الابتلاءات

الحزن والهم في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن من موجبات القضاء على الهموم، أو تقليل الهم؛ مراقبة روافد الفؤاد المختلفة..

٢- إن الإنسان عندما يبتلى بشيء من الهم والغم، قبل أن يفتح أسراره للغير، وقبل الشكوى إلى المخلوق، عليه أن يقدم شكواه إلى الله عز وجل {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.. يقدم هذه الشكوى في جوف الليل، في صلاة ليل خاشعة..

٣- إذا أردنا أن نعيش حياة وادعة وسعيدة وسليمة، لابد من القضاء على الهموم.. والقضاء على الهموم كليا، لا يكون إلا في الجنة؛ هنالك: لا حزن، ولا خوف، {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}.. في الجنة ليس هنالك من همّ، ولكن دار الدنيا: دار بالبلاء محفوفة، وبالمكاره موصوفة..

٤- إن همّ الآخرة، أشبه بهمّ سائق خرج من هذه البلدة، ليصل إلى بلدة أخرى، فضلّ وانحرف عن الطريق؛ عندها يعيش الهم والغم.. هذا الغم يدفع للسؤال عن الطريق، وللرجوع إلى الجادة..

٥- إن من لا يشتغل على قلبه، فليتحمل الهموم والغموم؛ لأنه باطن غير مهذب..

٦- إن الأمراض النفسية شائعة إلى درجة كبيرة هذه الأيام.. وهذه الأمراض -تقريبا- منشؤها الهموم والغموم.. والنفس الإنسانية لها قابلية وقدرة على التحمل، ولكن عندما يزداد الهم والغم عن معدل طبيعي معين بحسب الأعمار؛ تنعكس الآثار على الجهاز العصبي وعلى الأداء الوظيفي.. فالقلب يتأثر، وأجهزة الجسم كلها تتأثر.. حيث أن هناك علاقة وثيقة بين البدن والحالات النفسية..

٧- إن من الظواهر التي تنتاب المؤمنين من وقت لآخر، وحتى غير المؤمنين، ظاهرة الحزن الذي لا وجه له.. فالإنسان أحيانا يعيش حالة من حالات الضيق والاكتئاب والقلق، وهو يعلم سبب ذلك، وأحيانا لا يعلم له منشأ واضحا.

٨- إذا علم الإنسان منشأ الحزن، فليعالجه الحزن بإذهاب منشئه.. نحن بعض الأوقات نبقي المنشأ، ونعالج المعلول، فلا نرفع العلة من جذورها.

٩- نحن إذا دخل علينا الحزن، نذهب إلى الأماكن المسلية.. والحال بأن العلة موجودة، ويجب علاج العلة من جذورها، وذلك من خلال عمل جرد شامل لكل من يحيط بنا، وكل من أدخلنا عليه الحزن؛ نرفع عنه هذا الحزن.. فمن أفضل القربات إلى الله -عز وجل- إزالة الهم والغم من قلوب المؤمنين.

١٠- إن الله -عز وجل- يبتلي المؤمن ببلاءات: إما كفارة للسيئات، وإن لم يكن له سيئات، فرفع للدرجات.. ومن هذه البلاءات الحزن المفاجئ..

١١- إذا كان هناك سبب معلوم للهم، فإنه يعالج السبب.. وإن لم يكن له سبب معلوم، فهذا لطف إلهي؛ ومع ذلك احتياطا يستغفر الله عز وجل.. فالاستغفار والصلاة على النبي وآله، بكليهما يطير إلى دار السرور.

١٢- إن من أهم مناشئ الحزن، إدخال الحزن على الغير.. وخاصة إذا كان مؤمنا، وذا رحم، وقريبا، وذا حق على الإنسان.. بعض الأوقات إدخال الحزن لا يكون حراما، مثلا: رجل يقول لزوجته: أريد أن أتزوج امرأة أخرى.. هذا ليس حراما، ولكن لماذا يدخل عليها الحزن دون سبب؟.. وهنا من الممكن أن يدخل رب العالمين الحزن عليه كعقوبة دنيوية، بسبب هذا الحزن الذي دخل قلبها.

١٣- إن من أبرز مشاكل هذا العصر: فقدان الارتياح النفسي، وغلبة الهموم وقلة السرور.. ولهذا نلاحظ للهروب من هذه الحالة أن البعض منهم يذهب إلى بعض الأماكن، مثل المطاعم أو شاطئ البحر، أو -لا قدر الله- تراه يذهب إلى مكان محرم مثل الملاهي الليلية أو ما شابه؛ ليعيش حالة الارتخاء والسرور الكاذب.. وما هي إلا سويعات وتمضي، ثم يعود إلى همه وكآبته.

١٤- إن لكل منا في هذه الحياة نصيبا من همّ أو حزن أو بلاء، بعد أن يقطع المبتلى منا طريق الكرب والغم؛ ليشعر بالبؤس والانهزام.. رافعاً رايته البيضاء، معلناً الهزيمة والاستسلام، ناشراً أعلام التعاسة، جاراً أذيال الهزيمة، متقاعساً عن العمل، وإدارة الأمور بشكلها الصحيح، مخفقاً في جميع شؤون حياته.. ناسياً أن الإنسان لم يتوصل إلى ما وصل إليه اليوم، من تقدم ورقي وتطور، إلا بمجاهدته للهزيمة، وتصحيحه للخطأ.. فتاريخ الإنسانية على الدوام إن هو إلا تاريخ أخطاء الإنسانية، فإن كل فرد منا يعتبر مديرا لدائرة من الدوائر -ضاقت أو اتسعت- بدءا بنفسه وانتهاء بالمجتمع.. ولكل دائرة من تلك الدوائر، أزماتها المرحلية أو الدائمة.. ومن هنا لزم علينا أن نتعلم فن إدارة الأزمات؛ لئلا نهدم ما بنيناه -بسوء الإدارة- في يوم واحد.

١٥- لا خلاف في أن من موجبات الهم والغم الأكيد، غيبة الإمام صاحب العصر والزمان (عج)، وخصوصاً بأن كل ما يحدث على هذه الأرض من: مآسي، وظلم، وإسالة للدماء؛ يعود إلى غيبته (عج)، لأنه بظهوره -كما هو موعود- ستملأ الأرض قسطاً وعدلا، بعدما ملئت ظلماً وجورا.. ومن هنا نجد أن أئمتنا (ع) كانوا يعيشون حالة من الأسى والحزن الشديد على هذه الغيبة قبل أن يولد (ع).

١٦- إن عليا (ع) عاش في هذه الدنيا، وهو يعيش البلاء تلو البلاء، والمرارة تلو المرارة.. يتّضح ذلك من كلامه (ع): (فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى).. المؤمن له حزن خفي لا يفارقه، ولكن هذا الحزن ليس لهمّ المعيشة، ولا لكونه -مثلاً- باطلاً عاطلاً عن العمل، ولا لأنه أخفق في الوصول إلى امرأة يحبها، أو منصب يحبه.. المؤمن يعيش دائماً حالة حزن، هذا الحزن مربي، ما سمعنا أحد من أولياء الله -عز وجل- حزنه أدخله المستشفيات النفسية.. ولكن أهل الدنيا حزنهم يدخلهم المستشفيات، والبعض منهم قد ينتحر.. هذا حزن أهل الدنيا، عاقبته الانتحار؛ ولكن حزن المؤمن، حزن يربيه.

١٧- الهم المقدس: هو ذلك الهم الذي يرتبط بأبدية الإنسان.. فالإنسان خلق لهدف، والهدف هو العبودية.. والإنسان الذي يرى نفسه ليس على الجادة، يصيبه الهم والغم.

١٨- إن الهموم المقدسة غير مرتبطة بسلسلة الأعصاب؛ أي أن الإنسان الذي يحمل هم الآخرة، لا يصاب بالأمراض النفسية ولا الجسمية.. والإنسان الذي يحمل هم الدنيا، إنسان عصبي متوتر، يغضب لأتفه الأسباب.. بينما عندما يزداد همه الأخروي، يزداد هدوءاً وثباتاً، ويرى أن الكلمة هنا تنعكس في عرصات القيامة {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، هذا الإحساس يجعل الإنسان أكثر انضباطاً.. ولو كان هناك جهاز يقيس نبض الإنسان في ليلة القدر، فإنه سيكشف على أن نبض القلب في أفضل حالاته، رغم البكاء والصياح والصراخ وما شابه؛ أي أن الوضع النفسي في أفضل صوره.

١٩- إن الهموم على قسمين: هموم تثبيط، وهموم دافعة.

٢٠- القضاء على الهموم غير ممكن، إذ لابد من الهم؛ ولكن الهم نوعان: رسالي، وغير رسالي.

٢١- إن الهم الرسالي، يدفع الإنسان للأمام أولاً.. وثانياً ليس له أثر سلبي على السلسلة العصبية.

٢٢- إن الإنسان في حياته اليومية، يعيش تارة حالة الحزن، والضيق، والإكتئاب، وعدم الإستبشار.. فإنه في هذه الحالة قد يكون -والله العالم- أقربُ إلى النجاةِ.. لأن الإنسان الحزين الكئيب، الذي له همُّ في الدنيا أو في الآخرة -رزق مقبوض، أو ديون مُستَوعِبة، أو حالة مرضية وأوجاع وآلام- من الطبيعي أن هذا الإنسان لا يفرغ لبعض المنكرات.. إذ أنه من المعروف بأن أهل المنكر فيهم حالة من البطالة والفراغ والتفرّغ، حتى أنه يلاحظ بأن أهل المعاصي عندما يُبتلون بنكبة مالية أو بدنية، يخففون من المعاصي.. ولكن في بعض الأوقات، يعيش الإنسان حالة الإسترخاء، فتراه فرحاً يضحك مستبشراً.

٢٣- إن طبيعة بني آدم قائمة على الخوف من المستقبل، والإنسان له كم كبير من الأحزان على ما فاته في الماضي.. فإذا اجتمعت على الإنسان هموم الماضي، وقلق المستقبل، وكآبة الحاضر، هل تبقى له صحة نفسية؟!.. وهل يبقى له تركيز في هذه الحياة؟!..

٢٤- إن الإنسان يحب أن يكون مستبشراً فرحاً منبسطاً، فالحزن والكآبة عملية مخالفة للمزاج.. ومن هنا فإن رب العالمين يبتلي عبده المؤمن بمثل ذلك، أي بالهمّ والحزن.. فعليه قبل كل شيء، أن يبحث عن السبب، إذ لعله أوجب هماً لعبدٍ، أو لأمةٍ، أو لزوجةٍ، أو لولدٍ، فابتلاه رب العالمين في المقابل بذلك الهم، لكي يكون ذلك من الكفارات للذنوب.. وقد تكون السياسة الإلهية في أن يجعل بعض الأوقات العقوبة من جنس المعصية.. فالذي يعق والديه، قد يبتلى بعقوق الأولاد مثلاً.. والذي يتجاوز على أموال الآخرين، يبتلى بالفقر المادي.. والذي يسبب ضيقاً لأحد، قد يبتليه الله -سبحانه وتعالى- بالضيق أيضاً.

٢٥- إن الحزن الدنيوي، لا وجود له في حياة المؤمن، حتى في أحلك الظروف!..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى