السير إلى الله

الوصال في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن غاية منى السالكين إلى الله عز وجل، أن يصلوا إلى درجة يكونون بعين الله، ويكونون تحت رعاية الله..

٢- إن البحث والحديث والتفحص والتمحص حول اللقاء الاختياري في الحياة الدنيا، هو غاية الأماني للعباد السالكين إلى الله عز وجل..

٣- إن الوصول إلى ملكوت الأسماء الحسنى، وأسرار الرحمن الرحيم، لا يكون بتكرار الذكر.. فالذين يعتقدون بأن الكمالات الروحية، تتم من خلال الأوراد والأذكار، هؤلاء مخطئون.. فالورد والذكر اللفظي بلا رصيدٍ قلبي، لا أثر له، إذا لم تكن هناك علاقة تفاعلية..

٤- أيهما أكثر تواجداً: الذهب عند محلات الصاغة، أو الذهب في مناجم الذهب؟.. هذا الذهب في المحل، مأخوذ من المنجم.. فإذا كان الإنسان يحب الذهب، فليذهب إلى المنجم ليحصل على الكنوز.. وهذه المودة المجعولة بين الزوجين، وهذه الرأفة المجعولة في قلوب الأمهات الرواحم (وعطفت علي قلوب الحواضن، وكفلتني الأمهات الرواحم ).. هذا الأنس، وهذه المودة، وهذه اللذة، هي من مجعولات الله عز وجل.. فهنيئا لمن أوصل نفسه بهذه اللذة!..

٥- إن من أعظم المكاسب، أن يصل الإنسان إلى حالةٍ يجد فيها نفسه عبداً مملوكاً لله عز وجل.. وهي مشاعر باطنية، لا تلمس، ولا تشم، ولا ينكرها إلا من لا عقل له.. مثلها مثل تلك المشاعر التي تنتاب الإنسان في شؤونه الحياتية: مشاعر الأمومة، والزوجية، والوظيفة، وما شابه ذلك..

٦- لا شك بأن كل سلوك في الحياة، يحتاج إلى ممارسة عملية مستمرة؛ لتعزيزه وتنميته.. فالعدّاء يحتاج إلى ممارسة بعض التمارين بشكل رتيب ودائم؛ ليحصل على بغيته، ويفوز في السباق.. وكذلك القارئ، والكاتب، والشاعر..الخ.. والمناجاة أيضاً مع رب العالمين، تحتاج إلى جهد فردي.. فالذين أنسوا بالحديث مع رب العالمين، تعبوا على أنفسهم، حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه..

٧- إن الذين يتسلقون الجبال، وهدفهم الوصول إلى القمة، يوجد بينهم جماعة يائسة من الوصول، ولكنهم يصلون إلى مرحلة عالية من الجبل؛ لأن هدفهم الوصول إلى القمة.. أما الإنسان الذي يعيش في الوادي، ولا يهمه القمم، ينطبق عليه قول الشاعر: ومن يتهيب صعود الجبال *** يعش أبد الدهر بين الحفر.. فإذن، كلنا مطالبون أن نتمنى هذه القمة العالية؛ قمة النبي المصطفى (ص)..

٨- إذا قطع الإنسان المسافة الأولية، بعدئذ تتكرر المشاهد الربوبية والتجليات الإلهية؛ عندئذ من المستحيل أن يرجع الإنسان إلى نقطة الصفر.. حيث أن الانتكاسة ممكنة في أوائل الطريق، والارتداد ممكن؛ لأن هذا لم يصل إلى ركن وثيق، ولم تتحول خطواته إلى خطوات ثابتة في الطريق.. إما إذا اجتاز هذه المرحلة الوسطية، سوف يصل ويرى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ليس في الجنة بل في الدنيا!..

٩- إن السير الهادئ الخفيف، بلا إتعاب للنفس والبدن، مع عدم المعصية.. أبلغ في الوصول إلى الله -عزّ وجلّ- من إتعاب البدن بالعبادة والكدح، ولكن مع المعصية..

١٠- كلنا صيادون نريد أن نصيد السعادة والراحة ، ولكن ما هو الطريق إلى ذلك؟.. وهنا وقع الكثيرون على قارعة الطريق من دون وصول!..

١١- إن الذين يريدون الوصول إلى الله عز وجل، رغم أنه في كثير من الحالات لا تنقصهم الهمة، ولا ينقصهم العزم، ولا ينقصهم الإصرار في هذا الطريق؛ تواجههم مشكلة، وهي: في عدم البصيرة، وعدم معرفة الطريق.. وإنها لخسارة عظمى للإنسان السائر إلى الله -عز وجل- أن يعيش حالة: الهمة، والعزم، والإصرار، والتأكيد.. ولكنه يخطيء الطريق؛ فيقع في بعض المطبات.. فيكون من أثر ذلك أنه يشمئز من أصل سفره، وينحرف عن أصل سلوكه..

١٢- إن الإنسان يتمنى القمم العالية.. فما ذلك إلا كمثل قضية إنقطاع التيار الكهربائي، إذ أن هنالك قطعة حديدية صغيرة قد فصلت الكهرباء عن المنزل!.. وبجرد أن يأتي المهندس الخبير، ويكبس ذلك الزر، وإذا بهذا البيت المظلم يصبح كالشمس الساطعة.. فالكهرباء موجودة، ومصنع الطاقة بين أيدينا، ولا تحتاج القضية إلا إلى وصل.. فرب العالمين إذا رأى صدقاً في عبده وإصراراً، من الممكن في ليلة واحدة، كما أنه يُصلح أمر وليه في ليلة، يُصلح أمر ذلك الإنسان أيضاً في ليلة..

١٣- إن المؤمن بعدَ فترة من الصلاة الخاشعة، يصل إلى درجةٍ يرى شيئاً جميلاً في صلاته.. فجمال الوجوه؛ ما هو إلا رشحة من ريشة ذلكَ الجمال المطلق.. والذي خلقَ الطبيعة الخلابة؛ ذلكَ الجمال قبسٌ من ريشتهِ، فكيفَ بهِ هو!.. (يا أجملَ من كل جميل)!..

١٤- يقول الشاعر:ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** وكل نعيم لا محالة زائل ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ؛ هذا قمة العرفان؛ أي ما خلا الله لا وجود لهُ استقلالاً.. الشيءُ الفاني في حكم العدم باطل، هل رأيت عاقلا يعلق قلبهُ على حشيش الصحراء؟.. وذلك لأن حشيش الصحراء في الربيع ينبت، وبعد الربيع تذروهُ الرياح، يقول: أنتم بني آدم كحشيش الصحراء لا وجودَ لكم.. وكل نعيم لا محالة زائلُ؛ هذا النصف بيت لو طبقناهُ في حياتنا اليوم، لقطعنا العلائق بهذهِ الآلهة..

١٥- عندما عرض على لقمان مقام الخلافة في الأرض، فإنه فوّض الأمر إلى الله تعالى، معللا ذلك: أنه لو أراد له هذا المنصب، فإنه سيعينه على ذلك قطعا.. فهذا المنصب مع كونه مغريا في أعلى درجات الإغراء، إلا أن لقمان لم يطلب ذلك بشكل قاطع، لعدم علمه بعواقب الأمور.. وهذا درس بليغ لمن أراد المقامات المعنوية: فإن عليه أن لا يصر في طلب شيء منها، بل عليه العمل بمقتضى واجب العبودية، تاركا إعطاء الامتيازات بيد الحكيم الخبير.

١٦- إن المتقرب إلى الله -عز وجل- له وجود مستقل، يرى في نفسه كياناً، يرى في نفسه وجوداً.. يقول: أريد أن أصل هذا الوجود المحب المتميز؛ وهو الأنا إلى رب العالمين.. والمحب يذوب في محبوبه، ولا يرى لنفسه وجوداً، وإلا ما عاد محباً، بل أصبح متقرباً فقط.. والتقرب شيء، والحب شيء آخر.. إن الحل الأساسي؛ يكمن في تفريغ الفؤاد من كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى