السير إلى الله

علامات السير في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن من يريد السعادة المنشودة، والاطمئنان القلبي؛ فإن هذه السعادة لا يمكنها أن توجد، إلا ضمن جو الإيمان، والعودة إلى واهب السعادة وخالقها..

٢- إن من اشتاق إلى حبيب، جد في السير إليه!.. فالسير والسلوك والسفر -{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}.. {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}- كل هذه تعابير أهل البيت (ع)..

٣- إن الإنسان منذ أن يولد في هذه الدنيا تبدأ حركته إلى الله تعالى، فهو في طريق إلى الله تعالى.. ولكل طريق بداية ونهاية، ولكل طريق زاد، ولكل طريق رفقة سفر.. فالذي لا يعتقد أنه في حركة دائبة إلى الله عز وجل، فإن هذا الإنسان سوف يخسر حياته.. ومن المعلوم أننا في هذه الحياة الدنيا خلقنا لمهمة راقية، عبر عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}..

٤- إن المدد الغيبي نعم العون لمن يريد أن يصل إلى هذا الطريق!.. فرب العالمين رؤوف بعباده إلى حد لا يمكن أن يتصوره العباد!.. بعض العلماء يتحير في تفسير هذا الحديث.. رب العالمين غني مطلق، في مقعد الصدق، عنده أرواح الأنبياء والأئمة وأولوا العزم، ما شأنه بي وبك؟!.. ما أوزاننا بين يديه؟!..

٥- إن الناس هذه الأيام -مع الأسف- يرون بأن اصطلاح السير والسلوك والسعي، حكراً ووقفاً على الحوزات العلمية.. والحال أنه بإمكان أحدنا أن يجمع من خلال الكتاب والسنة الكثير، مما يدل على وجود حركة في حياة العبد.. فالسفر من الغفلة إلى الذكر قريب جداً..

٦- إن الطريق إلى الله –عز وجل– طريق معاكس لطبيعة النفس: فالمتقرب إليه غير مرئي.. والتودد والتقرب إلى جمالٍ غير محسوس؛ قضية ليست على مزاج الإنسان..

٧- إن الشاب إذا أراد أن يتقرب إلى ربه بمجاهدةٍ مستمرةٍ وعزمٍ في هذا الطريق، سوف يصل إلى ربه في أقرب وقتٍ ممكن.. لأن هذا الشاب محاط بسلسلةٍ من الإغراءات، ويسبح عكس التيار!..

٨- إن علامة القرب هي: أن نخرج من ليلة القدر الكبرى، وقد وصلنا إلى مرحلة تغيير المحور؛ محور الدوران.. نعم، يستطيع الإنسان أن يغير محور حياته في ثلاث ليال.. إذا كان يريد ذلك، فعليه أن لا ييأس.. فمن الذي جعل هذه الكوكب بهذه الأطنان، تمر في حركة دائبة منتظمة؟.. هو الرب: رب الآفاق، ورب الأنفس، الذي حفظ هذه المجرات والكواكب..

٩- إننا نرحب بكل حركة من شأنها الغور في أعماق النفس، بدلا من الالتهاء بالشهوات البهيمية التي لا تعد مزية لبني آدم ، بل هي من سمات كل دابة تدب على وجه الأرض!.. ولكن لنا أن نتساءل ونقول: أنه ما دامت النفس من مصاديق الغيب، وما هو مرتبط بما وراء الطبيعة، فكيف يمكن بالأدوات المادية الوصول إلى المجاهيل العميقة لما وراء المادة؟!..

١٠- إن الذي يدعي العبودية، لابد وأن يقدم شهادة إثبات، كما هو ديدن أولياء الله، وأنبيائه على مر التأريخ.. حيث كانوا يقدمون قرابين تثبت تلك العبودية الحقة لله عز وجل.. فهل فكرت يوماً، ما هو القربان الذي تثبت فيه أنك عبدٌ لله تعالى؟!..

١١- إن الإنسان الذي يسعى في عالم الأسباب، ويبذل جهده فيما يرضي الله تعالى؛ سيكون محطاً للألطاف الإلهية، فيحظى بالتسديد والتوفيق في شتى مجالاته الحياتية..

١٢- إن من مواصفات الإنسان السائر إلى الله -عز وجل- أنه إنسان له همّ، وله سبيل في هذه الحياة.. هناك نقطة يحب أن يصل إليها، حياته غير مبعثرة: ليس في السفر على هيئة، وفي الحضر على هيئة.. ليس في الجلوات على هيئة، وفي الخلوات على هيئة.. بل هو إنسان يمشي مشية مضطردة ثابتة، وبخطى متوازنة.

١٣- إن البعض يقول: (الأئمة -عليهم السلام- زبائنهم كثيرون.. والذي لا زبائن له؛ هو رب العالمين)، نعم، الله -عز وجل- ليس له زبائن، وزبائنه قليلون.. والزبائن يدعون أنهم زبائن!.. يسيرون قليلاً ثم ما بين فترة وأخرى يرتدون.. ما أكثر السالكين، وأقل الواصلين!.. فالقضية تبدأ تكلفاً، وبعد ذلك تنفتح الحجب..

١٤- إن الخلوة هي من أهم مهمات الطريق والسلوك إلى الله -تعالى- وينصح العارفون بها.. فهي ساعة تصقل القلب، وتزكي النفس.. أليس المحب يتمنى الخلوة مع حبيبه؟.. وأليس المحب يسعى في رضا حبيبه، ويتحمل من أجل رضاه ما قد يشق على نفسه؟..

١٥- إن الالتزام بهذين المستحبين: نافلة الليل، وصلاة الجماعة، الذين قلما ورد حث وتأكيد مثلما ورد فيهما؛ هما من النقاط المهمة في السير إلى الله -عز وجل-.. لذا على المؤمن أن لا يستخف بهما..

١٦- إن الإنسان في عالم تكامل الأبدان، ينتقل من مرحلة إلى أخرى، بشكل قهري وطبيعي إلى أن يلقى الرب الكريم.. بينما في عالم الأرواح، فالحركة التكاملية اختيارية، والذي لا يتحرك ولا يبذل جهده سعياً لتحقيق تكامل روحه، فإن وضعه لن يتغير وسيبقى ثابتاً.. ظاهره إنسان بالغ راشد، ولكنه في الواقع يحمل في باطنه طفلاً صغيرا!..

١٧- إن هذه الحكمة تطرب الإنسان، وهي من كنوز أسرار أهل البيت (ع)، عن الإمام الصادق (ع): (إنّ القلب إذا صفا، ضاقت به الأرض حتّى يسمو).. إذا رأى الإنسان أن الدنيا ضيقة، لا يشبعه شيء منها؛ فليعلم أنه في أول الطريق..

١٨- هنيئاً لمن عاش التجلي في كل فريضة، بل في كل ساعة!.. بعض الناس يعطى كل ساعة حلاوة جديدة، غير الساعة التي قبلها.. هذه كنوز لم نتعرف عليها، لأن الدنيا ألهتنا حتى أصبحنا فيما نحن فيه!..

١٩- قد تطول في بعض الحالات حالة الإحساس بالهجران مع رب العالمين -حتى عند بعض المخلصين- ولكن ذلك ليس من دواعي اليأس أبدا.. فإن ما يطلبه هؤلاء نفيس جدا، لا ينبغي توقع الوصول إليه بجهد قليل.. فشعار هؤلاء في حركة حياتهم هو: (وقد علمت أن أفضل زاد الراحل إليك، عزم إرادة يختارك بها).. فهل جعلنا هذا شعارا لنا؟!..

٢٠- إن المؤمن في حركته إلى الله، قد يحصل على بعض الانكشافات الغيبية، أو الأحلام الصادقة، أو ما شابه ذلك، ويمكن اعتبار ذلك بمثابة الثمار المعجلة المحفزة على السير.. ولكن بعض الأحيان تكون على نحو الوهم لا الحقيقة، كما هو مشاهد عند البعض، إذ يعيش أوهاماً من التصورات الذهنية.. وعليه، فإن الإنسان المؤمن لا يشغل نفسه بهذه الأمور، فهذه نتائج لا أهداف، وإنما الهدف الذي ينشده، هو الوصول إلى حقيقة هذا الوجود، وأن يحقق هدف الخلقة، وهي العبودية الحقة، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، لا لطلب الكرامات أو المنامات.

٢١- إن العبد قد يصل إلى درجة من الأنس برب العالمين، لا يتحمل بعدها أي حالة من حالات الإدبار.. حيث يعيش حالة التألم الباطني الشديد، وضيق الفؤاد؛ لأنه لا يعلم ما سبب هذه الحالة؛ فيعيش حالة الوجل من أن الله -تعالى- راض عنه أم لا.

٢٢- إن الحركة العرفانية في جانبها النظري والعملي لها ثمرة، ألا وهي هداية السبيل والبصيرة واليقين، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.. وكلما اشتدت المجاهدة، كلما تجلت هذه الثمرة أكثر، حيث يصل الإنسان إلى درجة لا يتردد أبداً في الطريق الذي يمشي عليه.

٢٣- إن الدرجات القصوى للعين البرزخية، قد لا نصل إليها بسهولة.. فقط الأولياء الصالحون الذين أحرزوا الرتب العليا في العبودية؛ يمكنهم أن يروا ما لا يراه الآخرون.

٢٤- قد يصادف العبد في سيره إلى الحق المتعال، بعض البركات الظاهرية المتصلة بعالم الغيب، وقد تكون هذه -إذا لم تكن وهماً- بعض الثمار المعجلة تشجيعاً لصاحبه على السير.. إلا أن العبد الملتفت، عليه أن لا ينشغل بها؛ لأنها ليست من العبودية في شيء، فهمّ العبد أن يصلح ما بينه وبين ربه، ولا يهمه ما العطاء بعد ذلك؟!.. إذ التدخل في شؤون الرب الحكيم، نوع من سوء الأدب الذي قد لا يغفر لصاحبه، وخاصة إذا كان في المراحل العليا من التكامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى