العمل الصالح

أهمية المستحبات في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- كي تعطي المستحبات ثمارها الكاملة، لا بد من المثابرة.. فالبعض يتوقع أنه في أربعين يوما، يستطيع أن يلتحق ببشر الحافي والحر وغيرهم!.. بينما ليصبح الإنسان تقنيا في معمل حدادة، يحتاج إلى سنة أو سنتين من الدراسة، وهو يريد أن يصبح من أولياء الله في أربعين يوما!..

٢- إن من أفضل التعقيبات بعد الصلوات الواجبة، التدبر والتفكر؛ لأنها خير من عبادة ستين أو سبعين سنة.. والتفكر يكون تارة مع النفس، وتارة مع الغير.. والاستماع إلى حديث ديني مذكر بالله ورسوله في بيت من بيوته، من مصاديق التفكير أيضا..

٣- إن على الإنسان أن يحول ليلة الجمعة إلى محطة أنسٍ مع الله -عز وجل- ومحاسبة للنفس، ووقفة روحية مع عالم الغيب..

٤- ما الفائدة أن يستيقظ الإنسان في جوف الليل لحظات، ثم يرجع نائماً؟.. هذه اليقظة الموسمية، لا تنفع طالما فتحنا عيوننا في شهر محرم، وفي شهر رمضان، وفي الحج وفي العمرة، وكل مرة نفتح العينين ثم نغلقهما في سبات عميق..

٥- إن على المصلي أن يغتنم أعقاب الصلاة: قسمٌ من التعقيبات الواردة، وقسمٌ هو عبارة عن حديث مفتوح مع رب العالمين.. حيث أن هنالك لذة بعد الفرائض، وفي حال السجود.. هذه اللذة لا تُقاس بلذائذ هذا العالم!..

٦- إن البعض لا يكاد يبالي بالمستحبات الواردة في الشريعة، وكأنها أمور هامشية لا ترتبط بحركة الحياة.. والحال أن هذه الأعمال دخيلة في تصفية الذات من خلال التوجه إلى مصدر كل فيض في الوجود، وحملها على مخالفة الشهوة التي لا تنتهي عند حد، وبالتالي شحذ عنصر الإرادة، ذلك العنصر الذي بفقدانه فقد الكثيرون سيطرتهم على زمام أمورهم؛ فأوقعهم -رغما عنهم- في دوامات من التيه والتخبط..

٧- إن من المناسب أن يلزم الإنسان نفسه في بعض مراحل حياته بعمل استحبابي: سواء كان ذكرا لفظيا، أو عملا عبادياًً، مع مراعاة الرفق والتدرج في ذلك؛ فإنه صورة من صور التدريب على الالتزام بقرارات النفس، فإن طبيعة النفس الإنسانية تتهرب من الالتزام بما يخالف المزاج والشهوة.. فهنيئا لمن ترقى بنفسه الأمارة بالسوء، إلى نفس لوامة لما يفوتها من الخير، لتتحقق أخيرا بفضل من الله ورحمة: المرحلة العليا من كمال الإنسان.. ألا وهي مرحلة النفس المطمئنة؛ لترجع إلى ربها راضية مرضية!..

٨- نفهم من بعض المستحبات أن الإنسان الذي يريد أن يدخل ببحر الصلاة بقوة وبإقبال؛ لا بد وأن يعتني بالمقدمات السابقة للصلاة.. فالإنسان الذي يقف للصلاة بدون توجه؛ من الطبيعي أن لا تفتح له الأبواب..

٩- إن هناك فرقا بين الواجب والمستحب: فالإنسان يقوم بالواجب؛ خوفا من غضب الله، أو طمعا في جنته.. ولكن المستحب هو الفعل الذي إذا قام به العبد أثيب، وإذا ما قام به لا يعاقب.. إذن، ليس فيه خوف، نعم فيه طمع.. وعليه، فإن التقرب بالمستحبات، من الممكن أن تكون من هذه الزاوية، أقوى من التقرب بالواجبات.

١٠- إنه لمن المناسب، أن يبني الإنسان غرفة للصلاة في منزله، لأن من امتياز هذا المكان أن فيه بركة؛ فهو كلما دخل هذا المكان تذكر بعض الليالي الخاشعة.. والبعض تتقاطر دموعه على السجدة، فيتذكر أنه قبل فترة كان خاشعا، أي أنه هو الذي تغير؛ وإلا رب العالمين لم يتغير لطفه.

١١- إن تسبيح الزهراء (ع) من أفضل تعقيبات الصلاة، وهي هدية النبي (ص) إلى ابنته فاطمة (ع)، وهديتها إلى محبيها إلى يوم القيامة.. قال الإمام الصادق (ع): (مَن سبّح تسبيح فاطمة الزهراء -عليها السلام- قبل أن يُثني رجليه من صلاة الفريضة؛ غفر الله له.. وليبدأ بالتكبير)..

١٢- إن الأذان والإقامة مقدمتان مهمتان للدخول في بحر الصلاة.. ومن أحكام الأذان والإقامة: أنه من لم يؤذن ولم يقم ودخل في الصلاة، ثم تذكر قبل أن يركع؛ يمكنه أن يقطع صلاته، ثم يؤذن ويقيم.. وهذا إن دل على شيء، إنما يدل على أهمية الأذان والإقامة.. والذي يتركهما تكاسلا وزهدا فيهما، يعتبر من صور الكسل الذي لا يقبل أبدا.

١٣- إن التوجه والإقبال من باب الاستحسان المطلوب في الفرائض، وفي المستحبات كذلك.. ولكن في خصوص صلاة الليل -والله العالم- نفس قيام الليل، وهجران الفراش؛ فيه ملاك!.. حتى لو صلى الإنسان صلاة الليل وهو مدبر، أو متناعس؛ فإن هذا القيام في حد نفسه أمر مبارك، ورب العالمين يحب هذه الحركة.

١٤- إن هناك عبارة للإمام العسكري (ع)، لو كتب الإنسان هذه العبارة في محراب عبادته؛ فإنها تنعشه وتحركه لصلاة ليل خاشعة!.. عن الإمام العسكري (ع): (إن الوصول إلى الله -عزّ وجل- سفر، لا يدرك إلا بامتطاء الليل).. إنها عبارة راقية جدا!.. فأهل قيام الليل، يصلون إلى الله -عز وجل- وصول الراكبين، لا وصول الراجلين.

١٥- إن الذي يستثقل العبادات الثقيلة: الصوم في الصيف، والقيام في الشتاء، من الممكن أن يعوّض التقصير في العمل العبادي من خلال تنمية ذاته، وتصفية ذاته..

١٦- إن الواجبات مفروضة علينا، ونحن نؤدي الواجب خوفاً من عذاب الله عز وجل، ولكن كم من الناس يصومون في رجب وشعبان؟.. إنها قلة قليلة!.. وكذلك بالنسبة إلى صلاة الليل، لأنه ليس فيه إلزام؛ ولهذا فإن الذي يلتزم بالنوافل، هذا له إصرار باطني، يريد أن يقول: يا رب، أنا أعمل ما لم تفترضه علي، على أمل أن تفتح لي الأبواب..
إن من المناسب التدبر والتأمل في مضامين تعقيبات الصلوات والأشهر.. فالمشكلة أن الإنسان بعد فترة من تكرار التعقيبات المتوالية، لا يفقه تلك المضامين.. ولهذا لا بد من وقفة نفسية وفكرية، من أجل استيعاب المعاني الباطنية الدقيقة.

١٧- إن الشريعة جعلت عوضاً للإنسان الذي يقصّر في فرائضه، وذلك من خلال النوافل؛ فمن منا يصلي الصلاة المطلوبة؟!.. بل نكاد نقطع بأن غير المعصوم (ع) لا يصلي الصلاة التي يريدها الله عز وجل؛ تلك الصلاة التي لا يفكر فيها الإنسان بغير الله عز وجل.. فمن منا كذلك؟!..

١٨- إن النوافل تعويضٌ جيد للنقص في الفرائض.. وعليه، فإنه من المناسب أن يأتي بها الإنسان قدر الإمكان.. فالبعض يظن أن النوافل كلٌ متكامل، فإذا لم يأتِ بها جميعاً، فعليه أن يتركها جميعاً.. والحال أن الإنسان له الحق في (التبعيض)، أي يأتي بنافلة الليل فقط، أو يأتي بركعتي الشفع والوتر فقط، أو يأتي بنافلة الظهر دون العصر وهكذا.. فالإنسان يختار من النوافل ما أمكنه ذلك.. حتى أن الفقهاء يقولون: (يجوز الإتيان بالنوافل في حالة المشي)، وهكذا سمحت الشريعة بأسهل الفروض وأقلها كلفة على المؤمن!.. فبإمكانه أن يأتي بالنافلة جلوساً -اختياراً- من دون أي عذر.. وبإمكانه أن يأتي بالنافلة بلا سورة، وبالاقتصار في الحد الأدنى من الركوع والسجود، والاكتفاء بالتسليم الواجب.

١٩- إن علينا أن لا نستهين بالنوافل.. فالإتيان بها دلالة أدق على عبودية الإنسان، لأن الفريضة في تركها عقاب؛ ولكن النافلة لا شيء من العقاب على تركها.. كم من الفارق بين الإنسان المتكاسل عن صلاة الصبح، وبين الإنسان الذي لا يتكاسل عن نافلة الليل؟!.. فهذا واجبٌ، يتركه البعض.. وهذا مستحبٌ، لا يتركه البعض.. وبينهما بُعد المشرقين!..

٢٠- إن من بركات العبادات الخلوتية، أن لا يعتني الإنسان بمن حوله في حالة الجلوة، ولا يعتني أيضاً بهذه الوساوس المشغلة.. ولهذا فإن أصحاب صلاة الليل، لا يخاف منهم الرياء في الصلوات النهارية؛ لأنه قد قدم امتحانه أمام الله عز وجل..

٢١- إن صلاة الليل تضمن رزق النهار.. فهناك تناسب بين الرزق، وبين صلاة الليل.. ولا ينبغي أن نجعل للرزق مفهوما مادياً بحتاً، متمثلاً بالنقد من الذهب والفضة.. فالرزق كل ما يأتي من قبل الله عز وجل: علماً نافعاً، وصدقة جارية، وذرية صالحة، وزوجة طيبة، وانشراحاً نفسياً، وما شابه ذلك من أرزاق، ومنها الدرهم والدينار.

٢٢- يقول الإمام الصادق (ع): (صلاة المؤمن بالليل، تذهب بما عمل من ذنب بالنهار).. فالإنسان يوميا يخطئ، ويذنب عن غير عمد.. وعندما يأتي الليل، يخلو مع ربه، وبقطرات من الدموع يتكلم مع ربه؛ فيعيد نشاطه، ويعيد طراوته ونظافته الباطنية.. ومن هنا يعلم أن صلاة الليل أيضا واجبة، بمعنى من المعاني.. صحيح أنها ليست واجبة فقهيا؛ ولكنها واجبة سلوكيا.

٢٣- إن الله -عز وجل- له عطايا، وهذه العطايا متوقفة على أمر بسيط.. ما قيمة الغسل يوم الجمعة؟.. عادة الناس يوم الجمعة يستحمون، ولكن من يغتسل يوم الجمعة، (كان طهراً من الجمعة إلى الجُمعة).. رب العالمين يريد أن يغفر، ولكن يريد مبررا.. كالذي يقيم حفلا ولديه جوائز مكدسة، فيطرح أسئلة بسيطة؛ كي يوزع تلك الجوائز والهدايا.. رب العالمين عنده جوائز وعطايا، يريد أن يوزع الجوائز، بأي عذر يوزع؟.. إذن، علينا أن نعلم الآداب والمستحبات في تلك المناسبة.

٢٤- إن رب العالمين، جعل محطات للإنسان قبل قراءة السورة.. من خلال هذه المحطات، يصفي الإنسان نفسه بمصفاة التكرير، مثل النفط الخام الذي يدخل خاما ويخرج بنزينا..

٢٥- إن الأذان والإقامة سنتان من سنن الصلاة.. وبعد “قد قامت الصلاة” يجب عدم التكلم في شيء من أمور الدنيا.. وتشتد كراهة الكلام بعد قول المقيم: “قد قامت الصلاة” إلا فيما يتعلق بالصلاة.

٢٦- إن رب العالمين جعل مساحة للترقي، فللخروج من النار عليك بالحلال والحرام.. أما إذا كنت تريد أن تترقى؛ فعليك بالمستحبات.

٢٧- من الساعات التي يغفل عنها الكثيرون ساعة السحر، مؤمن يقوم من نومته في جوف الليل، ويتضرع إلى الله عز وجل، ويستغفر لأربعين مؤمنا، والأربعون كلهم نائمون.. هذا المنظر كم هو جميل عند الله عز وجل!.. هذه مناظر ملفتة في عالم الوجود، هذه المناظر تسجل، وتعرض في شاشات عملاقة يوم القيامة!..

٢٨- إن المستفاد من روح بعض الروايات، أن من التزم بمستحب من المستحبات؛ فعليه الالتزام بذلك لمدة سنة.. ومعنى ذلك: أن المداومة على العمل من موجبات إثماره الثمار المطلوبة.. وعليه، فإن بركات المساجد إنما تتحقق بشكلها الكامل مع المداومة والاستمرارية، وهذا الذي يفهم من بعض الروايات التي تطلب منا الإدمان على المساجد، وهو مما يتوقف على التردد المستمر على هذه المواطن للرحمة الإلهية الغامرة.. وعندئذ تتحقق الجائزة التي بشر بها النبي (ص)، والمتمثلة بإحدى الخصال الثمانية: (من أدمن إلى المسجد، أصاب الخصال الثمانية: آية محكمة، أو فريضة مستعملة، أو سنة قائمة، أو علم مستطرف، أو أخ مستفاد، أو كلمة تدله على هدى، أو ترده عن ردى، وترك الذنب خشية أو حياء).

٢٩- إن التدرب على النوافل، وكثرة الممارسة والمجاهدة، توجب إتقان الفرائض.. ورد عن النبي الأكرم (ص): (من صلى ركعتين، ولم يحدث فيهما نفسه بشيء من أمور الدنيا؛ غفر الله له ذنوبه).

٣٠- إن لكل حركة استحبابية موقعا من مواقع تهذيب النفس، فلا ينبغي أن نكتفي بحركة من الحركات.. بمثابة إنسان مبتلى بأمراض مختلفة -الضغط، والسكر، وغيره- فهو لا يعطى علاجاً واحدا، بل لكل مرض علاجه الخاص.

٣١- إن الإنسان الذي يتجاوز الفرائض في تعبده لله عز وجل، ويعمل بالمستحبات والنوافل؛ سيصل إلى هذه الدرجة، من التجلي الإلهي في جوارحه وجوانحه.. أضف إلى أن الله -تعالى- من الممكن أن يتجلى لعبده حتى في الحركات المادية.

٣٢- إن المؤمن لا ينتظر الجوائز معجلة، وبناء رب العالمين على اختبار صبر العباد.. فالذي يريد أن يأخذ الجائزة فوراً، هذا إنسان لا يمكنه أن يسير في طريق القرب إلى الله عز وجل، مثلاً: يسمع أحدنا ببركات صلاة الليل، فينوي هذه الليلة أن يصلي صلاة الليل.. وصلاة الليل توجب سعة الرزق، وتوجب نور الوجه ونور الفؤاد.. يصلي لمدة أسبوع وأسبوعين، أو شهر وشهرين؛ فلا يرى شيئاً في حياته، فيترك هذه الصلاة.. بينما الذي يريد أن يقطف الثمار من المستحبات، عليه أن يواظب على هذا المستحب سنة على الأقل، من المرجو بعد تلك السنة أن يرى بعض الثمار.. وإلا لو كان عندما يصلي صلاة الليل، تنزل عليه ياقوتة حمراء، أو زبرجدة خضراء؛ لكان كل الناس من أولياء الله عز وجل.. فإذن، إن البناء على كتمان الإسرار، وعدم التعجيل في الجوائز.

٣٣- إن السياحة هذه الأيام مكلفة، سواء في أدوات النقل، أو في مكان النزول، أو فيما يلتهي به الناس في أسفارهم.. ولكن هنالك محطة مجانية، يمكن أن يتخذها الإنسان مجالاً للسياحة، لأجل أن يروّح عن نفسه، وبلا كلفة مالية -بل حتى بدنية- فبإمكانه أن يسيح في عالم جميل جداً.. وهذه السياحة موطنها عقيب الصلوات الواجبة والمستحبة، وفي حال السجود وفي جوف الليل.

٣٤- إن الشريعة جعلت عوضاً للإنسان الذي يقصّر في فرائضه، وذلك من خلال النوافل؛ فمن منا يصلي الصلاة المطلوبة؟!.. بل نكاد نقطع بأن غير المعصوم (ع) لا يصلي الصلاة التي يريدها الله عز وجل؛ تلك الصلاة التي لا يفكر فيها الإنسان بغير الله عز وجل.. فمن منا كذلك؟!..

٣٥- إن النوافل تعويضٌ جيد للنقص في الفرائض.. وعليه، فإنه من المناسب أن يأتي بها الإنسان قدر الإمكان.. فالبعض يظن أن النوافل كلٌ متكامل، فإذا لم يأتِ بها جميعاً، فعليه أن يتركها جميعاً.. والحال أن الإنسان له الحق في (التبعيض)، أي يأتي بنافلة الليل فقط، أو يأتي بركعتي الشفع والوتر فقط، أو يأتي بنافلة الظهر دون العصر وهكذا.. فالإنسان يختار من النوافل ما أمكنه ذلك.. حتى أن الفقهاء يقولون: (يجوز الإتيان بالنوافل في حالة المشي)، وهكذا سمحت الشريعة بأسهل الفروض وأقلها كلفة على المؤمن!.. فبإمكانه أن يأتي بالنافلة جلوساً -اختياراً- من دون أي عذر.. وبإمكانه أن يأتي بالنافلة بلا سورة، وبالاقتصار في الحد الأدنى من الركوع والسجود، والاكتفاء بالتسليم الواجب.

٣٦- إن علينا أن لا نستهين بالنوافل.. فالإتيان بها دلالة أدق على عبودية الإنسان، لأن الفريضة في تركها عقاب؛ ولكن النافلة لا شيء من العقاب على تركها.. كم من الفارق بين الإنسان المتكاسل عن صلاة الصبح، وبين الإنسان الذي لا يتكاسل عن نافلة الليل؟!.. فهذا واجبٌ، يتركه البعض.. وهذا مستحبٌ، لا يتركه البعض.. وبينهما بُعد المشرقين!..

٣٧- إن الإنسان الذي يصلي، وبعد أن يفرغ من صلاته، يرى أن صلاته لا تسوى عنده شيئاً، فهو بنفسه يحتقر صلاته، إذن كيف هي عند الله الغني؟.. لذا عليه أن يعوض ذلك بالتعقيبات الواردة.. إن هنالك تعقيبات مشتركة في كل الفرائض من الصبح إلى العشاء، وهنالك تعقيبات خاصة.. ويلاحظ التنوع في التعقيبات اليومية.. ومن هذه التعقيبات اليومية التي يستحب للمؤمن أن يواظب عليها إجمالاً هي الاستعاذة، وذلك بأن يعيذ الإنسان نفسه مرة، وتارة يقول: يا رب اجعل غيري في حصنك.. إن هذه حالة من حالات التكافل الاجتماعي، أن يسأل الإنسان ربه أن يجعل إخوانه في درعه الحصينة وفي حمايته.

٣٨- لقد ورد في بعض الروايات أن النافلة مكملة للفرائض.. فالذي يقصر في الفريضة وقتاً وكيفية وخشوعاً، بإمكانه تدارك ذلك بالنافلة، والتعقيبات اليومية.. إن الإنسان يصلي وهو يعيش همّ الشارع، وهمّ نفسه، وهمّ العالم، وإن كان المفروض أن يجعل للصلاة وقتاً خاصاً بها.. لأنه هو في غير وقت الصلاة لا يفكر في الصلاة، فالمفروض -ولو من باب الإنصاف- ألا يفكر في غير الصلاة أثناء الصلاة.. فهل هنالك إنسان أثناء نشاطه اليومي يفكر في صلاته؟.. وبالتالي، فإنه ليس من مقتضى الإنصاف أن ندخل غير الصلاة في الصلاة، كما لا ندخل الصلاة في غير الصلاة.

٣٩- إن على الإنسان أن يتخذ من الصلوات اليومية، محطة تدبر وتأمل لنشاطه السابق.. ولو أن أحداً جعل فترة التعقيب بين صلاة الظهرين، وصلاة العشاءين فترة للتدبر والتأمل، فكم هي البركات التي تعود عليه؟!.. فمثلاً: في فترة التعقيب بين صلاة الظهرين، يقيّم نشاطه السابق من الصباح إلى الزوال، فيرى الأخطاء المتكررة.. وبعد ذلك في فترة التعقيب بين صلاة العشاءين، يقيّم سلوكه من الزوال إلى المغرب.. وبالتالي، هل تبقى هنالك نقيصة في حياته؟!.. بل تتحول الصلاة عندئذ إلى نهر يغتسل منه الإنسان كل يوم خمس مرات، كما شبّهها النبي -صلى الله عليه وآله-.

٤٠- علينا أن نعطي التعقيب اليومي، معنى أشمل من الجانب الذكري والدعائي المجرد.. وعندئذ يصل الإنسان إلى محطات يومية متعددة، لتصفية نشاطه اليومي.

٤١- إن من الأمور المناسبة في أوائل الشهور، أن ينظر الإنسان إلى المستحبات الواردة في ذلك الشهر، فهنالك قسم كبير من المكاسب يحرم منها الإنسان من باب عدم الاطلاع.. وكما هو معروف بأن نسيان بعض الآداب والسنن، هي من صور الخذلان الإلهي.. إن العلماء في الرسائل العملية يؤكدون على أن الركعتين الخفيفتين التي في أول الشهر، هي بمثابة الأمان من الأخطار في ذلك الشهر.. والأخطار التي يقصدونها هي أعم من الأخطار الظاهرية والباطنية: القلبية، والقالبية.. الدنيوية، والأخروية.

٤٢- إن الإنسان المؤمن حريص على التجارة مع رب العالمين، كما نقل عن الإمام الهادي (ع): (أن الدنيا سوق: ربح فيها قوم، وخسر آخرون).. أي كما أن الموظف أو التاجر، يكون حريصاً على أن يكسب أعلى المكاسب في مدة قصيرة.. فكذلك المؤمن كيس فطن في أمر آخرته، يحاول أن يقتطف ثمار كل شهر.. والنور المودع في شهر ربيع الأول مثلا، لم يودع في شهر صفر.. فلكل شهر نوره، بل لكل يوم نوره: فيوم السبت من كل أسبوع يتوجه الإنسان إلى الله -عز وجل- بحق حبيبه المصطفى، فيقول: (يا رسول الله!.. هذا يوم السبت، وهو يومك وباسمك، وأنا فيه ضيفك وجارك، فأضفني وأجرني)، فهو منسوب إلى النبي (ص).. ويوم الأحد منسوب إلى الوصي.. ويوم الاثنين منسوب إلى السبطين.. ويوم الثلاثاء منسوب للباقرين وللإمام السجاد(ع).. ويوم الأربعاء لموسى بن جعفر والرضا وولده الجواد وولده الهادي (ع).. ويوم الخميس للإمام العسكري (ع).. ويوم الجمعة يتوسل إلى الله -عز وجل- بوليه المهدي (عج).

٤٣- إن الذي تفوته نافلة الليل، عليه أن يقضيها أولاً، ويعيش الحسرة والندامة ثانياً.. فلو رأى الله -عز وجل- في قلبه هذه الحسرة، فإنه يؤجر أجراً مضاعفاً، أكثر لعله في بعض الحالات من أصل صلاة الليل.

٤٤- إن هناك بعض المستحبات التي لا تحتاج إلى كثير مؤونة.. والإنسان مهما تكاسل، فإنه يحاول أن يجعل في حياته شيئاً من بعض المستحبات، التي لا تكلفه الكثير.. فمثلاً: من الطبيعي أن يقوم الإنسان بعملية السواك من منطلق النظافة، والحفاظ على الصحة.. ولكنه إذا نوى بذلك القيام بالمستحب؛ لحاز على الأجر.

٤٥- من المستحبات السهلة والميسورة التي يحبذ للمؤمن أن يلتزم بها، هو أن يكون على وضوء دائم.. وبعبارة أخرى: أن لا يكون محدثاً.. فالإنسان غير المتوضئ محظور عليه القيام ببعض الأمور: كالصلاة، ومس كتابة القرآن الكريم.. وكأنه إنسان غير مؤهل، وليس على مستوى لقاء رب العالمين.. فما أجمل أن يكون الإنسان على هيئة المستعد دائما للقاء ملك الملوك!..

٤٦- لو أمكن أن يعمل الإنسان بهذا الحديث الشريف: (من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني، ومن توضأ ولم يصل ركعتين فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ وصلى ركعتين، ودعاني ولم أجبه فيما سألني من أمر دينه ودنياه فقد جفوته، ولست برب جافٍ) ولو في اليوم مرة واحدة، أو في الأسبوع مرة واحدة، أو في الشهر مرة واحدة.. ليرى أن الله -عز وجل- ليس برب جاف.. ومن تعود هذه الصيغة في الأسبوع مرة -وهنيئاً لمن توفق في اليوم مرة واحدة!..- فإن هذا الإنسان لو وقع في شدة، وقام بهذا العمل، فهو ليس بتاجر، ولا عبد.. وإنما هو عبد كان يلتزم بهذه الصيغة في كل حالاته.. فعندما يقع في أزمة من الأزمات، فلعل الملائكة تشفع، وتشهد لهذا العبد بأنه دائم الإنابة، ودائم الدعاء إلى الله عز وجل.

٤٧- فليحرص الإنسان على أن يكون على وضوء دائم، وخاصة قبل النوم.. ولعل الإنسان المتوضئ في الفراش، يبيت والفراش كأنه مسجد له.. والله -تعالى- خير الرازقين: مادة، ومعنى!..

٤٨- لا داعي للاستسلام للأوهام، وعلينا بالواقع.. ومع ذلك من المناسب أن نعوِّذ أنفسنا بما هو المأثور، ولا نذهب يميناً وشمالاً، وخاصةً عند الذين يبتزون الجاهلين في هذا المجال وهم كثيرون.

٤٩- لابد وأن يكون للعبد لحظات من الخلوة، يختلي فيها لنفسه مع ربه، بعيداً عن زحمة الحياة والأحياء.. وجوف الليل من أفضل الساعات التي يمكن أن يحقق فيها هذه الخلوة، ليستعيد كتابة جدول حياته اليومي والفصلي والسنوي.. فإن الوصول إلى الله لا يدرك إلا بامتطاء الليل.. إن هذه الخلوات لمن أعظم موجبات تحقق التجليات الإلهية، التي تقتلع العبد من عالم المُلك إلى عالم الملكوت.

٥٠- إن النوافل اليومية -وخاصة صلاة الليل- وكذلك صلاة الجماعة، من المستحبات التي قلما ورد التأكيد في مستحب مثلهما.. ومن هنا لزم الالتزام قدر الإمكان بهذين الندبين، إذ أنهما من موجبات النظرة الإلهية الخاصة بالعبد، ولطالما يحتاج العبد إلى هذه النفحات التي توجب له الطفرة في السير.. إن التواجد في الأماكن التي تمارس فيها الطاعة بشكل جماعي، من مصاديق استنـزال الرحمة، التي قد لا تنـزل في الحالة الفردية لممارسة العبادة.

٥١- إن سياسية المؤمن هي التحكم في بطنه وفرجه؛ لئلا يقع في الداء.. ومن هنا من آكد الصوم المستحب صوم ثلاثة أيام من كل شهر: (أول خميس منه، وأول أربعاء في العشر الثاني، وآخر خميس منه)، فإنه روي عنهم (عليهم السّلام): (أن ذلك يعادل صيام الدهر.. وهو يذهب بوحر الصدر).. هذا الصوم هو لتذويب الطعام المحرم، إن كان محرماً.. ومن أجل السيطرة على النفس؛ لأن هذا الصوم يكون على مدار السنة، ويمر على أشهر الصيف ذي الساعات الطويلة.. فالذي يدمن صوم هذه الأيام الثلاثة، هذا يرجى أن يكتب: ممن عفا في بطنه وفرجه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى