التوبة

التائب الحقيقي في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن الإنسان إذا لم يُظلم من قبل إنسان، فليس له الحق أن يهتك عيوبه؛ لأن الاذن الالهي انما هو بالنسبة الى من ظلم فحسب!..

٢- إن التائب الحقيقي عندما يعود إلى الله تعالى، يكون سريعا في الحركة إليه.. إذ أن إحساسه بالماضي المظلم، دافع له لتسجيل مستقبل مشرق، للتعويض عما فاته في أيام جاهليته.. ومن المعروف أن تجاوز المعصية في مرحلة من المراحل، يعطي صاحبها القوة لتجاوز المعاصي في المراحل التالية؛ لأنه نجح في مخالفة دواعي الغريزة والهوى.. وهذا هو الحل الجامع عند الميل إلى كل معصية.

٣- إن زاد المؤمن الدائم الاستغفار.. لا تؤجل الاستغفار إلى أن تذهب للعمرة؛ أفضل أنواع التوبة بعدَ الخطيئة مباشرةً، قل: يا رب!.. هذهِ الجريمة طازجة، وهذهِ أداة الجريمة، وأنا المجرم؛ ماذا تفعل؛ الأمرُ إليك؟..

٤- إن الطاعة بعد المعصية؛ هي علامة التوبة.. شخص ارتكب حراما، وبعده مباشرة سيق إلى طريق من طرق الخير؛ فهذه علامة الإنابة.. مثلا: إنسان عصى ربه فاغتاب، ثم وفق لصدقة معتبرة؛ هذه علامة التوبة، وقبول التوبة.. مادام الإنسان قد وفق للطاعة؛ أي لولا قبول رب العالمين والرضا، لما وفق لمثل تلك الطاعة.

٥- إن هناك بعض الحركات القلبية، مُسكت وحُبست في عالم الألفاظ اشتباهاً، من قبيل: الاستعاذة، والاستغفار.. فالاستعاذة والاستغفار هما حركتان قلبيتان، وإن أُبديت هذه الحركة من خلال اللسان؛ أي عندما يستغفر الإنسان ينيب بقلبه، وعندما يستعيذ يلتجيء بقلبه، فهذه الألفاظ جعلت دلالات على المعاني القلبية.. فإذا كان القلب خالياً من هذا المعنى؛ فإن ذلك يعني أن هذه الحركات اللسانية، حركات لا رصيد لها.

٦- إن الإنسان كلما أذنب ذنباً؛ عليه أن يبادر مباشرة لصلاة ركعتين.. وما المانع أن يصلي في موطن المعصية، يا له من موقف جميل، أن يتحول المكان من مكان للمعصية إلى مكان للطاعة مباشرة!..

٧- إن الإنسان الذي يستغفر من السرقة، وأموال الناس في جيبه، أو في حسابه؛ هذا إنسان مستهزئ بالاستغفار.. فالقلب الذي يريد أن يلقى الله -عز وجل- بنقاء تام، وبسلامة تامة؛ لابد أن يكون مثل الحجر الأملس الذي لا غبار عليه؛ ليس عليه تبعة.

٨- إن الذي يستغفر ربه من غير ذنب، رب العالمين يرفع من درجاته؛ لأنه لم يذنب ويستغفر.. أما إذا أذنب واستغفر؛ فإنه يحط عنه السيئات.. فالاستغفار من غير ذنب، يكون رفع درجات، لا كفارة سيئات.

٩- إن المصائب والاستغفار كلاهما طريقان للأجر، والقرب إلى الله عز وجل..

١٠- إن الذي يريد العزة، والوجاهة، وأن يكون مهاباً في الناس؛ فإن الطريق إلى ذلك ليس العسكر، وليس المرافقين، وليس النياشين العسكرية التي تُعطى وتؤخذ بعد فترة؛ كل هذه الأمور تُعطى وتُسلب.. عن الإمام الصادق (ع): (من أراد عزاً بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وهيبة بلا سلطان.. فلينقل من ذل معصية الله إلى عز طاعته).. وننتهي إلى رواية من روايات أهل البيت فيها كل الخير: سئل الإمام السجاد (عليه السلام): ما بال المجتهدين بالليل من أكثر الناس نوراً؟.. قال: (لأنهم خلوا بربهم، فكساهم ربهم من نوره).. ولهذا من خاف الله -عز وجل- خاف منه كل شيء، عن الصادق (ع): (من خاف الله، أخاف منه كلّ شيء)؛ لأن الله يزرع الهيبة في قلوب الناس ممن يخافه ويخشاه.

١١- إن الإنسان الذي هو في طور العافية، من الممكن أن تخدعه نفسه وشيطانه، فيقول له: ما دمت قد ارتكبت المعاصي في برهة من حياتك؛ فإنه لا يمكنك أن تدخل نادي الأبطال.. فهؤلاء لم يصبهم مرض قط؛ وأنت إنسان كنت في المستشفى، والآن خرجت منها، فاقنع بما أنت فيه من العافية، ولا تفكر في طموحات أكبر مما أنت فيه.. وهذا كلام شيطاني، فالإنسان التائب، ولو أنه يعيش حالة الخجل من الله، والتبرم من الماضي، والتقزز مما صدر منه.. إلا أنه عندما يجلس بين يدي ربه، فإنه يتفاعل في دعائه ومناجاته، أكثر من الإنسان الذي لم يقترف المعصية.. فإذن، إن هذا التاريخ الأسود هو من ناحية نقطة سلبية، ولكنه من ناحية أخرى نقطة إيجابية لمن عاد إلى رشده.. وعليه، فإنه من الممكن أن يصبح الإنسان بطلاً، بعد أن يتعافى من مرضه.. والتاريخ مليء بهذه العناصر المتميزة بعد توبتها.

١٢- إن العاصي عندما يعود إلى طريق الطاعة، وخاصة إذا كان متجاهراً ببعض المعاصي، ثم يتوب؛ فهذا من الممكن أن يخاف من النظرة الاجتماعية له.. فعندما يدخل المسجد أو يواجه المجتمع، ويرى نظرات الناس تجاهه، فإنه يعيش حالة من حالات الخجل الاجتماعي، وهذه حالة سلبية.. فإن المهم هو أن رب العالمين عفا عنه، ورضي عنه.. فعندما نجعل رضا المولى بجانب سخط المخلوق أو احتقاره، فلا قيمة لهذا الاحتقار، إذا لم يكن يكشف عن تحقير المولى له، وفي بعض الروايات: (لو كان في يدك جوزةٌ وقال الناس: لؤلؤةٌ، ما كان ينفعك وأنت تعلم أنّها جوزةٌ.. ولو كان في يدك لؤلؤةٌ وقال الناس: أنّها جوزةٌ، ما ضرّك وأنت تعلم أنّها لؤلؤةٌ).. فعلى الإنسان ألا يفتح حسابا للخلق في هذا المجال، ويكون شعاره (إلهي!.. إن لم يكن لك عليّ غضب، فلا أبالي).

١٣- إن الإنسان المعافى من مرضه، يحاول في فترة النقاهة أن يتغذى غذاءً سليماً مقوياً، ليستعيد العافية بسرعة.. وكذلك فإن الإنسان التائب عليه أن يكثر من بعض الأمور الاستحبابية، والتي توجب له سرعة القرب من المولى، ليجتاز الفترة الحرجة بين المعصية وبين الاستقرار.. فهنالك فترة انتقالية لا بد أن يضاعف الجهد فيها، لتستقر أموره في خط الطاعة، ويتحقق فيه هذا العنوان: (صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى).

١٤- يجب استثمار الندامة الماضية، وتحويل الندامة والأسف إلى حركة دائبة لقضاء ما فات، وأداء ما سيأتي.. فالله -تعالى- هو خير الغافرين.

١٥- إن الإنسان الذي يستغفر، وهو غير نادم؛ هذا بمثابة إنسان يطعن إنساناً آخر من الخلف، وهو يعتذر إليه.. هو في الكلام يعتذر، ولكن في مقام العمل؛ فعله عدواني.. كذلك الإنسان الذي يستغفر ولا يندم؛ هذا مستهزئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى