العمل الصالح

الحج في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن عامة الناس، لا يعيشون حالة القرب من المولى.. بل يعيشون حالة إرضاء المولى، ويحوزون على الثواب.. ولكن القرب القلبي غير متحقق، والشاهد على ذلك: أن المكثرين من الحج والعمرة والنوافل، عندما تجلس مع أحدهم، لا ترى فيه أي معنى من معاني: القرب، والأنس، واطمئنان القلب..

٢- إن الحجاج عادةً: إما لا يعطون أوسمة، أي يُكتفى بالطعام والشراب.. أو يمنحون أوسمة مؤقتة، أي أنهم يعطون أوسمة، ولكنها تسلب منهم بعد الرجوع إلى أوطانهم..

٣- إن من الأشياء التي ينبغي أن يصر عليها كل حاج: أن يبقي هذه الطهارة الباطنية.. فالإنسان يرجع إلى وطنه كيوم ولدته أمه، ولكن هذه -حتى الحج المقبول- ليس فيها ضمانة أبدية.. لذا لابد من أن نحافظ على هذه الغرسة المباركة لتؤتي أكلها كاملة، من خلال الحركة في الحياة.. فعندما نرجع إلى الأوطان، لنرجع على نهج إبراهيم الخليل (ع)، في كل أبعادنا الحياتية، وما ذلك على الله -عز وجل- بعزيز..

٤- إن الحج سر من أسرار الشريعة، التي لم تكتمل بصورتها الكاملة، إلا من خلال الإسلام المحمدي، الذي يعتبر خاتمة الأديان.. وهنالك تعبير جميل عن الحج يقول: بأن رب العالمين أوجب الصوم مرة في السنة، بمعنى أن مفعوله يستمر إلى سنة كاملة، بينما الحج في العمر مرة واحدة، أي أنه إذا كان صحيحاً مقبولاً؛ فإن الآثار المترتبة عليه كافية طوال العمر.

٥- إن الحج الصحيح كافٍ لربط الإنسان بالحركة الإبراهيمية بكل صورها.. فنحن عندما نذكر خصوصيات نبي الله إبراهيم: من تحطيمه للأصنام، إلى انقطاعه إلى الله، إلى إخلاصه العمل لله، إلى الحج: بسعيه، وطوافه، وهرولته، ورميه، ووقوفه في عرفة، لنتعلم الدور الذي مر فيه إبراهيم (ع).

٦- إن الإنسان أثناء السعي، يعيش حالة هاجر، وهي تهرول في وادٍ غير ذي زرع، تبحث عن الماء.. وكيف أن رب العالمين فرج همها، واستجاب دعاءها، بهذا الماء المتدفق إلى يومنا هذا، والذي هو شفاء لما شرب له.. فالذي يسعى بين الصفا والمروة، ويعيش هذه الحالة -بأن الله لو أراد شيئاً، هيأ أسبابه، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء- فقطعاً ستستجاب دعوته وتحقق أمانيه، كما استجاب الله لهاجر.

٧- ليس هناك شك أن الذي يوفق للحج، فإن هناك نظرة خاصة إليه.. ويفترض من الحاج عند أول تحركه، أن يعلم أنه مرشح لمرتبة!.. فأصل الذهاب ترشيح، ولكن النظرة متوقفة على جهده وسعيه.. إن قاعة الضيافة كبيرة، ولكن هذه القاعة فيها مواقع مختلفة: هناك أماكن قريبة من السلطان، وأخرى بعيدة.. فالحاج عليه أن يعلم أن هناك دعوة أولية، ولكن عليه ألا يكتفي بهذه الدعوة، بل عليه ألا يمني نفسه بالوليمة الجاهزة؛ لأن الوليمة لها درجات.. فعلينا أن نسعى لإحراز أعلى درجات الضيافة!..

٨- إن سلوك الإنسان خارج الحرم، مؤثرٌ في توفيقاته داخل الحرم.. لذا علينا ألا نعيش الحدود الفاصلة سلوكياً بين داخل وخارج الحرم.. فمن الضروري أن نراعي أدب الحضور مع النبي (ص) طوال فترة الإقامة في المدينة المنورة، كذلك مع الله سبحانه وتعالى، أن نعيش هذه الحالة من الهيمنة: هيمنة الله، ورسوله، وأوليائه؛ على فكرنا وقلبنا في تلك البلاد، أثناء: النوم، والأكل..الخ.. خاصة أن جو الحج جو اجتماعي، وطبيعة المعاشرة في موسم الحج ملهية، وتقسي القلب، ولاغية؛ مما يشجع على أن يعيش الإنسان جو الغفلة.

٩- إذا انتابتك حالة الرقة الشديدة في موقف من مواقف الحج، اطلب من الله المعية الدائمة، فثمرة الطاعات: الإحساس بالقرب الدائم.. فهنيئاً لمن يعيش القرب الدائم!.. فإنه يعيش مشاعر الطواف، ومشاعر الوقوف في عرفة وهو في وطنه.. ليس بنفس الدرجة من الشدة، ولكنه بشكل مقارب.. فإنه يكتسب بذلك حياة فيها حلاوة جديدة، ليس فيها وحشة أو غربة!..

١٠- إن العبد يحتاج إلى محطات عبادية متميزة في كل عام متمثلاً: بالحج، والعمرة، أو زيارة إحدى المشاهد المشرفة.. إذ فيها خروج عن المألوف من الحياة المادية، إضافة إلى التعرض للنفحات المركزة في تلك المشاهد.. ولكن هذه الأجواء العبادية المباركة تعطي ثمارها الكاملة، عند الالتزام بشروطها كأية عبادة أخرى، فالتقصير في المعرفة النظرية لأصحاب تلك البقاع الطاهرة، أضف إلى الغفلة العملية أثناء التواجد في تلك المشاهد، مما يوجب الحرمان من الفيوضات المتاحة لمستنـزلي الفيض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى