مواضيع أخرى

مقامات الأنبياء في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن إبراهيم (ع) من الأنبياء الذين تميزوا بامتيازات عديدة، منها: أنه رشح بأن يكون خليل الله، وأن يكون بانياً لقواعد البيت، الذي يعد ظاهره من الحجارة، ولكنه حقيقة يوازي البيت المعمور، وهو في امتداد مع العرش.. فالذين يطوفون حول البيت، عليهم أن يستحضروا هذه الحقيقة: بأنهم يطوفون حول حقيقة التوحيد، إذ أن الطواف حركة رمزية لا يراد منها الحركة العادية، وإنما يراد منها الدلالات التي هي ما وراء هذا الطواف الظاهري.

٢- إن رب العالمين عندما أراد أن يبني بيته المحرم -الذي لا يتم إسلام المرء إذا كان مستطيعاً إلا بشد الرحال إلى البيت الحرام- خول هذه المزية لنبيه إبراهيم (ع)، ويا له من توفيق!.. أن يكون هو الباني وإسماعيل -ذبيحه- هو المعين له على بناء الكعبة!..

٣- إن الذي يجعل إبراهيم متميزاً في هذه الحركة البنائية، أنها حركةٌ عمرانيةٌ من أرقى أبنية التاريخ، أضف إلى حالته الإبراهيمية من الانقطاع وهو يرفع القواعد، متوسلاً إلى الله -عز وجل- أن يتقبل منه هذا العمل، رغم أنه كان في حالة طاعة، حيث كان يبني في وادٍ غير ذي زرع.. {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

٤- إن التفويض الإبراهيمي في ذبح ولده، وتفويضه عندما ألقي في النار، حيث رفض طلب المعونة حتى من الملائكة، وأخيراً في جعل ذريته بوادٍ غير ذي زرع -مع أن الأنبياء أغير الناس، فكيف ترك زوجته في هذا المكان البعيد!..- فكل تلك الأمور كانت من موجبات ارتفاع مقام إبراهيم، وخلوده الذي نلاحظه في حياة هذه الأمة.

٥- إن إبراهيم (ع) برغم أنه بلغ ما بلغ من درجات الاصطفاء الإلهي، إلا أن الشيطان يبدو أنه لا ييأس حتى من الأنبياء، ويحاول أن يحرفهم عن المسيرة.. حيث كان يحاول أن يوسوس لإبراهيم، ولزوجته، وولده من أجل ثنيهم عن هذه المسيرة.. ولكن -مع الأسف- نقول: بأنا نرجم حصى الحجارة المنصوبة رمزاً للشيطان، من دون أن نتعلم هذه العملية في حركة الحياة بشكل دائم.. فالذي يرمي الشيطان بالحصيات المعهودة، عليه أن يتعلم عملية الرمي في كل محطات حياته؛ ليخرج منتصراً، كخروج إبراهيم منتصراً في صراعه مع فراعنة عصره.

٦- إن جوهر النبوات والرسالات: هو إيصال الإنسان إلى مرحلة التسليم المطلق بين يدي الله عز وجل، كما يقول تعالى عن لسان يوسف (ع): {أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.

٧- إن الإنسان المؤمن في تعامله مع الناس، عليه أن يستثمر البقية الباقية من موجبات إرشاد الناس وهدايتهم.. ومن هنا رب العالمين وصف إبراهيم: بأنه حليم أواه منيب، لأنه كان يحمل همّ هذه الأمة التي كانت تعاصره، حتى قوم لوط الذين علمنا مقدار ما هم فيه من الانحراف البليغ.

٨- إن الذي لا يعيش الرسالية -حتى لو كان في مقام خدمة الإسلام والمسلمين- فإنه سيقع في بعض المحاذير في هذا المجال.. ومن المعلوم أنه عندما تذكر الآفات لكل فئة، يذكر بأن الأمراء في معرض الوقوع في آفة الظلم، والعلماء في معرض الوقوع في آفة الحسد.. فإذن، ينبغي أن نكون إبراهيمين في حركتنا الحياتية، وأن نحمل هم الرسالة ومقارعة طواغيت العصر، ولا نبالي على يد أي من تحققت.

٩- إن من خصوصيات إبراهيم (ع) أنه كان يحمل همّ ذريته، حتى أنه عندما تمنى مقام الإمامة لذريته، جاءه النداء: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.. ولقد استفاد العلماء من هذه الآية: بأن خلافة الأئمة إنما هي عهد إلهي وليس بعهد بشري، ولا يمكن للظالم بأن يخول على رقاب الناس.. فإذن، إن إبراهيم كان يحمل هذا الهم، ورب العالمين استجاب دعوته، وجعل خاتم النبوات، وخاتم الأنبياء من نسله صلوات الله وسلامه عليه.

١٠- قد يكون مقصد إبراهيم (ع) عندما دعا بأن يجنبه الله وبنيه عبادة الأصنام: أن يشير إلى أصناف من الأصنام لا تدرك، بخلاف تلك التي تعبد من الحجر: كهبل، واللات، والعزى.. ومن مصاديق ذلك قول الإمام الجواد (ع): (من أصغى إلى ناطق فقد عبده؛ فإن كان الناطق عن الله، فقد عبد الله.. وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس، فقد عبد إبليس).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى