الابتلاءات

انواع الابتلاءات في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن الإنسان الذي عندما تأتيه بلية، ويتمنى في قرارة نفسه أنه لو لم تأته هذه البلية المقدرة منه سبحانه.. فكأنه يقول لربه -سواء اعترف بذلك، أم لم يعترف-: يارب!.. لو لم تفعل، لكان أفضل، وأحكم.. وهذا هو معنى عدم التنزيه، وعدم التسبيح الحقيقي..

٢- إن سياسة رب العالمين، أن يأتي بأصعب الامتحانات في أسوء الأوقات من حيث الغفلة.. في ساعة يكون فيها الإنسان بين النوم واليقظة، تأتي ورقة الامتحان بأسئلة رياضية دقيقة!..

٣- إن بعض الناس مثله كمثل الطفل الرضيع تماماً!.. فمادام يرتضع من ثدي المتع المادية، أو مشغول بدراسته، أو مشغول بسياحته مع أصدقائه؛ فإنه يعيش حالة جيدة، وتراه إنساناً طبيعياً.. وبمجرد أن تنقطع عنه هذه المشغلات، فإنه يميل إلى الحدة في المزاج!.. وهنا امتحان الإنسان!..

٤- إن على المؤمن أن يحذر الغضب الإلهي!.. إذ من الممكن في أي ساعةٍ من الساعات، أن يُحل عليه هذا الغضب..

٥- إن الغضب الإلهي كسحابة العذاب بين السماء والأرض، هذه السحابة لا تنزل، ولكن عندما يصل العبد إلى مرحلة من المراحل، فإن رب العالمين يقول لهذه السحابة من الغضب: انزلي على العبد.. حل الغضب؛ أي أن الغضب متوقف.. فعصيت وعصيت وعصيت، ولكن الله -عز وجل- كما يقول الصادق (ع) في دعاء يوم الجمعة: (وأطلت الإمهال، وأخرت، وأنت مستطيع بالمعاجلة.. وتأنيت، وأنت ملئ بالمبادرة.. ولم تكن أناتك عجزا، ولا إمهالك وهنا، ولا إمساكك غفلة، ولا انتظارك مداراة.. بل لتكون حجتك أبلغ، وكرمك أكمل، وإحسانك أوفى، ونعمتك أتم…).

٦- إن من السنن الإلهية في عالم الأبدان هو: الابتلاء بالأمراض والعاهات، عند من لا يتقن رعاية دابة الروح وهو (البدن).. وعليه، فما يحل بالعبد من الأمراض لا يؤجر عليه، إذا كان هو المسبب لذلك.. فالذي لا يراعي القواعد الطبية والحمية الغذائية، يعرّض نفسه للآفة.. وبالتالي، سيفوّت عليه الكثير من الطاعات، التي تحتاج إلى سلامة البدن.

٧- إن الخطوة الأولى أمام البلاء، هي أن ننظر هل أن هذا البلاء بلاء مقدر، أو بلاء مكتسب؟.. أي هذا قضاء وقدر، أم أن هذه نتيجة وهذا جزاء؟.. وهذا يحتاج إلى قدرة تعقلية كبرى، فالدين هو دين التعقل، (تفكر ساعة، خير من عبادة سبعين سنة)، لأن الإنسان إذا قوى في نفسه الجانب التعقلي والتحليلي، بإمكانه أن يصلح مسيرته في الحياة مع نفسه ومع ربه.

٨- إن البلاء إذا كان على شكل بلاء مادي، فالأمر هين؛ ولكن المصيبة أن يكون البلاء في الدين، ألا نقول في الدعاء: (اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا)!.. والمراد بالدين ليس فقط المصائب المتعلقة بالآخرة.. إن من لم يخشع قلبه ليلة القدر، وأصيب بقسوة القلب؛ فهذه من أسوأ العقوبات!..

٩- إن الله -عز وجل- يداوي عباده بالمحن والمصائب، ليطهرهم من الذنوب والمعاصي.. فالذي تاب إلى الله -عز وجل- ثم بدرت منه هفوة؛ فإن الله -عز وجل- يمحصه في الدنيا قبل الآخرة..

١٠- إن الكثيرين يشتكون من جفاف الدمع، والكثيرين يشتكون من عدم الخشوع في الصلاة: يأتي موسم محرم لا تذرف له دمعة على سيد الشهداء، ويذهب للحج عشرين شهرا لا يخشع في موقف من مواقف الحج.. هذا مرض وفقر ما دونهُ فقر!..

١١- إن الإنسان في عالم البرزخ والقيامة له مشاكل كثيرة: الخلوة، والوحشة، والمدّاقة في الحساب.. فمن الممكن في مسألة بسيطة، أن يوقفوا الإنسان عليها سنوات طويلة، وكل سؤال يبقى عليه عشرة أو عشرين سنة.. عندئذ ما الذي ستعيشه النفس من العذاب في عالم البرزخ، حتى لو خرج منها منتصراً!..

١٢- إن تحقيقا لذات، أو التلذذ، والارتياح الروحي، أو التخلص من مشاكل الحياة؛ لا ينبغي أن يكون هدفا للإنسان السائر إلى الله عزّ وجلّ.. لأن هذا من مصاديق الشرك الخفي، ولهذا ربُّ العزة والجلال يؤخر بعض المنح المعنوية، وبعض الكرامات، لأجل أن لا يكون العبد مشركاً في حركته إلى الله سبحانه وتعالى.

١٣- إن من الاصطلاحات التي نسمعها في التراث القرآني، والتراث الروائي مسألة الاستدراج “الاستدراج بالنعم”.. فالبعض يظن بأن توالي النعم عليه، من نعم الله عز وجل، التي يراد بها إكرام العبد.. والحال هو أنه لا تلازم بين وفور النعم، وبين كون العبد من المقرّبين إلى الله سبحانه وتعالى.. فالإنسان المؤمن إذا استغل النعم المتاحة لديه، فيما يقربه إلى الله عز وجل، فإن هذه من النعم المحمودة، والتي لا توصف بأنها نعم استدراجية.. ولكن المشكلة في ذلك الصنف من النعم، الذي يكون أداة لاسترخاء العبد، واستغلال تلك النعم فيما لا يرضي رب العالمين.. فهذا نوع من المكر الإلهي للعبد.

١٤- إن أصل الابتلاء مسلّم، حيث أنه يكون بشيء من الخوف، والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات.. ولكن درجات الابتلاء تختلف: قد يكون الابتلاء بالنفس، أو بالمال، أو بأي شيء آخر؛ الأمر إلى الله عز وجل.. وعلى الإنسان ألا يعتقد بأنه سيعيش الراحة المطلقة في هذه الدنيا.. فالناس يطلبون الراحة في الدنيا، وقد خلقها الله عز وجل للآخرة.. وعليه، فإن على الإنسان أن يكون مستعداً في كل وقت، لتحمل البلاء الإلهي.

١٥- إن الإنسان في بعض الأوقات قد تكون المصيبة في بدنه، فيزداد قرباً إلى الله عز وجل.. وقد تكون في ماله وفي وظيفته، فيزداد التجاء والتصاقاً بعالم الغيب.. فكيف إذا أصيب رأس مال الإنسان؟!.. أي إذا أصيب أصل الوجود بآفة في هذا المجال، وأصبحت المصيبة في دين الإنسان (اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا!.. ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا)!.. فعندئذ على الإنسان أن يطلب من الله -عز وجل- العافية في الدرجة الأولى: في أن لا تتسلط الشياطين على عقله، ودينه، ومنهجه الإعتقادي في هذه الحياة.. وأيضاً يطلب من الله العافية في كل الأمور، لأن حقيقة النفس غير الكاملة، من الممكن أن تزيغ، وأن تنحرف عن الطريق، عندما يبتلى بشيء من النقص في شيء من هذه المجالات، كما هو مجرب.

١٦- إن السنة الإلهية سنةٌ لا تنخرم، ومنها البلايا والمحن.. والله -سبحانه وتعالى- أسلوبه مع الخلق، أن يبتليهم بأنواع المصائب والمصاعب.. والسرّ في ذلك: أنّ طبيعة الإنسان إذا ترك وشأنه، يميل ويخلد إلى الحياة الدنيا، وبطبعه يميل إلى التلذذ والاستمتاع.. وأما في حال البلاء، فإنه يعيش حالة شعورية عالية.. وهذه قضية وجدانية.

١٧- إن الإنسان المؤمن يدعو دائماً: بأن لا يجعل مصيبته في الدين.. فالمؤمن قد يتحمل بعض أنواع البلاء، ما دامت لا تمسّ الجوهر والروح والقلب.. ولكن إذا تحول الأمر إلى قساوة في القلب، وإعراض مستمر عن الله عزّ وجلّ؛ فإنه عندئذ يتمنى الموت..

١٨- إن الدرس العملي من آية الإمامة: أن من يريد الوصول إلى درجات القرب العالية، كـ(خلة الرحمن، وما يقرب منها من الدرجات)؛ فإن عليه أن يعد نفسه للاختبارات الإلهية الكاشفة عن جوهره.. (كل الناس هلكى؛ إلا العالمون.. وكل العالمون هلكى؛ إلا العاملون.. وكل العاملون هلكى؛ إلا المخلصون.. والمخلصون على خطر عظيم)!..

١٩- إن أهل الدنيا كثيراً ما يصابون بالانتكاسات؛ لأن مطالبهم كثيرة.. ومهما حاول الإنسان؛ فإنه لا يحقق نصف مآربه.. ودائماً يعيش عملية الإخفاق، فحاله كما يقول الشاعر: ما كل ما يتمناه المرء يدركه *** تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

٢٠- إن البلاء من سنن الله -تعالى- في عباده المؤمنين، ولو كان هناك لطف في الإعفاء من البلاء؛ فإن الأنبياء كانوا أولى بهذا اللطف.. إذ من الواضح أن البلاء من موجبات الانقطاع إلى الله تعالى، وعدم التثاقل إلى الأرض.. وقد ورد: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل).

٢١- إن لله -تعالى- أنواعا من البلاء، منها: عقوبات في الأبدان، وعقوبات في الأموال، وعقوبات في الأنفس .. وما ضرب الله -تعالى- عبدا بعقوبة أشد من قساوة القلب!.. إذ كيف يرى الإنسان وجه السعادة، وهو يعيش علاقة متوترة مع واهب السعادة، الذي بيده كل أسباب السعادة في الدنيا والآخرة؟!..

٢٢- إن البلاء على قسمين: فمنه بلاء انتقامي وآخر تربوي.. وعلامة الأول أنه يأتي بعد مخالفة العبد لرب العالمين، وخاصة مع الإصرار على الخطيئة، فإن الله -تعالى- يمهل ولا يهمل.. وأما البلاء التربوي: فهو ذلك البلاء الذي يحل بالعبد، من دون أن يكون مقصرا في واجب دنيوي أو أخروي.. وكم من الجميل أن يمر العبد بمرحلة قصيرة من العناء، تعقبها سعادة دائمة!.. وكم من القبيح أيضا أن يبتلي المولى -جل وعلا- عبده، بما لا يوجب له رفع درجة في الدنيا، ولا في الآخرة!..

٢٣- إن من البلاءات الكبرى في الحياة: هو أن يصاب الإنسان في دينه، بمعنى تخلل الشك في أصول عقيدته، ليتحول بالتدريج إلى رفض لها، وهي قمة الخذلان وسوء العاقبة في حياته!.. ومن المعروف أن تراكم الذنوب الكبيرة، مما يوجب هذه العاقبة الوخيمة، وقد يستفاد ذلك من قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون}.

٢٤- إن من أعظم الأفراد ابتلاء في هذا العصر، هو الحامل لهمّ هذه الأمة طوال العصور المتمادية.. فكم رأى طوال التاريخ من المجازر في أتباع أمة جده المصطفى (ص)!.. وكم يرى اليوم من صور الخذلان والضعف لدى المسلمين بما لا نظير له!.. أضف إلى حمله لهموم أهل البلاء من محبيه، والمنتظرين لدولته.. أليست هذه الأمور كافية، لأن يكون قلب الإمام (ع) مجمعا لكل الهموم والغموم؟.. فهنيئا لمن خفف عنه، ولو بدعوة ملحة بين يدي ربه في خلوة من جوف الليل البهيم!..

٢٥- إن من موجبات توسعة أفق النفس، والتي تستتبع بدورها قدرة مضاعفة للصمود أمام مختلف التقلبات: الاعتقاد بأبدية الحياة الإنسانية.. فإن البلاء المحدود في أيام محدودة، له من التعويض ما يتمنى العبد معه يوم القيامة، أن لو كان البلاء غير مرتحل عنه، بل يتمنى -كما في الروايات- أنه لم تستجب له دعوة واحدة.. وهاهم الناس في الحياة الدنيا، يتحملون كثيرا من الآلام العاجلة، طلبا لثمار لذيذة آجلة!..

٢٦- إن البعض يبتلى بالإحباط في العلاقة مع ربه، بمجرد ارتكاب ذنب، أو كان كبيرة من الكبائر.. فيرى إحساسا بالبعد الباطني عن مولاه إلى درجة، يحس بأن علاقته معه قد انهارت، ولا مجال لإعادة الصلة معه، فيقيس ربه الرحيم بغيره من الذين يقفون موقفا مع كل زلة.. والحال أن رأفة الخالق بمخلوقه، لا تحيط بها عقولنا، ويكفي لإثبات ذلك سعة تلك الرحمة إلى درجة يطمع فيها إبليس المطرود من رحمة ربه!.. فمن الممكن أن يعيش الإنسان حالة الإدبار للتقصير في حق مولاه، ولكن ذلك لا يعني السقوط القاتل، ليقول بوحي من الشيطان: أنا الغريق فما خوفي من البلل؟..

٢٧- إن استشعار أزمة هذه الأمة، من فقدان الحجة الظاهرة، والحبل المتصل بين الأرض والسماء.. حيث فقد النبي (ص)، وغيبة الوصي؛ من موجبات الشعور بالغربة، ودافع للدعاء بتعجيل الفرج، كما نقرأ في دعاء الافتتاح: (اللهم!.. إنا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة ولينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وتظاهر الزمان علينا).

٢٨- إن البعض يعيش حالة الذكر والغفلة.. والعصاة يعيشون حالة الطاعة والمعصية.. وهنالك فرق بين البلاء الذي يأتي بعد معصية، وبين البلاء الذي يأتي بعد الطاعة!..

٢٩- إن الفتن على ثلاثة أقسام: الفتنة الأولى: الفتنة العقائدية، الفتنة الثانية: الفتنة الحُكمية، والفتنة الثالثة: الفتنة الموضوعية.

٣٠- الفتنة العقائدية: هي أن يعيش الإنسان حالة من الترجرج والزئبقية في فهم العقيدة الصحيحة: ما هو الحق في مجال التوحيد، وفي مجال العدل، وفي مجال الإمامة، وفي مجال المعاد، وفي مجال فهم جزئيات الشريعة؟..

٣١- إن الإنسان في هذا العصر إلى سنوات وإلى قرون، هو في عصر التشكيك العقائدي؛ لأنه زمن الحروب المباشرة.. قد لا يكون هذا الزمن زمن الحروب الكبرى؛ لأن الحروب الكبرى يصل رمادها إلى عيون الجميع.. والأفضل الاستعاضة عن ذلك بالغزو الثقافي والغزو الفكري.. وهنالك دلال في الوسط، الدلال الذي يجعل الشبهة تنتقل إلى القلب.. فالوسائل المضللة، والوسائل التي توجب الانحراف الفكري، والشبهة، والشهوة؛ تدخل القلب، فيصبح دلالاً لورود الشبهة إلى العقل.

٣٢- إن علياً (ع) جعل النفس مصباً للحديث يقول: (ورضي بالذل، من كشف عن ضره).. قد ترى إنساناً -حسب الظاهر- مرتاحاً ومستقراً، ولكن عندما تدخل في عمق حياته، تراه متورطاً في مصيبة من المصائب: إما في ماله، وإما في بدنه، وإما في أهله، وإما في ولده، وإما في والديه، وإما في وسوسته.. وقد تكون جميع أمور الحياة متسعة له، ولكنه يصاب -مثلاً- بالوسواس القهري، فيعيش عالم الخيال والوهم.. إن بناء رب العالمين، ألا يرخي الحبل لعباده، وإلا طغوا في الأرض {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}.

٣٣- إن البلاءات تارة تكون قضاء وقدراً بحتاً، والإنسان ليس له فيه أي دور.. ولكن بعض أنواع البلاء، هو انعكاس لعمل الإنسان، مثلاً: إنسان يبتلى بالإفلاس، لأنه طمع في مال الدنيا، ووسع في رقعة تجارته زيادة عن القدر المتعارف، فاضطر لأن يأخذ قروضاً ربوية.. هذا الشعار يجب أن يكتبه المؤمنون على صدورهم الباطنية، إنه شعار جميل، متخذ من نصوص أهل البيت (ع): (ما قل وكفى، خير مما كثر وألهى)!..

٣٤- إن الفقر تارة يكتبه رب العالمين للعبد كتابة، لأنه إذا زاد عن الكفاف، بعض الأوقات الثروة تغري الإنسان وتغويه: {كَلاَّ إِنَّ اشلإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}؛ أي إذا توهم الغنى يطغى، فكيف إذا تحقق الغنى بالفعل؟!..

٣٥- إن من الاصطلاحات التي نسمعها في التراث القرآني، والتراث الروائي مسألة الاستدراج “الاستدراج بالنعم”.. فالبعض يظن بأن توالي النعم عليه، من نعم الله عز وجل، التي يراد بها إكرام العبد.. والحال هو أنه لا تلازم بين وفور النعم، وبين كون العبد من المقرّبين إلى الله سبحانه وتعالى.. فالإنسان المؤمن إذا استغل النعم المتاحة لديه، فيما يقربه إلى الله عز وجل، فإن هذه من النعم المحمودة، والتي لا توصف بأنها نعم استدراجية.. ولكن المشكلة في ذلك الصنف من النعم، الذي يكون أداة لاسترخاء العبد، واستغلال تلك النعم فيما لا يرضي رب العالمين.. فهذا نوع من المكر الإلهي للعبد.

٣٦- إن الإنسان في بعض الأوقات قد تكون المصيبة في بدنه، فيزداد قرباً إلى الله عز وجل.. وقد تكون في ماله وفي وظيفته، فيزداد التجاء والتصاقاً بعالم الغيب.. فكيف إذا أصيب رأس مال الإنسان؟!.. أي إذا أصيب أصل الوجود بآفة في هذا المجال، وأصبحت المصيبة في دين الإنسان (اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا!.. ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا)!.. فعندئذ على الإنسان أن يطلب من الله -عز وجل- العافية في الدرجة الأولى: في أن لا تتسلط الشياطين على عقله، ودينه، ومنهجه الإعتقادي في هذه الحياة.. وأيضاً يطلب من الله العافية في كل الأمور، لأن حقيقة النفس غير الكاملة، من الممكن أن تزيغ، وأن تنحرف عن الطريق، عندما يبتلى بشيء من النقص في شيء من هذه المجالات، كما هو مجرب.

٣٧- إن البعض قد يشتكي من ضيق الرزق.. وضيق الرزق نوعان: ضيقٌ مقدّرٌ، وضيقٌ قد يكون الإنسان مقصّراً فيه.. فإذا كان الضيق من الله عز وجل، فهذا الضيق هو كمال النعمة، وكمال المصلحة.. ولكن الإنسان يخشى، أن يكون ضيق المعاش لتقصيرٍ منه.

٣٨- إن قسماًً من حوادث المستقبل وبلاءاته، تتحدد بالسلوك الفعلي، فالإنسان يخاف من الأمراض المستقبلية، كالضغط والسكري وما شابه ذلك، وهذا القسم بيده، فعليه أن يحافظ على صحته في أيام شبابه.. وعليه، فإن الخوف من الأمراض المستقبلية، يمكن أن يدفع بمراعاة الصحة فعلاً، والخوف من الفقر والعوز، ومد اليد إلى الآخرين في كبر السن.. وقد قال الإمام السجاد (ع): (إجعل أوسع أرزاقنا عند كبر سننا)!.. فمن نعم الله -عز وجل- على العبد أن يكون مستغنياً عند كبر السن، لا يحتاج إلى الغير ولا للأولاد.. وهذا أيضاً يتوقف على نشاط الإنسان في أيام شبابه.. وبالتالي، فإن الخوف من الفقر أيضاً يدفع بالسعي.

٣٩- إن هناك قسماً من المخاوف في يد الله عز وجل: كالزلازل، وموت الفجأة، وحوادث السير، وما شابه ذلك، والأمور غير المتوقعة، كل هذه الأمور أيضاً لا بد أن يحسب حسابها.. فلو ضممنا معادلتين صغرى وكبرى إلى بعضهما البعض، نخرج بنتيجة وهي: أن الذي يعيش هذه النتيجة في حياته فهو من أسعد الناس.. المقدمة الأولى من القرآن الكريم: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا}.. وهناك ضميمة لهذه الآية من الوجدان ومن الحياة المعاشة، ليست آية، ولكنه الواقع: ما كتبه الله لنا، فإن فيه صلاحنا.. فالمؤمن الذي أرضى ربه بالطاعة، إن رب العالمين يحبه، ولن يكتب له إلا ما فيه الصلاح.. فإذن هذه مقدمة وهذه مقدمة، فما النتيجة؟.. النتيجة الرياضية مع حذف الوسط: “قل لن يصيبنا إلا ما فيه صلاحنا”.. فالذي يعيش هذه الحقيقة، هل يعيش حالة من التبرم؟!..

٤٠- إنّ من سنن الله -تعالى- في عباده، هو الابتلاء في الأبدان والأموال والأنفس.. فمن ليست له القدرة على تحمل الصعاب برضاً وتسليم، فإنه سيعيش -شاء أم أبى- حالة السخط من قضاء الله وقدره، وهو كافٍ لشقاء العبد.. بل لا بد من ترقي العبد من مرحلة التسليم والرضا، إلى مرحلة المحبة لما اختاره المولى الحكيم.

٤١- إن البعض عندما يصاب بأقل مصيبة، وكأنه هو المتبلى الوحيد في هذا العالم.. المؤمن يصبر، كما صبر أنبياء أولي العزم، حيث أن كل الأنبياء تعرضوا لمحن بلاءات.. فمن عنده زوجة غير صالحة؛ فليتذكر نوحاً ولوطاً (ع).. وإذا كان يخشى من المرض، فليتذكر أيوب (ع).. ومن يخشى من اجتماع الناس عليه؛ فليتذكر الإمام الحسن المجتبى (ع).. فإذن، الذي يريد الجنة، لابد أن يصبر على الشدائد والمحن.

٤٢- إن بني آدم يرى رضا الله -عز وجل- والإكرام الإلهي، دائماً بالعطاء.. والحال بأن هذا غير معلوم!.. فالعطاء الإلهي؛ اختبار وامتحان للإنسان: فقد ينجح، وقد لا ينجح.. وهذا المال أمانة إلهية: قد يؤدي حقها، وقد لا يؤدي حقها.. إذن، المؤمن لا يفرح بمجرد أن يعطى المال، ويعتبره إكراماً.. فالإكرام ابتلاء، وهذا المال بلاء نزل عليه!..

٤٣- إن الذين يعيشون البلاء، أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى