الأخلاق والتربية

الغضب في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن البعض يعيش حالة من العصبية العقائدية، ويظن أن التعصب لدينه ولفكرته، مما قد يروج الفكرة.. والحال أن هذا الأمر أمر خاطئ!..

٢- إن على الإنسان أن يعاهد الله على القضاء على منفذ واسع من منافذ الشيطان إلى الوجود، ألا وهو الغضب..
إن الحياة الزوجية لا تخلو من موجبات للتوتر.. ولكن الشعار الذي ينبغي أن يرفعه المؤمن دائماً في حال الغضب: أنه لا قرار، ولا قول، ولا عمل؛ في حال الغضب..

٣- إذا كان الإنسان فيه هذه الملكة -الحدة والغضب-، وإذا لم يمكنه الحلم، فإن عليه بالتحلم.. أي يحاول أن يكظم غيظه، وإن كان باطنه يغلي.. علما بأن الإنسان المؤمن باطنه لا يغلي، وإنما باطنه مطمئن بذكر الله -عز وجل- في أسوأ الظروف؛ ولكن إذا لم يمكنه أن يطفئ هذا الغيظ الباطني، فعلى الأقل لا يظهر هذا الغيظ على صفحات وجهه، وعلى تحركاته الظاهرية، لئلا يزداد حدة وغضباً..
إن معظم الغضب هو ردة فعل، لا للتأديب..

٤- إن الغضب قابل للتعويض، ولكن الانتقام غير قابل للتعويض..

٥- إن الإعراض والغضب سلاح نافع، ومن هنا جعل الهجران في المضاجع من وسائل التأديب عند صدور الحرام من الزوجة.. ولكن تكرار استعمال هذا السلاح -بمبرر وبغير مبرر- يفقده قيمته في ما لو استعمل في محله يوما ما!.. فالذي يكثر من الغضب، فإن غضبه لا يحمل قيمة رادعة، بل قد يوجب سخرية أو تمرد الطرف المقابل.. هذا ناهيك عن الضرب الذي هو أسلوب التعامل مع البهائم، قبل أن يكون مع البشر!.. إلا في الحدود التي أذن بها الشارع الحكيم..

٦- إن الإنسان حينما يغضب يكون قلبه مرتعاً للشيطان، ويكون وسيلة طيعة في يديه -عليه اللعنة- يحاول وبشتى الطرق أن يسلب الإنسان جوهر إيمانه من لبه؛ ليتمثل به، وليصبح شيطاناً أنسياً يسير على وجه هذه البسيطة.. لذا فإن أخذ المؤمن لبعض القرارات المصيرية في حال الغضب، قد تعرضه لكثير من البلاءات، والتي هو في غنى عنها ما التزم الحنكة والفطانة..

٧- إن كثيراً من الخصومات، وكثيراً من الغضب الذي نصبه على بني آدم -وخاصة على المستضعفين، من الرجال والنساء والأولاد- منشؤه التنفيس، والانتقام، التكلم بما في القلب.. ألا تريد الإصلاح؟.. فإذا كنت تريد الإصلاح، فليس هذا هو السبيل!.. أنت تعلم أنك في حال الخصومة والغضب، تفسد أكثر مما تصلح، وأنك تسيء للفكرة؟!.. ففكرتك جيدة، وكلامك حق، ولكن أسلوبك في الكلام، يضيع الحق الذي كان لك!..

٨- ما قيمة أن ينقذ الإنسان غضبه على الزوجة المسكينة، أو هذه الخادمة البسيطة؟.. وهو بإمكانه أن يتجرع هذا الغيظ، ليعيش حلاوة الإيمان بعد ذلك، وليرفع عن ظهره جبالاً من الذنوب!.. ولا يستبعد أن رب العالمين عندما يطلع على هذا العبد، الذي ابتلي بإثارة في الشهوة أو الغضب، وصبر على ذلك؛ أن يباهي به ملائكته.. فيا لها من مزية!..

٩- إن الذي يغضب لكل صغيرة وكبيرة -لملح الطعام وغيره- هذا الإنسان لو غضب في أهم الأمور، لا يعتنى بغضبه: لا بنهيه عن منكر، ولا بأمره بمعروف؛ لأنه يغضب لكل ما هب ودب.

١٠- إن من الآفات الكبرى للخشونة في التعامل: هو أن صاحبها يفقد السيطرة على مراكز القرار في فكره، فيصبح ألعوبة بيد الشيطان، يقلبه كالكرة كيفما شاء، وهو ما نشاهده بالوجدان.. وقد سأل نبي الله نوح (ع) عن الحالة التي يكون فيها إبليس أقدر ما يكون على ابن آدم، فكان جواب إبليس وهو الخبير بعمله: عند الغضب!..

١١- إن الإنسان المتوتر في مواجهة الآخرين، لا يمكنه أن يأتي بحجة مقنعة للطرف الآخر، وإن كان الحق معه، وفي ذلك تفويت لأهدافه المشروعة في الحياة.. ومن هنا يفقد تأثيره على الوسط الذي يعيش فيه، فلا يقدر على دفع المنكر في بيئته.. وقد علق علي (ع) على هذه الحالة تعليقا جميلا عندما قال: (شدة الغضب تغير المنطق، وتقطع مادة الحجة، وتفرق الفهم).

١٢- إن الكثيرين من الطموحين للوصول إلى درجات القرب المتخصصة، يودون الاطلاع على ملكوت السموات والأرض -كما أراها الله عز وجل لخليله إبراهيم (ع)- وهو من قبيل السهل الممتـنع.. والطريق إلى ذلك قد كشف عنه النبي (ص)، إذ يتمثل بمراقبة واردات القلب، حينما قال: (لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم، لنظروا إلى ملكوت السموات والأرض).. ولا شك أن من آثار هذا الجولان الخطير حول القلب: هو الخروج عن حالة الاتزان والاعتدال عند الغضب، وهو ما حذر منه أمير المؤمنين (ع) في ساعة وفاته.. فهل نحن متعظون؟!..

١٣- إن الكثير هذه الأيام يشتكي من مشكلة “غلبة الحدة والانفعال في مواجهة الآخرين” حتى أننا نرى مثل هذه العلاقة بين من لا نتوقع منهم ذلك كـ: حدة الأولاد على الوالدين، وكذلك الحدة بين الزوجين حديثي العهد بالاقتران.. ومن المؤسف أن نجد أن هذه الحالة تدمر الكيان الأسري، رغم أن مناشئها في كثير من الحالات لا تتعدى الأمور التافهة في الحياة.. وهذا تحذيرنا دائما للمتعاشرين: احذروا الغضب الأول؛ فإنه يريق ماء الوجه، والجرة المجبورة بعد الكسر لا تقاس بالجرة السليمة.

١٤- إن البعض قد يرتاح في أن يصب جام غضبه على أشخاص معينة، فليحاول أن يلتفت إلى نفسه من هذه الناحية، وليلقنها: بأن هؤلاء عباد الله، وينبغي تجنب أذيتهم.

١٥- إن البعض قد يكون بشكل عام هادئاً، إلا أن له بعض الساعات المعينة يكون فيها ضيق المزاج، مثل: ساعات بعد العمل، أو الاستيقاظ من النوم.. وهنا عليه أن يعمل جرداً لهذه الساعات، ويحاول أن يجنب نفسه عدم الوقوع، فيما لا يرضي الله عز وجل.

١٦- إن الغضب مثله كالشهوات في تأجيج موجبات الفساد والإفساد، وهو حالة من حالات تفاقم الإنية، وبروز النفس بهيئة فرعونية أو نمرودية؛ مما يجر الإنسان إلى أن يتجاوز الحدود الشرعية.. وقد ورد عن النبي الأكرم (ص): (أفضل الجهاد، من أصبح لا يهم بظلم أحد)!.. فالذي لم ينوِ أن يظلم أحداً؛ من الطبيعي أن لا يغضب؛ لأن الغضب مقدمة لظلم الآخرين.. فإذا هو نفى المقدمة، فإن الموجب أيضاً ينتفي.

١٧- يجب الابتعاد عن المشوشات الباطنية قدر الإمكان، إذ أن الملاحظ- مع الأسف- هو الانشغال بالنزاعات السخيفة، أو الأمور الجانبية.. والحال بأنه ينبغي أن يتناسب الجدال أو الخصومة مع حجم المشكلة.. ثم إن الإنسان الذي لا يمتلك نفسه ساعة الغضب، من الممكن أن ينزلق مزالق كبرى، لا يمكن تدراكها.. إذ أن الذي لا يمتلك غضبه، كمن لا يمتلك شهوته.. فعليه، وبتعبير عسكري: لابد من استخراج فتيل الانفجار من كل لغم، يمكن أن يكون!..

١٨- عندما يريد الإنسان أن يغضب، عليه أن يقوم بعملية تحليل: هذا الغضب لمن: لنفسه، أو لله عز وجل؟.. وإذا أراد أن يغضب، فليكن غضبه بمقدار المعصية.. حيث أن هنالك مخالفة على مستوى المكروه، وهنالك مخالفة على مستوى الصغيرة، وهنالك مخالفة على مستوى الكبيرة.. ولكل واحد مواجهته: فلا يواجه فاعل المكروه، كما يواجه فاعل الحرام الكبير أو الصغير.. حيث أن بعض الأمور قد يراها الإنسان من المنكر، وهو ليس من المنكر في شيء.. وإنما هو خلاف المزاج، وخلاف العرف، وخلاف المتوقع.. فإذن، يجب أن نميز درجة المنكر، والموقف الذي ينبغي أن يؤخذ في هذا المجال.

١٩- لو قضينا على عنصر الغضب، فقد سددنا باباً واسعاًً من أبواب إبليس؛ لأن الإنسان إذا غضب، يلعب به إبليس كما يلعب الصبيان بالكرة، وعندها يفقد الإنسان سيطرته على وجوده.

٢٠- إن الإنسان إذا استولت عليه شهوة الغضب، وشهوة الجنس، فإنه يقوم بما لا يقوم به حتى الكافر.. إحذروا هذه الحالة الخطيرة!.. فإن صاحب الغضب لو كان بطلاً، فهو بطل نائم.. وما أسهل القضاء على الإنسان النائم، والمغمى عليه!..

٢١- إن هنالك بعض الإبتلاءات خاصة بالمنحرفين والفاسقين، كالشهوات المحرمة.. في حين أننا نجد أن المؤمن يصل إلى درجة من الدرجات، لا يجد في حياته موضع قدم للشيطان في مجال الشهوة المحرمة.. ولكن الشيطان إن يأس من إيقاع الإنسان في الشهوة المحرمة، فإن له سبيلاً آخر.. وذلك السبيل هو عبارة عن إمضاء الغضب، والإبتلاء بما يُقال في عُرف الناس: بالعصبية، أو بالمزاج المتكدر، وبالخشونة في القول.

٢٢- يجب عدم اتخاذ أي قرار عند الغضب، الإنسان يعطل كل حواسه: أي لا يتكلم بأي كلام، ولا يتخذ أي قرار؛ فضلاً عن الحركة البدنية الفيزيائية، من مدِّ يدٍ أو صُراخٍ أو ما شابه ذلك.. لأنه في حال الغضب، فإن زمام أمورهِ تكون إما بيد الشيطان، أو بيد النفس الأمارة بالسوء، ذلك الوجود الذي لا عقل فيه!.. ولهذا فإن أغلب الناس المؤمنين عندما تهدأ ثورة غضبهم، فإن أول خطوة يقومون بها هي الاعتذار ممن غضبوا عليهم.

٢٣- الإنسان الذي يغضب لابد وأن هنالك شيئاً لم يعجبه في زوجته، أو في ولده، أو في شريكه.. فبدلاً من أخذ موقف فُجائي غير مدروس، واختصار الموضوع بكلمة نابية، أو بصراخ، أو بما شابه ذلك؛ فليحاول أن يدرس جذور القضية.. فالإنسان عندما يغضب يكون هدفه من ذلك، ليس عبارة عن تسجيل موقف، بل المقصود هو تغيير الواقع.. فإذا كان هذا هو الهدف حقيقة، فعليه الذهاب للجذور.

٢٤- إن من الأمور التي يبتلى بها المؤمن في حياته العملية، مسألة الغضب.. فالإنسان لا يخلو من مثير أمامه، فهو يغضب من أي شيء يراه أو يسمعه لا يرضيه.. ومن الطبيعي أن الإنسان لا يرضى عن كثير من الأقوال، وكثير من الأفعال.. ولكن الحل لا يكمن في عدم إثارة ما يوجب الغضب، فكل إنسان له طريقته في الحياة، وله رأيه.. ولا يمكن أن نجعل الناس كلهم في اختيارنا، وتحت أمرنا.. فرب العالمين على عظمته، الناس لا يسمعون كلامه؛ فكيف ببني آدم؟!.. وعليه، فلا بد من التأقلم.

٢٥- إن الإنسان عندما يكظم غيظه، فإن رب العالمين يعطيه مكافأة سريعة، فيجد حلاوة الإيمان في قلبه.. يقول تعالى في كتابه الكريم: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.. ولهذا الذي لا يغضب فيعفو؛ هذا ليس فخراً.. إنما الفخر عندما يكون هناك شعلة مشتعلة في الباطن، ولكن لا يبدي ذلك، ويكظم غيظه!.. فكيف إذا كظم غيظه، وأحسن إلى الطرف الآخر؟.. هذا العمل هو قمة الخلق للإنسان المؤمن!..

٢٦- إن الإنسان عندما يغضب، عليه أن يُدخل هذا الغضب في المختبر: فإن كان إلهياً؛ يغضب بالطريقة التي يرضى عنها الله عز وجل.. وإن كان شيطانياً؛ يكظم غيظه.. فإن فعل ذلك يُعطى جائزة وهي حلاوة الإيمان في قلبه، والجائزة الأخرى: أن الله -عز وجل- لا يحلل عليه غضبه.. من منا لم يرتكب الأخطاء تجاه ربه؟.. فمن كظم غيظه؛ رب العالمين أيضاً يعامله بالمثل؛ فيعفو عنه.

٢٧- من الممكن أن نشبه حالة الإنسان عند الغضب، بمثابة حوض مائي فيه ماء زلال بحسب الظاهر، بينما هنالك ترسبات كثيرة في باطنه، وهذه الترسبات تظهر وتطفو على السطح حينما يلعب بها طفل.. والشيطان كذلك همّه كشف المستور عند الإنسان، ومن منا يخلو من هذا الكدر الباطني، (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، ما خلا المعصومين (ع).. فمن الطبيعي أن يحاول الشيطان بين فترة وأخرى، إثارة هذه الترسبات الباطنية.

٢٨- إن من موجبات ردع الإنسان العصبي، وجعله يحتقر ما هو فيه، التزام الطرف المقابل بالصمت، وعدم الدخول معه في الجدال.. فهذا يجعله يحترق في داخله من ناحية، ومن ناحية أخرى حتى لا يجد الشيطان منفذاً سريعاً بينهما وتتعقد الأمور.. قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى