكي، ونصيح، ثم بعد شهر رمضان نعود إلى ما كنا عليه.. وإن شاء الله في شهر محرم، هناك محطة ثانية، وهكذا.. لا!.. إن رب العالمين لا يخدع، فهو خير الماكرين.. فقبل أن يمكر الإنسان ويخدع الله، رب العالمين يخدعه بفتنته، ويجعل له أبواباً من سلب التوفيق.

إن شهر رمضان فيه جانب عبادي، وفيه جانب تربوي واجتماعي ومالي؛ فهو يختم بخدمة عباد الله عز وجل.. الطاعات والعبادات كلها في جانب، ولكن في يوم الفطر نتوج ونكلل جهودنا بالنجاح والصيام، بأن نخرج زكاة الأموال.. فالشريعة شريعة جامعة مانعة.. والذي ينمو في جانب، ويضمر في جانب، هذا الإنسان وجود غير متزن.. فالشريعة محفوفة بالعبادات وبالماليات: الحج فيه إنفاق مالي، والكفارات فيها إنفاق مالي.. والإخلال بالقسم، وبالنذر، وبالعهد.. كذلك هناك في المقابل مع الاستغفار، إطعام ستين مسكيناً، أو عشرة مساكين، أو تحرير رقبة.. فالإسلام يريد من الإنسان أن يسير في طريقين: طريق العبودية لله -عز وجل- أولاً، وخدمة الناس ثانياً.
يجب على الإنسان ألا ينسى المعوذات اليومية بين الطلوعين.. فالشياطين تحوم حول قلوب بني آدم (لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم، لنظروا إلى ملكوت السماوات)؛ لذا على الإنسان أن يعوّذ نفسه في كل صباح، قبل أن يوسوس الشيطان ويضع له الفخاخ، وخاصة قبل انتهاء شهر رمضان.. فالشياطين حقودة ومتكبرة وحسودة، تريد أن تصادر كل مكتسبات شهر رمضان، وشهر عزاء أمير المؤمنين، وإحياء ليالي القدر!..

إن ليلة العيد تعتق رقاب من النار، ما أعتقت في شهر رمضان، فهي ليلة من الليالي المهمة جداً؛ لذا على الإنسان أن يعيش مشاعر الإنسان الذي يطلب الجائزة.. فيطلب من الله -عز وجل- في تلك الليلة أن يتصرف في فؤاده.. ورب العالمين يربط على قلب المؤمن إذا شاء،، ويزيده نوراً إذا شاء {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ}.. إن الليلة الأولى من شوال ليلة مصيرية ومهمة، ولكن أغلب الناس يغفلون عنها، ويفرحون إذا ثبت هلال العيد، ويحزنون إذا لم يثبت.. والحال بأنه لو لم يثبت العيد، عليه أن يفرح، ويقول: الحمد لله الذي أدركنا ليلة أخرى من ليالي شهر رمضان.. إذا أراد الإنسان أن يعرف حبه للشهر الكريم، فلينظر إلى قلبه في ليلة العيد: إن كان يحب العيد، معنى ذلك أن هذا الشهر كان ثقيلاً عليه.

إن على الإنسان أن يحاول القضاء على شرور نفسه.. هذه الآية في الكتاب الكريم، على الإنسان أن يجعلها نصب عينيه دائماً: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}.. على الإنسان أن يفكر في هذا الفضل مع المجاهدة {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}!.. عليه أن يفكر كيف يصل إلى هذه المرحلة، مرحلة (فضل من الله)؟.. وشهر رمضان نعم الفرصة لذلك!.. حيث باستطاعة المؤمن أن يجعل من المحطات الأساسية في ليلة القدر، دعاء بليغاً، أو مناجاة مع رب العالمين، يطلب من الله -عز وجل- أن يعينه على نفسه.

إن هنالك بعض المظاهر الغريبة في حياتنا اليومية، وهذه المظاهر لا تخضع للحواس، ولا يمكن إنكار حقيقة هذه الأمور.. فعندما ينام الإنسان يرى بعض الصور الغريبة: المبشرة، والمنذرة، وبعض الصور التي لا معنى لها.. فمثلاً: يرى بعض الصور تثير غضبه، وتثير شهوته، كما يرى في عالم اليقظة بعض الأمور التي لا يمكن أن ننفيها.. ونحن نعلم أنه عندما جاء الملك إلى مريم (ع) -وهي ليست لا من الأنبياء ولا من الأوصياء- تمثل لها بشراً سوياً، هذا الملك رسول ربها، تمثل لها على شكل بشر.. فإذن، إن الوجود الملكي، الذي لا يخضع لقوانين المادة، قد تمت رؤيته على شكل مثال مادى!.. فالملك موجود فوق عناصر الطبيعة المادية، ولهذا في ليالي القدر لا نرى ملائكة، ولو كانت مادة لرأيناها.. ولكن الله -عز وجل- أذن للملك أن يتمثل على شكل بشر مادي، يحدث مريم ويتكلم معها.. وقد يتمثل على شكل رائحة طيبة، أو نور يخطف الأبصار.. فنحن لسنا في مقام تصديق كل ما يقال في هذا المجال، لأن هنالك وهماً، وإدعاء، وكذباً.. وهنالك صدقاً، كقصة مريم.

إن كلمة اللعن في روايات أهل البيت (ع) تأتي في مقابل من يرتكب الحرام.. والمرتكب للحرام ملعونٌ -أي مطرود من رحمة الله- لا مطلقاً، ولكن بحسب ذلك المورد.. فالإنسان المفطر عمداً في شهر رمضان ملعونٌ، أي هو في شهر رمضان بهذه النسبة مطرود من رحمة الله، ولكنه إذا حجّ في تلك السنة، فإنه قد يدخل في الرحمة من هذا الباب.

إن ليلة القدر بدرجة من الأهمية، بحيث أن الإنسان سنة كاملة، وهو يهيئ نفسه لتلك الليلة المصيرية.. انظروا إلى أهمية ليلة القدر!.. الإنسان وهو في الليلة الرابعة والعشرين من شهر رمضان، أيضا يقرأ سورة القدر، على أمل أن تكون ليلة القدر القادمة؛ ليلة متميزة جداً.

إن الليالي كلها متساوية، فالليل هو عبارة عن حركة تتم في الفلك، حيث أن دوران الأرض حول نفسها، من موجبات تعاقب الليل والنهار.. ولكن الله -عز وجل- أراد أن يبارك في تلك الليلة، فجعلها خيراً من ألف شهر.. وهذا يسمى مبدأ “الاصطفاء الإلهي”، فرب العالمين إذا نظر إلى ليلة؛ بارك في تلك الليلة.. وإذا نظر إلى حجارة؛ جعلها بيتاً له.. وإذا نظر إلى قلب العبد المؤمن؛ جعله عرشاً له.

إن الصائم النموذجي: هو ذلك الإنسان الذي لا يدع في حياته، موطناً من مواطن الشر والمؤاخذة من قبل الله عز وجل.. أي لا يراه الله -تعالى- في مواطن المعصية، ويراه في مواطن الطاعة.. هذا هو عبارة عن هيكل البناء الأصلي.. والأثاث الذي يزين هذا البناء هو: دوام المراقبة، واستحضار المعية الإلهية، والذكر المتصل في آناء الليل وأطراف النهار.

إن شهر رمضان الكريم، شهر تجلي الكتاب والعترة.. حيث أنزل فيه القرآن الكريم، وصادف اكتمال البدر فيه، اكتمال البركات، بميلاد الحسن الزكي المجتبى (ع).

لا شك أن المؤمن يعيش قبل ليالي القدر مشاعر الطالب المُقدم على امتحان مصيري في آخر السنة، حتى أنا نلاحظ الكسالى في المدارس عندما يقترب موعد الامتحانات، يعيشون حالة الاضطراب والقلق والوجل.. وكي نوفق لليلة قدر مميزة، فإن الأمر يحتاج إلى برمجة دقيقة على مستوى حمل الهمة، حيث أن من أحسن عمله في تلك الليلة؛ فقد ربح ربحاً وفيراً.

إن من الحكمة الإلهية أن يجعل ليالي القدر متدرجة: ثلاث ليال، وبينهم فاصل كالفواصل الإعلامية؛ ليهيئ الإنسان نفسه لليلة الآتية إذا رأى تقصيراً في تلك الليلة.. وكما نعلم بأن ليالي القدر تتوج بالليلة الثالثة والعشرين (ليلة الجهني)، لذا ينبغي للمؤمن أن يهيئ نفسه: بالاعتكاف، والتفرغ العبادي في هذه الأيام، ويحاول أن يعود إلى نفسه، وبكتشف أمراضه الباطنية.

إن الغرض من إبهام ليلة القدر، هو ألا يركن الإنسان إلى ليلة واحدة، ويتشبه بالنبي المصطفى (ص)، الذي كان يشد المئزر في العشر الأواخر، ويجعل هذه العشرة من الليالي المتميزة.. ولهذا تجد أن الخواص يتأسون بهذه الصفة، ويحاولون الاعتكاف الباطني؛ للخروج بأفضل المكاسب في هذه الليالي والأيام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى