الرحمة والمغفرة الإلهية

شمول الرحمة في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

1- إن الإنسان عندما يزاول عملا مخلصا لوجه الله تعالى؛ فإنه يعيش حالة من حالات النفحات الإلهية؛ المصاحبة للعمل، والرافعة لكل تحير واضطراب..

2- إن أصحاب البلاء المستمر، يعيشون في جو من الرحمة الإلــهية المبطنة.. ولطالما رأينا أنواعا من التوفيق، يحصل عليها هؤلاء بعد فترة من البلاء..

3- إذا أردنا أن نكون من الرحماء، لا بد أن نعلم أولاً أثر الظلم في الحياة.. رب العالمين هو العدل المطلق، بمقدار ما يظلم الإنسان غيره؛ يبتعد عن مصدر العطاء في هذا الوجود..

4- إن من أجلّ الألطاف الإلهية، أن يعامل رب العالمين عبده بما عامل به الكليم موسى (ع)، هذا المقام الذي يسيل له لعاب السالكين إلى الله عز وجل.. هذا المقام لا يحتاج إلى مالٍ، لا يحتاج إلى علم، ولا يحتاج إلى سمعة، ولا يحتاج إلى زواج وذرية!..

5- إن الشمس الإلهية ساطعة، ولكن علينا أن نعرض أنفسنا لهذه الشمس، بإزالة الحجب والموانع.. فالمشكلة في أننا لم نتعرض.. فإذا تعرضنا، تم التفاعل!..

6- إن شأن الفيوضات المعنوية، كشأن تفجر الأنهار من الصخرة التي تطرق عليها طرقات..

7- إن هنالك صنفا من الشباب يرى نفسه أسوأ الناس، فهذا الإنسان في مظان الرحمة الإلهية، لأنه يحتقر نفسه إلى أبعد الحدود.. نعم، هذا الاحتقار الباطني، سيفتح للإنسان أبواب الهدى والتقوى..

8- إن الشكاية من قسوة القلب بعد رقته ولينه، أثناء التفاعل مع أجواء الدعاء؛ لهو خير دليل على حياة القلب، وعلى إيمانه وتمسكه بقيم الارتباط مع المولى.. إذ أن المحب يحاول التحليق في ساحة أنس المحادثة، ورونق الهمس مع المحبوب، ويأبى الفراق والهجر بعد الوصال والقرب.. بيد أن الله -عز وجل- وبحكم كونه (المعشوق) يستدعي إلى ساحته العشاق والمحبين، وما أكرمه سبحانه وتعالى!.. فيداه وعلى الدوام مبسوطتان بالعطية، وبابه مفتوح على مصراعيه لمحبيه ومتيميه..

9- إن الله -عز وجل- وبحكم ربوبيته ووحدانيته، قد فرض على نفسه الرحمة والعطف.. فحينما نهرب منه عز وجل، نعود إليه مسرعين؛ لنرتمي بأحضان حبه، ولننال كرم عطفه.. مقرّين بالذنوب، وبثقلها على ظهورنا، طالبين الصفح الجميل بدموع التوبة والاستغفار، ملّحين عليه بالصفح والتسامح.. فمن باب أولى بالمحب أن ينتهج نهج الحبيب سبحانه وتعالى، وأن يصفح وقت العذر، ويسامح عند المقدرة..

10- إن اللذائذ المعنوية لا تقاس بأي لذة في الوجود، ومن هنا فإن أهل الجنة يوم القيامة ينشغلون بالنظر إلى وجه الله -تعالى- عن الحور والقصور..

11- من المعلوم أن بركة الله -تعالى- لا حدود لها، وإذا حلت في شيء سهلت العسير، وباركت في القليل؛ فإن الأمور طر بيده، ولا يعجزه شيء، وقادر على التصرف والتغيير في الأسباب وقلب الموازين.. والتاريخ دلل على ذلك، فذكر تصرفه -سبحانه وتعالى- في القلوب، وربطه للأفئدة، وتدخله في عالم الأسباب: لأم موسى، وفرعون وزوجته، وأهل الكهف، وفي غار ثور، ويوم بدر..

12- إن هناك فرقا بين مائدة مريم (ع) وبين مائدة الحواريين: فمائدة الحواريين كانت بطلب من الحواريين، أما مائدة مريم {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً}.. ولهذا المائدة السماوية لمريم، لم تنقص من منزلتها عند الله عز وجل، بينما المائدة السماوية للحواريين تبعها تهديد {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ}.

13- إن الخذلان الإلهي يأتي، ليوجد سداً منيعاً بين الفكرة وبين القلب {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ}.. أي اعتقدوا بها اعتقاداً ذهنياً، ولكن القلب لم يستسلم.. فما هي الضابطة؟.. ولماذا يجعل الله -عز وجل- الحاجز بين جهاز الفكر، وجهاز القلب خذلاناً؟.. أن من أسباب ذلك: عدم العمل بمقتضى الفكرة، أي هناك فكرة، وهناك قلب، وهناك جوارح، وعمل خارجي.. أنت إذا لم تنطلق وراء الفكرة الصحيحة، لم تعمل بالفكرة الصحيحة.. فإن هذه الفكرة الصحيحة تخرج من قلبك، لأنك آمنت بالفكرة، واعتقدت بصحتها، ولكنك لم تمارس ذلك.. وفي دعاء: (اللهم!.. ارزقني رحمة الأيتام).. هل هناك شكّ أن الإنسان يحب اليتيم، ويرحم اليتيم؟.. فإذا اعتقد بالفكرة، ولم يمارسها.. واعتقد بلزوم الرحمة، ولم يرحم؛ فإن الرحمة تنزع من قلبه.

14- ورد في الروايات: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، أي من صلى في غير المسجد، صحت صلاته، ولكنها ناقصة ليس فيها كمال.. فالذي يسمع: (حي على الصلاة) ولا يكلفه الأمر سوى خطوات إلى المسجد؛ من الممكن أن يكون بعيدا عن الرحمة الإلهية.

15- فرق بين أن يفقد الإنسان ألف دينار مثلا، ثم يكسب ألف دينار، فهو رجع إلى ما كان عليه.. وبين إنسان مات أعز ولده، هذا الإنسان ملفوف بغلاف من الرحمة الإلهية الغامرة، ولكن بشرط: الرضا بقضاء الله وقدره أولا، والتسليم له ثانيا، ومحبة ما كتب الله -عز وجل- له ثالثا..

16- إن البعض يائس من ذريته، أو من زوجته، أو من أقاربه؛ لماذا اليأس؟!.. رب العالمين بعث الرحمة في الجاهلية، فقلبهم رأسا على عقب!.. هذه الرحمة موجودة أيضا في حياتك..

17- كلما تقرب الإنسان إلى الله -عز وجل- أكثر، اقترب من مصدر الخير والرحمة، حيث يشمله الله بعنايته، ويفيض عليه من خيره (عبدي تقدم إلي خطوة، أتقدم اليك خطوتين)، وبذا يهديه الله، ويختاره لدينه، ويوفقه للعبادة والخشوع.

18- لا داعي للاستغراب، إذا كان الجزاء في مقابل الدعاء الحقيقي.. فالإنسان الذي يقرأ دعاء كميل في ليلة الجمعة -عشرون دقيقة- وإذا به يُعطى من الكنوز ما لا يُعد ولا يُحصى.. وركعة واحدة من الجماعة لا يحصيها الملك، فهي ركعة ولمدة دقيقة، فما قيمة هذه الدقيقة؟!.. إن الأمر تفضلٌ إلهي، فالباب باب الفضل لا باب الأجر.. والباب باب التفضل، لا باب العدالة.. ولهذا نقرأ في الدعاء: (اللهم!.. عاملنا بفضلك، ولا تعاملنا بعدلك)!.. فإذن، إن الله -تعالى- فعّال لما يشاء، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.. وإذا أراد أن يعطي الأجور الخيالية مقابل الأعمال البسيطة، فمن الذي يمنع إكرامه وإفضاله؟!..

19- إن علينا ألا نستغرب من عطاءات رب العالمين، فرب العالمين إذا أراد أن يعطي عطاء، سخر الريح والطير والجن ودواب الأرض، لصالح الإنسان المؤمن، ولصالح الحركة الإيمانية.. فإذا كان رب العالمين سخر جنود السماوات والأرض لوليه، ينبغي أن يعيش الإنسان حالة من الأمن والأمان.

20- إن الله -عز وجل- في قوله: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ }.. وكأن الرب -تعالى- في حركة استعطافية، يستقرض من عباده -وهو الغني- بل ويمنيهم أيضاً بالأجر المضاعف، مع أن المال ماله، بل كل وجود الإنسان وعوارضه ملك له سبحانه.. وهذا منتهى الحنان واللطف!..

21- إنك إذ قمت في جوف الليل -وقد أُعطيت أربعين منحة للاستغفار لأربعين مؤمنا- فيراك رب العالمين، وأنت تتذكر ذلك العدو الذي أساء إليك، وتتذكر ذلك الصديق الذي أخطأ بحقك، وزوجتك، وولدك، ومن يعنيك أمره.. إن هذه الحركة تجعل الرحمة الإلهية تغمرك من رأسك إلى قدمك، وكأني برب العالمين يقول: يا ملائكتي!.. انظروا إلى عبدي، حرم نفسه نوم الليل {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} وهو يدعو؛ لأن أغفر لذلك العبد الذي أساء بحقه.. فهل رب العالمين يتركك من دون مغفرة في هذا الموقف؟..

22- إن أفضل بشرى لذوي المصائب هذه الآية: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.. فهذه الصلوات، وهذه الرحمة، لم تكن لتشمل الإنسان إلا عندما يقع في البلية.. ولهذا نقول لأصحاب البلاء: البلية وقعت: سواء بسوء تصرفك، أو بلية من القضاء والقدر المحتوم.. فلماذا لا تستثمر هذه البلية، لرجاء حالة من الرقي النفسي؟..

23- إن البعض يأخذ المرض ذريعة للخروج من طوره وطبعه الأولي: فيبيع دينه، ويحتد في طبعه، ويتكلم بما لا يليق.. بدعوى أنه مريض، وكأنه معذور في حال المرض، وقد رفع عنه القلم.. والحال أن الإنسان المريض، محتاج إلى الرحمة الإلهية؛ لذا يفترض أن يكون عكس ذلك تماما!..

24- إن الطينة حتى لو كانت تميل إلى الحرام، فذلك لا يعني أنَّ الإنسان ليس بإمكانه أن يغيّر طينته.. بل من الممكن أن نغالب أنفسنا فيها، وفي حياة المسلمين رأينا بعض أصحاب القيم السيئة، وكيف الله -عز وجل- بمجاهدة منهم قلب هذه الطينة.. ما الذي قلب الحر بن يزيد إلى هذه العاقبة؟.. إنّ رب العالمين له نظرتان: نظرة عامة ونظرة خاصة، وهنيئاً لمن دخل في دائرة الرعاية الخاصة!..

25- رحمة رب العالمين أوسع، أم رحمة يوسف؟.. يوسف بشر، وقد ارتكب إخوته في حقهِ جريمة، ولكن بكلمة واحدة أصلحوا أمرهم مع أبيهم.. وكذلك بالنسبة لنا نحن العصاة الغرقى في المعاصي، بإمكاننا في ليلة من الليالي أن نخاطب رب العالمين، نقول: يا رب!.. عفوكَ!.. عفوكَ!.. عفوك!.. انتهى الأمر!.. {ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا}؛ ربُ العالمين غنيٌ عنا وعن عذابنا، طوبى لمن يعود إلى ربهِ حتى لو كان ظهرهُ مثقلاً بأنواع الذنوب!..

26- إن من الممكن ان يكون لكل انسان بعثته.. فبعثته هو انبعاثه من ظلمة العالم السفلي إلى أنوار عالم الملكوت.. ومن أسر الشهوات الرخيصة التي تشترك معه دواب الأرض -بل هوامها- إلى السير في عالم الأنفس والآفاق.. ومن ذلة المعاصي -ألعوبة بيد الشيطان- إلى عز الطاعة، تسديدا بملائكة الرحمة والإلهام.. فمتى تكون بعثتنا؟!.. فالوقت قصير، وكلما طالت فترة الجاهلية، كلما قل الأمل ببزوغ شمس الإسلام الأصيل على القلوب، التي لم تعرف معنى الاستسلام لرب العالمين.

27- إن القرآن الكريم عندما يعبر عن طلب الأنبياء وغيرهم للذرية الصالحة؛ فإنه يعبر بلفظ (الهبة)، ومعنى ذلك أن الإنسان لا يطلب من الله -تعالى- هذه العطية الكبرى باستحقاقه.. وإنما يريد من الله -تعالى- أن يتفضل عليه بذلك.. فمهما بالغ في التربية، فإنه لا يحقق أمانيه بسعيه، حيث خيوط الأمر كثيرا ما تخرج عن يده!.. ويا ترى كم من الفضل العظيم، توجه إلى إبراهيم بمثل إسماعيل، وإلى زكريا بمثل يحيى، وإلى مريم بمثل المسيح عليهم السلام!.. وكم من المناسب أن يدعو أحدنا -بإلحاح- أن يمنّ عليه بمن يصلح به المسلمون في مستقبل هذا الزمان، حيث عز النصير لهذا الدين، الذي عاد غريبا كما بدأ غريبا!..

28- إن المدد الغيبي ليس بأمر إعجازي خارق للقوانين الثابتة، على سبيل المثال: الإعجاز الإلهي في جعل النار تكون خلاف طبيعتها المحرقة، بأن كانت برداً وسلاماً، أو تحول الماء إلى جدار.. بل يتطلب أرضية قابلة، ونية صادقة من العبد في حركته إلى الله تعالى.. وقد جاء في الحديث القدسي: (لا تسعني أرضي و لا سمائي، بل يسعني قلب عبدي المؤمن).

29- إن العجب ليس في النجاة، لأنها هي الأصل، ورب العالمين أمرنا بموجبات النجاة، ووضح لنا طريق الجادة والصواب.. فنحن لا نتعجب للسائر الذي يمشي في الطريق الصحيح وعلى جانبه بحيرة، بل نتعجب للغرقى في البحيرة، لماذا انحرفوا عن الطريق، ووقعوا فيما وقعوا!.. نعم، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق.. فإذن، هذه الرحمة الواسعة هي نعم المتمسك للعبد، كي يحقق كل آماله في هذه الحياة الدنيا.

30- إن الله تعالى حكيم في كل أفعاله وتصرفاته، ومن المعلوم أن مقتضى الحكمة هو وضع الشيء في موضعه، وحاشا لله -تعالى- أن يضع رحمته في موضع لا يستحق الرحمة، وإلا لكان ذلك مخالفاً لقوانين الحكمة.. وكم من القبيح أن يصل العبد إلى درجة، لا تغمره هذه الرحمة الغامرة التي وسعت كل شيء!.. والإنسان قد يصل -مع الأسف- بسوء فعله واختياره إلى مرحلة لا يصبح قابلاً لتلقي هذا النور، وبعبارة فلسفية: (النقص ليس في الفاعل، وإنما المشكلة في القابل).

31- إن الإنسان المبتلى، إذا نظر إلى نعم المولى جل وعلا عليه، منذ ابتدأه في هذا الوجود إذ كان جنيناً.. وسأل نفسه: بأنه من ذا الذي شق فيه المخ، والقلب، والبصر، وصوره في أحسن صورة؟!.. ومن ذا الذي ضمن له الغذاء، وهو محصور في ظلمات ثلاث؟!.. ومن ذا الذي تولى رعايته، وحفظه حتى كبر واشتد عوده؟!.. نعم، ذاك هو الله تعالى، وهو أكرم من أن يضيع عبده، ويحرمه من رحمته، ويقطع عنه النعم الذي ابتدأه بها -من غير سؤال- وهو في عالم الأجنة.

32- من المناسب أن يصل الإنسان عندما يرى صفحاته السوداء، إلى باب الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء.. فهو الذي خلق الدابة بمشيئته، وتكفل برزقها، كما في قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا}.. وهو أيضاُ عندما أوجد البشر، كتب له ما فيه الصلاح، وهيأ له الأسباب التي عن طريقها يصل إلى الفلاح والفوز.. فإذن، إن رحمة الله وسعت كل شيء: بمعنى كل الوجود بلوازمه، لا الوجود المجرد.

33- إن الإنسان الفاسق لازالت علاقته بالله علاقة الخالقية والمخلوقية، حيث يقال: بأن لله رحمة رحمانية، ورحمة رحيمية.. وبعض الأوقات رب العالمين قد يجيب دعوة الفاسق؛ إتماماً للحجة عليه يوم القيامة.

34- إن الإنسان الذي يتحلى بصفة الرحمة، وهي صفة إلهية؛ فإنه يُعطي هيبة في نفوس الناس، والهيبة والجبروت والكبرياء من الصفات الإلهية.. هو إنسان تشبه بالرحمة، ولكن يعطى صفة الكرم مثلاً، هذا الإنسان رب العالمين تجلى له من خلال نور الرحمة، ولكن يضيف إليه نور الكرم.. معنى ذلك إن النور إذا دخل، فإن بركات هذا النور تتوسع في القلوب.. لذلك على الإنسان أن يدعو الله -عز وجل- أن يجعله من الذين أعطوا هذا النور الإلهي، وترسخت أشجار الشوق والحب والرحمة وغيرها في حدائق صدورهم.

35- إن من الأمور التي تخالف الشمولية، أن البعض يتوجه توجهاً روحياً؛ أي يذهب للمنادمة، ويهمل المكتبة!.. لا يعرف من السلطان إلا أن يجلس بين يديه، ويبكي، ويبدي شوقه، وحنينه، وحبه.. من دون أن يعلم مراد السلطان، ومن دون أن ينقل هذا الحب الذي انقدح في قلبه إلى باقي الرعية.. يقال: بأنه فرق بين نديم السلطان، وبين الوالي.. الوالي قد لا يحظى بلقاء السلطان، ولكن هذا الوالي الذي يحقق رغبة الأمير أو السلطان في أقصى البلاد، ولعله لم يلتق به مرةً واحدةً؛ هذا أحب إليه من ذلك النديم الملاصق له؛ لأن هذا في مقام ترويجِ حب ذلك السلطان في قلوب رعيته.

36- إن الحنان الإلهي لعبده يظهر كذلك يوم القيامة، عندما يجتاز العبد مراحل المحاكمة الإلهية، {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}، {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ}، {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا}.. يأتي يوم القيامة حاملاً ثقله على ظهره، تتطاير الكتب، وبعد الامتحان توزع الشهادات: شهادات النجاح، مكتوب على شهادة النجاح: مقبول للأبدية في الجنة، يا لها من شهادة قيمة!.. فهو خالد في جنان الخلد، (من الحي الذي لا يموت، إلى الحي الذي لا يموت)، فهذا الإنسان حي لا يموت بإذن الله.

37- إن مسألة التجاذب هي من دواعي الحكمة الإلهية في عالم الوجود: فهناك الجاذبية الكونية، التي أبقت هذه الأفلاك والمجرات في مداراتها.. والجاذبية الأرضية، التي حفظت هذا الوجود وهذا التوازن.. وكذلك التجاذب الموجود في الذرة، الذي عندما يرتفع ويتخلخل؛ يحدث الدمار الهائل.. ومن تلك الصور الجاذبية بين الجنسين المرأة والرجل، حيث جعلها الله -تعالى- لبقاء الوجود البشري، ولولا هذه الجاذبية لم يستمر السير التناسلي؛ لأنه كما نعلم بأن تشكيل الأسرة من موجبات تحمل المسؤوليات والانزعاج وغيره.. ولكن ذلك إذا لم يحكم بالضوابط الشرعية، فسيؤدي إلى انتشار صور الفساد في الأرض، وتكون المسيرة التكاملية والتنمية الاجتماعية والتكاثر الشرعي عرضة للخلل.

38- إن من أصعب الدرجات أن يصل العبد إلى درجة أن يكله الله إلى نفسه؛ أي يلقي حبله على غاربه.. إذا كان للإنسان دابة في المنزل يركبها ويستفيد منها، ورأى بأن هذه الدابة مصابة بمرض وقد تعدي باقي الدواب، ماذا يعمل صاحب الدابة؟.. هل يخرجها من المنزل ويتركها في الصحراء إلى أن تموت، ويقول: لا حاجة لي بهذا الحيوان المريض؟.. إذا كان كذلك، فإن هذا يسمونه الإيكال إلى النفس.. والعبد يصل بعد فترة من المعصية، أن يقول له رب العالمين: أوكلت أمرك إليك؛ أي رفع الحصانة والحماية عنه.. هل تعلم أن من يحضر إلى المجالس الحسينية، لم يأت إلا بالحماية الإلهية.. هو لم يأت بنفسه، إنما هنالك من دفعه إلى هذا المجلس دفعاً، يقول تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}.

39- يجب تعويد النفس على الرحمة والترحم -أي إظهار الرحمة- وذلك من خلال التعامل اليومي مع الناس، وخصوصاً الرحمة بالوالدين والأولاد، لما لذلك من الفضل عند الله عز وجل.. فالإنسان إذا رحم إنساناً حصلت عنده رقة، فإذا توالت تلك الرحمة فإنها تصير كالملكة.. ورد في دعاء الصباح عن أمير المؤمنين (ع): (واْفتح اللهم لنا مصاريع الصباح، بمفاتيح الرحمة والفلاح).. ومفاتيح الرحمة هي رقة في القلب، تقتضي الإحسان إلى الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى