التسليم

التسليم المحض في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن الذي يريد أن يكون بعين الله عز وجل، عليه أن يسلب من نفسه كل إرادة..

٢- إن المؤمن إذا احتكم إلى الشريعة، عليه أن يخضع أولا خارجيا ثم باطنيا، أي أنه يعيش حالة الاستسلام التام لرأي الشريعة.. وهذه الحالة لا يمكن أن تتحقق، إلا إذا عاش الإنسان جو العبودية الكاملة لله عز وجل..

٣- إذا كان الإنسان يعيش في كنف الله، مُسلِّماً أموره إلى الله.. فلا داعي للخوف أبداً من المستقبل، لأن المستقبل بيد الله عز وجل.. وكذلك الحزن على الماضي؛ لأن الله -عز وجل- يعوّض الماضي..

٤- إن على المؤمن أن يطلب من رب العالمين، أن يتصرف في فؤاده {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}.. إذا أصبح الإيمان مزينا في القلب، يكون قد مشى الإنسان خطوات سريعة؛ لأنه يسعى وراء شيء لذيذ.. إذا أراد الإنسان أن يختبر حياة القلب، فليدخل المسجد، وينظر إلى مدى تفاعله مع بيت الله عز وجل!.. فالذي يعيش في قلبه هذا الحب الإلهي، يحب كل أمر منتسب إليه..

٥- إن الجندي الذي يسأل مسئوله عن سبب الأوامر، يعاقب، لأن القانون يقول: امتثِل ثم سل!.. وإذا أُجبت ولم تقتنع، فأكمل!.. وكذلك بالنسبة للشريعة، فإن الإنسان ليس مكلفاً أن يعلم الحكم والأسباب..

٦- عندما يذهب الإنسان للأسباب الظاهرية، عليه أن يذهب إلى أن هذا السبب بيد الله -عز وجل- ولو شاء لأزال سببيته..

٧- إن الإنسان الموحد هو الذي لا يرى مؤثرا في الوجود سواه، والموحد إنسان هادئ نفسيا، مفوض متوكل لا اعتراض له.. فالتوحيد أساس كل فضيلة أخلاقية.

٨- إن الاستعاذة حركة قلبية قبل أن تكون حركة لسانية: فيها خوف، وفيها أمل، وفيها فرار، وفيها التجاء.. كل هذه المعاني إذا اجتمعت في قلب إنسان، يصدق عليه بأنه إنسان مستعيذ.. والله -عز وجل- في عون عبده الذي يكثر من الالتجاء به، خاصة قبل الأعمال الصالحة، وقبل كل عمل ذي بال .

٩- إن الذي يحب حسن الذكر، فليسلم أمره إلى الله تعالى، فهو الذي أدرى بمصلحة الشهرة أو عكسه.. وهو الذي لو أراد أن يروّج لعبد من عبيده، نشر ذكره في الآفاق.. فهذا اسم نبيه المصطفى (ص) يقترن باسمه في: الأذان، والصلاة، والشهادتين.. أو ليس هذا هو الخلود في الذكر، فلم نبحث عنه عند غير الخالد؟..

١٠- إن الله -تعالى- لو رأى المصلحة في أن يخرق قوانين الطبيعة؛ فإنه سيخرقها لمن شاء سواء كان (نبيا)، كجعل النار بردا وسلاما على إبراهيم، وكفلق البحر لموسى.. أو (وليا) ولهما نماذج مختلفة في التاريخ.. إذ أن الإعجاز بالنسبة لنا، لا بالنسبة إلى الله تعالى.. فمن وضع القانون، هو القادر على أن يرفعه متى شاء.. هذا الاعتقاد يجعل المؤمن لا يحس بطريق مسدود في الحياة أبدا.

١١- يجب أن نتحلى بكلّ أوامر الشريعة طولاً وعمقاً، وكلّ أمر إلهي نحاول أن نطبقه كما أراده الله عزّ وجل: فهو أمرنا بالعبادة، ولكن بشكل متوازن.. وأمرنا بالاهتمام بالزوجة والأولاد، ولكن بشكل متوازن.. وأمرنا بالسعي للرزق، ولكن بشكل متوازن.

١٢- إن من دروس التسليم: أن المصلي في اللحظات الأخيرة من مفارقة اللقاء مع رب العالمين، يلاحظ أن الحركة حركة اجتماعية، حيث يقول: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) -والله العالم كأن المراد-: أيها المصلي!.. إن كنت مصلياً حقاً، فإن ثمرة الصلاة، وثمرة العبادة، وثمرة الإقبال على الله عز وجل، هي الإلتفات إلى عباده الصالحين.. هنا في الصلاة سلام، وفي حركة الحياة خدمة وقضاء حاجة.

١٣- إن الاستعاذة الحقيقية بالله -عزَّ وجلَّ- توجب الحماية، ما المانع أن يقول ربّ العزة والجلال -مع استعاذة حقيقية من العبد-: يا إبليس!.. إياك أن تقترب من عبدي هذا.. وربّ العالمين يعلم كيف يصرف الكيد عن الإنسان المؤمن: إلقاء في الروع، أو تسديداً في مقام العمل.

١٤- إنّ كلّ تصرف من الحكيم المتعال، ربُّّّّ الحكماء.. كلُّّّّّ حركة، وكلّ نفحة، وكلّ خطوة تقرب من الله إلى عبده، مسبوق بعلل.. وهذه العلل منشؤها العبد {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء} قيل: فاعل (يشاء) بأنه هو الله -عزّ وجلّ- وقيل: أن فاعل (يشاء) هو العبد .

١٥- علينا أن نكون عباداً لله -عزّ وجل-، ولكن عبودية مطلقة: عبودية في الفكر، وعبودية في القلب، وعبودية في الجوارح.. هذه الأيام أغلب الناس عبوديتهم في الجوارح، أما الجوانح فيها ما فيها من خلط.

١٦- إن التسديد الإلهي المذهل ليس خاصا بعالم البشر، فهناك في عالم الحيوان ما يقرب من الإعجاز في هذا المجال.. ومن مصاديق ذلك ما نراه في سمكة السلمون، التي تجوب المحيطات في رحلة العودة إلى مواطنها التي قد تستغرق أربع سنوات.. متحركة عكس اتجاه الشلالات، مهتدية إلى موطنها، بفعل خاصيتها الفريدة من معرفة القطب الشمالي.. أضف إلى حفظها لرائحة الأنهار التي قطعتها ذهابا، لترجع إلى وطنها إيابا، متذكرة تلك الروائح الخافية على الآدميين.. فما هي الدروس الكامنة في ذلك؟..

١٧- إن الله -سبحانه وتعالى- إذا علم بصدق عبده، فإنه سيسوق له في الوقت المناسب، من يكون له دليلاً له في حركته إلى الله تعالى؛ فلا ينبغي أن ينتابه اليأس.. بل عليه أن يعزم نيته على الاستمرارية في المجاهدة المتصلة إلى أن يلقى ربه تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ}.. فإن الله -عز وجل- البصير بالعباد، فكما كفَّل مريم لزكريا (ع) لما رأى فيها القابلية والصدق؛ فإنه يهيئ له ما يصلح أمره.

١٨- إنه من المناسب للمؤمن أن يعتمد على هذين الأمرين في مواجهة مشاكله الحياتية: الأول: السعي المادي في حل المشكلة بقدر وسعه وطاقته، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.. والثاني: تفويض الأمر لله عز وجل.

١٩- إن خير وسيلة لدفع الأضرار المحتملة هي: الاستعاذة القلبية، والالتجاء إلى ولي الأمر، الذي يصرف شؤون عباده {بِرَبِّ النَّاسِ} والملك الذي لا يعجزه شيء {مَلِكِ النَّاسِ} والمعبود الذي ينبغي الاستعانة به {إِلَهِ النَّاسِ}.. إن من كان واجداً لتلك الأمور، هو الجدير بأن يلتجأ اليه عند كل مخوف وملمة.. ومما يعزز هذه الحالة القلبية، هو الإكثار من قراءة المعوذتين اللتين أنزلتا على النبي (ص) حماية له، ولأهل بيته، ولأمته من بعده، وذلك من الأخطار المادية المتمثلة.

٢٠- إن الإنسان الذي يعتقد بأنه مسير، سوف يعيش حالة الركون إلى ما هو فيه، ولا يفكر في تغيير واقعه؛ فيعيش حالة الرتابة في الحياة.. لأنه لا يرى نفسه مؤثرا في الوجود، {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا}.. فما دام القلم قد جف بما هو كائن، فإذاً لماذا السعي؟.. وعندها يرى الإنسان نفسه كأنه قشة في مهب الرياح، أو على سطح البحر، تقلبه الأمواج كيفما تشاء.

٢١- إن الإنسان الذي يعتز بعز الله -عز وجل- ويركن إلى عزة رب العالمين؛ لا يخاف من شيء.. فالإنسان الذي يعتقد بأن الله قوي عزيز، ذو قوة متين، فعال لما يريد، ذو البطش الشديد؛ لا يخاف من مخلوق!..

٢٢- إن الذي جعل الظلمة ضياء، وجعل الضياء ظلمة، ويقلب الأمور.. ألا يمكنه أن يقلب حالك إلى أحسن الحال؟!.. فالمؤمن يدعو دائماً: يا مقلب القلوب والأبصار!.. يا مدبر الليل والنهار!.. يا محول الحول والأحوال!.. حوّل حالنا إلى أحسن الأحوال.. فقلب العبد بين أصبعين من أصابع الرحمن.

٢٣- إن التفكير في المشاكل اليومية، يوزّع اهتمام العبد كثيراً.. والحل الأمثل في مثل هذه الحالات، هو تفويض الأمر إلى الخبير القدير، مع عدم الإتيان بما ينافي رضاه في المجال الذي فوّض الأمر إليه على الأقل.. فهو الذي يرزق بغير حساب، وهو الذي يجعل للعبد المخرج بما لا يخطر على البال.. فالاضطراب النفسي تجاه أمور الدنيا والمعاش، لا يدع مجالاً للتركيز الشعوري والذهني لما يعود إلى المبدأ والمعاد، وخاصة بعض المشاكل التي تشكّل عنصر توتر دائم في الحياة: كالمشاكل الزوجية والعائلية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى