أهل البيت

منزلة أهل البيت في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن شخصية علي -عليه السلام- شخصية كألوان قوس قزح، عند التحليل نرى الألوان المتباينة، وإلا فهو لونٌ واحدٌ: العبودية لله -عز وجل- في كل حركة من حركات حياته، نعرف هذه العبودية المطلقة من خلال سورة “هل أتى”..

٢- إن أكثر ورد يتداول في حياة الموالين هي هذه الصلوات: (إن الله وملائكته يصلون على النبي).. فرب العالمين في صلاةٍ مستمرة، يصلي على النبي في كل آن، وملائكته شغلهم أن يصلوا على النبي وآله، ثم يقول: أنتم أيضاً تأسوا بهم!.. إن صلوات الله غير صلوات الملائكة، وصلوات الملائكة غير صلواتنا، عندما يصلي الإنسان على النبي وآله، فهو يقول: يا الله، أريد منك هذه الليلة أو في هذه الساعة، أن ترفع من درجات النبي، صلّ عليه، وبارك فيه، وعلى آله..

٣- إن السفير لأي دولة، عندما تنمو قابلياته في تلك الدولة ويزداد نشاطه، وتزداد كفاءاته؛ فإن هذا مكسب للجهة التي أرسلته، ولا يقال: بأن هذا السفير ترقى على حساب وزير الخارجية -مثلاً-، وكلما علت رتبته، كلما كانت الجهة المرسلة أقوى.. ومن هنا البعض يظن أنه كلما ذكرنا كرامات أهل البيت (ع)، -المقصود بأهل البيت ما عدا النبي- كأن في ذلك نقصا لمقامات النبي الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم-.. والحال بأن هذا امتداد لهذا، وكلما قوي هذا الخط، قوي ذلك الخط الذي هو مصدر كل خير..

٤- إن أمير المؤمنين (ع) ليست بطولته في قلع باب خيبر مثلاً، وليست شجاعته في ليلة المبيت فحسب!.. فأمير المؤمنين (ع) أعلى صفاته أنه مظهر بشري، للصفات الإلهية!..

٥- إن رب العالمين هو الغني، الذي بيده مقاليد السماوات والأرض.. ورب العالمين الذي في مقعد الصدق، وفي جواره روح النبي المصطفى (ص)، وأرواح الأئمة من أهل بيته (ع).. فرب العالمين إذا كان لابد من النظر إلى شيء في هذا الوجود، فنظره إلى هذه الأرواح، وإلى هذه الأنوار اللامعة.. فهؤلاء حققوا هدف الوجود.. (وكل شريف في جنب شرفك حقير خاب) كما نقرأ في دعاء عيد الفطر!.. ليس هنالك شيء أمام الله -عز وجل- يستحق النظر في نفسه..

٦- إن من الخطأ بمكان، أن ننظر إلى منزلة النبي الأعظم من خلال مناقبه المثلى، لأجل التعظيم المجرد طلبا: للشفاعة، أو قضاء الحاجة -كما هو متعارف بين العامة- ناسين الهدف الذي من أجله بعث النبي الأكرم (ص)، ألا وهو تخليص البشرية من كل شوائب الشرك: جليّها وخفيّها.. ولا يتحقق ذلك إلا من خلال اتخاذ النبي (ص) أسوة وقدوة، لا بمعنى الوصول إلى نفس مدارج النبي من الكمال، وإنما التشبه به قدر الإمكان..

٧- إن الزهراء (ع) من نوادر التاريخ التي جمعت في شخصيتها -رغم قصر عمرها- جهات من الكمال متنوعة، من الصعب أن يحوز أحد على جهة من تلك الجهات من دون مجاهدة وتسديد.. ومن هنا اكتسبت ذلك الموقع المتميز من قلب المصطفى (ع)، حيث عبر عنها تعبيرا لم يعبر به عن أحد من الخلق، حينما قال: فداها أبوها!.. ومن قبل ذلك حازت على رتبة ربانية، يغبطها عليها جميع الخلق، عندما جعل الله تعالى رضاه مطابقا لرضى فاطمة (ع)، وهل هناك دليل على العصمة أعظم من ذلك؟!..

٨- وجب علينا تقوية علاقتنا بأئمتنا (ع)، بأن نعرف موقعهم في الأمة.. إذ أنهم أجمل ما خلق الله -تعالى- في الوجود، فهم: أعلام الهداية، ومصابيح الدجى؛ بهم تتبين السبل، وتتبدد الظلمات.. أوجب الله -تعالى- علينا محبتهم، ومن المعلوم أن المحبة لا تكون إلا بالمعرفة، وأن كليهما: أي المعرفة، والمحبة؛ يوجب الإتباع المطلق.. فالمحب لمن أحب مطيع.. ولكن نحن -مع الأسف- تستهوينا العلوم والمعارف في كل ما هب ودب.. فهل نحن على إلمام -ولو بشكل بسيط- بما هو متعلق بالقادة العظام، الذين ندعي محبتهم؟!..

٩- لا يختلف اثنان في مظلومية الحسن (ع)، فهو المظلوم في حياته وفي استشهاده، من قبل أعدائه ومن شيعته.. إن المعاناة التي تعرض لها الحسن (ع) تفوق معاناة الحسين (ع)؛ نظراً لتسلمه مقاليد الأمور، فهو كان خليفة معترفاً به من الجميع، ومع ذلك واجه ما واجه من التجاوزات والخذلان من المقربين وغيرهم، وكابد مرارة الصبر على هذه المكاره السنوات الطوال.. في حين أن الحسين (ع) كانت مأساته الحقيقية في كربلاء، وإن كان ما تعرض له (ع) كيفاً أعظم من أخيه الحسن (ع)..

١٠- إن المؤمن -أحياناً- يأخذ حقه، ببعض صور التظلم.. بينما أمير المؤمنين وأولاده المعصومون (ع)، كسبوا هذا الذكر الجميل الخالد إلى يوم القيامة؛ لأنهم ظهروا بمظهر المظلومية بين الخلق؛ لأنهم بينوا ظلامتهم للعالمين.. ومن هنا تغلغلوا في النفوس التي تستحق أن تكون محبة لهذه الذوات المقدسة.

١١- إن الذي يكثر من أكل الملح، كلما غط في النوم، فإنه يرى في منامه الشلالات، والماء المثلج البارد.. فالذي يعطش في النهار، يرى الماء في الليل.. والذي في قلبهِ عطش إلى إمام زمانهِ، دائماً يفكر فيه، ويراهُ في النوم وفي اليقظة..

١٢- إذا كانت الصفا والمروة من شعائر الله، فألا يكون الحسن والحسين (ع) من شعائر الله، وهما اللذان يمثلان خط الرسالة في زمانهما؟..

١٣- كم من الجميل أن يكون هنالك تفاعل باطني تجاه أهل البيت (ع) -أي عواطف جياشة نحو هذه الذوات المقدسة- بالإضافة إلى المعرفة.. والمعرفة لها مراحل ودرجات، وأدنى درجة المعرفة هو الاطلاع على سيرتهم الإجمالية..

١٤- إن في تراث أهل البيت (ع) شاء الله -عز وجل- أن يكون لبعض شهداء الطف مزية، منهم شخصيتان أفرد قبرهما، يزاران زيارة مستقلة: أحدهما حبيب بن مظاهر الأسدي، والآخر الحر بن يزيد الرياحي، يشدون الرحال إليه، للسلام عليه، والتشفع به عند الله عز وجل.. هذه هي شكورية الله -عز وجل- سويعات من الطاعة المخلصة، وإذا برب العالمين يعطي هذا العبد الصالح الدرجات التي يغبطه عليها جميع الشهداء!..

١٥- إن الإنسان الذي تشهد الشهادتين، وآمن بولاية أمير المؤمنين (ع)، يكون قد قطع نصف المسافة أو أكثر من النصف.. وما بقي إلا أن يلتزم ببعض الواجبات البسيطة، ويترك بعض المحرمات.

١٦- إن حال النبي -صلى الله عليه وآله- في حال حياته، مثل حاله بعد وفاته.. فلا فرق بين الإنسان الراجل والإنسان الراكب.. النبي -صلى الله عليه وآله- كان في هذه الدنيا مقترن ببدنه، وفي الثامن والعشرين من شهر صفر ترجل من بدنه، وذهب إلى المليك الأعلى.. لذا، فإن حقيقة النبي (ص) هي نفس الحقيقة المحمدية الصافية.. وعليه، فإن على المؤمن أن يعلم هذا الأمر جيداً، فإن الشهداء أحياء عند ربهم.. والنبي (ص) هو نبي الشهداء، فهل يمكن أن يكون -صلى الله عليه وآله- أقل منهم؟!.. ولازمة الحياة السمع (أشهد أنك تسمع كلامي….) فإذن، إنه يسمع كلامنا، ويحيط علمه بنا.

١٧- إن مقام النبي المحمود؛ هي الرسالة.. ومقام المؤمن المحمود؛ هو القرب من الله عز وجل.. فإذن، إن مفتاح الرسالة، ومفتاح نجاح النبي؛ هي عبوديته لله عز وجل.. وما دام الإنسان يشهد بذلك، أيضا عليه أن يكون وفيا لهذه الشهادة.

١٨- ما من شك بأن التقوى، والامتثال لأوامر الله -عزّ وجلّ- ونواهيه، تقربنا من إمامنا (عج).. فإذا أردنا أن نصل إلى هذه العناية العظمى من إمامنا -(عج)؛ علينا أن نعلم بأنه كلما تقربنا في الإيمان والتقوى درجة، كلما تقربنا من إمامنا (عج) أيضاً.. بالإضافة إلى هذه المعاني كلها، على الإنسان المؤمن أن تكون له خلوات، يتحدث فيها مع الإمام (عج).

١٩- إن الفرق بين المعصوم الحي، وبين المعصوم الذي انتقل من الدنيا إلى الرفيق الأعلى، كالفرق بين الراكب والراجل.. فلو ولو أنَّ الراكب انفصل عن دابته، وأصبح راجلاً، هل تغير شئُ في جوهره؟.. بل هو ذاته، ولكنه كان راكباً وأصبح راجلاً.. فالمعصوم كان راكباً في ضمن جو البدن، وإذا به أصبح راجلاً.

٢٠- إن الإمام عبد لله عز وجل، وما صار إماما إلا بعد أن استوفى مراتب العبودية.. فإبراهيم (ع) اجتاز الامتحانات الكثيرة، حتى وصل إلى مقام الإمامة، {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}.. وهو عندما ادعى العبودية، برهن على عبوديته: بتحطيم الأصنام، وبمحاولة ذبح ولده، وبإقامة البيت، …الخ.

٢١- إن الحسين عبد لله -عز وجل- بكل ما للكلمة من معنى.. وهذا العبد جرى عليه في يوم عاشوراء ما جرى: من صور الهتك، وقتل أولاده، وأصحابه، وسبي نسائه، والمثلى ببدنه الطاهر بعد استشهاده.. كل هذه الأمور عزت على رب العالمين: عبده، وصفيه، ونجيبه، ونجيه؛ ويعامل هذه المعاملة!.. من الطبيعي أن يكون من موجبات التقرب إلى الله -عز وجل- إقامة ذكره (ع).

٢٢- إن الإمام عندما يناجي ربه، يتكلم بلسان الأمة، عندما يقول: (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ)؛ فهو (ع) يتكلم بما أنه يمثل الأمة في الخطاب.

٢٣- إن الاستغفار من المعصوم، هو لتبدل الحالات عنده.. هو ما عصى ربه، ولكنه حالات مختلفة، يقول: يا رب، هذا التنزل من الأعلى للعالي، يستوجب شيئا من الاستغفار.

٢٤- إن من مزايا علي (ع) أنه يصب المعاني الكبيرة في كلمات قصيرة.. بعض كلماته تثلج الفؤاد!.. كل كلماته ملفتة، ولكن يا لها من بارعة ومهارة، أن يستعمل الإنسان كلمتين، ويفهم بهما المعاني الكبيرة!.. كقوله (ع): (الحلم عشيرة).. أي أن الإنسان الحليم، له ثقل في المجتمع؛ وكأن له عشيرة.. هما كلمتان، ولكن بحكم محاضرة طويلة.

٢٥- إن لمحبة الذوات الطاهرة التي أمرنا الله -تعالى- بحبها درجات وأنواعا.. فمنها الحب الإعجابي: بمعنى أن كل من يرى كمالا في عالم الوجود، فإنه يميل إليه ميلا طبيعياً، ميل كل ناقص لما هو أكمل منه.. وهذا المقدار من الميل لا يستلزم التفاعل مع ذلك الشيء، بمعنى اتخاذ ذلك الكامل قدوة في الحياة.. وهو ما نراه في كتابات بعض غير المسلمين الذين يبدون إعجابهم الشديد بعلي (ع) من دون أن يدينوا بالدين الذي دان به علي (ع)، وضحى لأجله النفس والنفيس.

٢٦- إن البعض لا ينظر إلى المعصوم (ع) إلا كوسيلة لقضاء الحوائج فحسب!.. وعليه، فلو تأخرت الاستجابة قليلا؛ ضعف إيمانه به، معاتبا له في نفسه، وإن استحى في إظهار ذلك.. وهذا ما يسمى بالحب المصلحي.. إننا لا ننكر رجحان -بل حسن- جعلهم الوسيلة أمام الله تعالى، ولكن هذه سمة من سماتهم في مقابل سمات عظمى، منها: اتخاذهم الوسيلة لتحقيق السعادة في النشأتين، ودرجة الرضوان عند الرب المتعال.

٢٧- إن أرقى صور الحب، هو حب ذواتهم المباركة: لما تجلت فيها من الصفات الإلهية بما تحتملها الحدود البشرية.. وحينئذ يكون هذا الحب -إذا كان صادقا- مدعاة للتشبه بهم قدر الإمكان، إذ أن من أحب حبيبا: حاول التشبه به، وغلب عليه ذكره، وتجنب كل ما يثير غضبه وسخطه.

٢٨- إن الفترة الزمنية التي عاشتها الزهراء (ع) لم تكن كافية لتتجلي منزلتها الحقيقية، من خلال أقوالها وأفعالها المستندة إلى عالم الغيب.. ومن هنا شبهت بليلة القدر، في خفاء القدر والمنزلة.. ولكن الذي يكشف بعض النقاب عن منـزلتها السامية -في اللوح المحفوظ- هي تلك الكلمات الصادرة في حقها من أبيها المصطفى (ص).. ومن المعلوم أن ما صدر منه لم يكن باعتبار القرابة النسبية أبدا، فهذا ينافي عدم النطق عن الهوى، كما عبر القرآن الكريم.

٢٩- إن النبي (ص) تعمد في مواقف عديدة إبراز مكانة الزهراء (ع) عند المسلمين .. فهذا هو النبي (ص) اذا أراد سفراً كان آخر الناس عهدا بفاطمة، وإذا قدم كان أول الناس عهداً بفاطمة (ع).. وهذا النبي (ص) يسميها بأم أبيها.. ومن المعلوم أن الأم تمثل نقطة الحنان والعطف في حياة الإنسان، ولا عجب في أن تكون فاطمة (ع) الملجأ الذي يفرج الكروب عن رسول الله (ص) لما صارت روحه التي بين جنبيه.

٣٠- إن تعبير النبي (ص) عن فاطمة: بـ (أن الله -تعالى- يغضب لغضبها، ويرضى لرضاها) لا ينبغي أن نمر عليها مرور الكرام.. فإن هذه الكلمة بإطلاقها -من دون تحديد بزمان، أو بحالة- تدل على أن ما كان يصدر عن الزهراء (ع)، كان مطابقاً للإرادة الإلهية في كل مراحل حياتها.. ومن هنا كانت مواقفها بمثابة الخط الذي يتبين به الرشد من الغي، وهذه هي معنى العصمة: حيث مطابقة القول والفعل البشري، لما يريده المولى في كل شأن من شؤون الحياة.

٣٠- إن الله -تعالى- خص عليا (ع) بمكرمة، لم نعهد لها مثيلا في تاريخ البشرية.. وكأن الله -تعالى- أراد أن يكافأه (ع) مقابل الشهادة في محراب عبادته في مسجد الكوفة، بامتيازين مرتبطين ببيته الحرام ألا وهما: الولادة في جوف البيت، وارتقاء منكب النبي (ص) لتحطيم الأصنام حول الكعبة.

٣١- إن حياة أمير المؤمنين (ع) تتلخص في تجسيد العبودية لله رب العالمين في كل مراحل حياته، بدءاً من الإيثار الأول، ألا وهو المبيت على فراش الرسول (ص).. ومرورا على صبره بما جرى بعد وفاة الرسول قائلا: (صبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى).. ومع ذلك، لم يقدم على ما فيه شرخ في حياة الأمة، ليطمع فيها الأعداء المحدقين بها من كل حدب وصوب.. وانتهاء بعدم تنازله عن المبادئ لتثبيت دعائم حكمه، فهو القائل: (لولا الدين؛ لكنت من أدهى العرب).

٣٢- إن موالاة الأوصياء بعد الرسول (ص) لهو فخر والتزام!.. فمن ناحية يشعر صاحبها بالنشوة، لاهتدائه إلى أقرب السبل الموصلة إلى البيوت التي أذن الله -تعالى- أن يرفع فيها اسمه.. ومن المعلوم أن أهل البيت أدرى بما في البيت!.. ومن ناحية أخرى، يشعر صاحبها بأن لهذه المعرفة النظرية ضريبة، وضريبتها: تحويل الإمام المحبوب، إلى محبوب إمام.. وبين التعبيرين فارق واضح، {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}!..

٣٣- إن الإنسان يحتاج إلى مباركة الله -عز وجل- ولو كان عبداً مطيعاً.. وإلا فما معنى صلاة الله -عز وجل- وملائكته على النبي (ص) -وهو الذي حقق أقصى درجات العبودية لله عز وجل- بمقتضى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}؟..

٣٤- “مع الأسف أن بعض كلمات النبي الأكرم (ص) تحولت إلى شعار لا نفقه له معنى، تردد فقط في المقاتل لإثارة وجدان الأمة!.. النبي (ص) قال عن فاطمة (ع): (فاطمة بضعة منّي: من آذاها فقد آذاني)؛ ومعنى هذا القول للنبي (ص): أن الزهراء (ع) تمثل الخط المستقيم في حياة الأمة، في كل العصور كأبيها رسول الله (ص).. والذي يتعرض لهذا الخط؛ فإنه في ضلال وانحراف.. ومعناه أيضاً: أن لهذه السيدة الجليلة منزلة راقية عند رب العالمين، وموقع مهم في الرسالة، ونعم ما قاله فيها (ع) الشاعر المفلق الهاشمي (رحمه الله):
حوت خلال رسول اللّه أجمعها *** لو لا الرسالة ساوى أصله الثمر”

٣٥- إن فاطمة (ع) كانت تتميز بفدائيتها لدينها وشريعتها، كان شعارها أنه (خير للمرأة أن لا ترى الرجال، ولا يراها الرجال).. ومع ذلك نجدها قد خالفت هذا السلوك عندما اقتضى الأمر لها للخروج ، دفاعاً عن إمام زمانها ، عن الدين والشريعة ، خرجت (ع) في سكك المدينة ، تجر أذيالها إلى المسجد ، وألقت تلك الخطبة المعروفة التي تناقلها الدهر صلوات الله عليها.

٣٦- إن الذي خلد الصفا والمروة، وزمزم، والحجر؛ هو أيضاً الذي خلد ذكر الحسين (ع).. هاجر تبتلى بعطش ولدها، فيرتفع هذا العطش إلى ذلك النبع الخالد، فكيف بمن قدم الشهداء والأضاحي واحداً بعد الآخر؟.. إن الذي كتب الخلود لإبراهيم وآل إبراهيم لمجرد عطش في سويعات من نهار، كيف لا يكتب الخلود لهذه الفتية؟..

٣٧- إن المتأمل في وداع الرسول (ص) لأهله وأصحابه، يجد فيه كماً هائلاً من الحزن والألم.. برغم أنه سيلاقي ربه الحبيب الأوحد، فلمَ يا ترى ذلك؟!.. أ لعلمه بما سيحل بوصيه، وفلذة كبده، وبريحانتاه: الحسن، والحسين من بعده؟.. أم غماً وكمداً، على أمة خالفت نبيها، وعملت ما يوجب لها النار، وهو نبي الرحمة، الحريص على هدايتهم، إذ حتى في ساعة لقائه بربه، كان يدعو: (ربي سلم أمتي من النار!.. ربي سلّم أمتي من النار)!.. فهل تستحق أمة لم تراعِ نبيها في أهل بيته شفقته!.. ثم هل فكرنا في هذا الأب الشفيق، وعرفنا حقه علينا؟!..

٣٨- إن من كواشف الارتباط بالإمام (عج)، ما جرت العادة عليه من الوقوف عند سماع اسمه الشريف، ووضع اليد اليمنى فوق الرأس.. وهذه الحركة مأثورة عن أهل البيت (ع)، وفيها دلالة تعظيمية، وتسليم لأمره (عج)!..

٣٩- إن الإمام (عج) هو الحبل المتصل بين الأرض والسماء، فإليه مختلف الملائكة، وما من أمر إلا ويعرض عليه (ع).

٤٠- إن عليا (ع) هو الشخصية الوحيدة في تأريخ البشرية، الذي أعطاه الله -عز وجل- هذه المزية الكبرى، التي لم يكتبها لأحد من لدن خلق آدم إلى أن تقوم الساعة.. حيث أراد الله -تعالى- أن يجعل حياة علي (ع) بين البيت والبيت: ولادة في الكعبة، واستشهاداً في مسجد الكوفة.. ومعنى ذلك أن حياة علي؛ هي حياة التوحيد.. حياة علي؛ حياة تحطيم الأصنام، سواء كان صنماً مادياً أو معنوياً.

٤١- إن صلوات الله -عز وجل- على نبيه من حيث الآثار، ومن حيث الماهية؛ تغاير صلاتنا نحن على النبي -صل الله عليه وآله-.. فمجمل معنى الصلاة على النبي وآله من جهتنا: هو أن نطلب من الله عز وجل، أن يبارك الله بالنبي (ص) بما يعلمه الله عز وجل.. والله -تعالى- يطلب من العبد أن يدعوه ولا يعلمه، فهو أدرى بعبده.. أما كيف يبارك في النبي -صلى الله عليه وآله-؟.. أوحى الله -عزّ وجلّ- إلى نبي من الأنبياء: (إذا أُطعت رضيت، وإذا رضيت باركت.. وليس لبركتي نهاية).. وقال تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.. إن الله -عز وجل- يبارك لنبيه كيفما يشاء.

٤٢- نحن نعتقد أن الذين هم وسائط الفيض، ومبادئ تبليغ الدين والشريعة بين الله وبين الخلق، هم الأئمة بقول مطلق.. فالإمامة هي قيادة الخلق، وزعامة الأمة فكراً وعملاً.. وهذا المقام يُعطى للنبي، ويُعطى للوصي، وكلاهما يشتركان في الوساطة لإبلاغ الأحكام.. نحن نلاحظ بأن المعصومين من الأئمة من ذرية الزهراء من ولد النبي (ص)، عندما يذكرون المسألة أو الحكم، فإنهم يذكرونها مباشرة، وفي بعض الحالات ينسبونها إلى النبي (ص).. وعلى كل تقدير فإن علومهم مكتسبة من عالم الغيب، ومن جدهم المصطفى (ص) الذي صرح به علي (ع) بقوله المعروف: (علّمني ألف باب، يفتح لي كلّ باب ألف باب).

٤٣- إن إبداء الشوق والتشبه بالمحبين، هذا ليس حباً.. ولهذا يقول البعض -وهي عبارة جميلة- في الرواية المعروفة (أحب الله من أحب حسيناً): جعل الله -عز وجل- حب الحسين لوحده من موجبات الحب الإلهي.. حيث يُعلم من خلال المسانخة بين المبتدأ والخبر، وبين المقدمة وبين النتيجة، وبين الصدر وبين الذيل.. أن هذه المحبة محبة مؤثرة، تلك المحبة البليغة المؤثرة في تغيير السلوك، كما ذكره القرآن الكريم: {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}.. فإذن، (أحب الله، من أحب حسيناً) أي اشتاق إليه، وأحبه المحبة التي توجب الاتباع.. ومن الطبيعي إذا اجتمع حب الحسين مع العمل برسالة الحسين، وما جاء به جد الحسين؛ كان ذلك كافياً لأن يحب رب العالمين ذلك العبد، الذي أحب الحسين بشرطه وشروطه.. وحب الله للعبد؛ من أسباب النجاة، ودخول الجنة.

٤٤- إن التربة الحسينية، هي مظهر للشهادة، ومظهر لإقامة حكم الله -عز وجل- وفروع دينه، ومنها الصلاة.. فقد خرج لطلب الإصلاح في أمة جده، فهل في ذلك غضاضة: أن يأخذ الإنسان من تلك التربة، ويصلي عليها من دون إلزام؟.. فأي فقيه ينتسب إلى مدرسة أهل البيت (ع) يفتي بوجوب السجود على التربة الحسينية؟.. لا أحد يفتي بذلك!.. فالمكلف مخير بين السجود على التربة الحسينية، أو السجود على الرخام، أو الصخر ونحو ذلك.. فبدلاً من أن يأخذ قطعة من تراب بيته، يُجلب له قطعة من تربة الحسين (ع) ليسجد عليها.. فهناك من ظن بأننا نسجد للتراب، بينما نحن نسجد على التراب.. ولا نلزم بالسجود على التربة الحسينية، وإنما نعتقد بلزوم السجود على الأرض كما قال النبي (ص).

٤٥- إن من الشواهد القوية على إيمان أبي طالب (ع): أن أمير المؤمنين (ع) عندما كان في حالة حرب مع أهل الشام، أرسل لهم رسالة جاء فيها: (ليس أمية، كهاشم.. ولا حرب، كعبد المطلب.. ولا أبو سفيان، كأبي طالب.. ولا المهاجر، كالطليق.. ولا الصريح، كاللصيق).. ومن المتعارف أنه عندما تقع حرب بين طرفين، فإن كل فريق يحاول أن ينتقص من الطرف الآخر.. ومع ذلك فإن هذه المقولة –أي عدم إسلام أبي طالب- لم تنقل على لسان أهل الشام.. ولم نجد أن هناك اعتراضا على هذه العبارة (ولا أبو سفيان، كأبي طالب) في الرسائل، التي وردت من أهل الشام بالنسبة إلى علي (ع).. فلو كان هذا الأمر بائنا ومشتهرا في صفوف الصحابة، لعُيّر بذلك علي (ع).. ولما ذكر علي أباه بخير، في الرسالة التي أرسلها إلى خصمه.

٤٦- إن رب العالمين لا يختلف عنده الإعجاز وغير الإعجاز أبداً، فهو قد جعل القانون هنا ورفعه هنا.. فالذي يجعل هو الذي يرفع، ما الذي يختلف عنده؟.. بالنسبة لله -عز وجل- إنّ جعلَ البرودة في نار إبراهيم، كجعل الحرارة في نيراننا هذه الأيام.. فجعل البرودة في موضع، والحرارة في موضع آخر، فلا يوجد اختلاف في هذا الأمر بالنسبة لرب العالمين؛ حتى نبخل على هذه الذوات المقدسة، ونسارع في إنكار ما ثبت من أنهم قاموا بما قام به الذي عنده علم من الكتاب.. والحال أن الأئمة -عليهم السلام- ليسوا من الذين عندهم علم من الكتاب، بل من الذين عندهم علم الكتاب.. وكذلك {الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} فالأئمة هم من أتم مصاديق الراسخين في العلم.. فالقضية ليست بهذه الغرابة، حتى ننكر هذا الإنكار البليغ!..

٤٧- إن قضية أهل البيت (ع) ليست قضية طائفة أو فرقة من فرق المسلمين، القضية أن هناك إسلاما يتمثل على شكل حقيقة واحدة.. وهذه الحقيقة الواحدة، ينظر لها من زوايا مختلفة ومن نوافذ متعددة، وأصفى هذه النوافذ وأقدرها على كشف هذه الحقيقة هم أهل البيت (ع)، الذين جعلهم الله -عز وجل- الحبل المتصل بين الأرض والسماء.

٤٨- بلا شك أن الأدعية الواردة للنبي (ص) وآله (ع) كلها زاخرة بأسماء الله تعالى، كما في دعاء الجوشن الكبير، هنالك قرابة ألف ذكر لأسماء الله وصفاته.. ولا يخفى بأن لله -تعالى- أسماء أخرى، بالإضافة إلى قائمة التسعة والتسعين اسماً، منها على سبيل المثال: (يا حبيب من تحبب إليه)!.. نعلم بأن الدخول إلى دائرة الحب الإلهي، من أرقى مراحل الوجود، وأن النبي المصطفى (ص) اختص بحبيب الله، ويقال بأن السالك إذا وصل إلى مرحلة تجلي الحب الإلهي في قلبه؛ فقد وصل إلى غايته.

٤٩- النبي قمة شامخة، لا يرقى إليه نبي ولا وصي نبي!.. أرقى من خلقه الله -عز وجل- في عالم الوجود البشري؛ هي روح المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم).. رب العالمين خلق النفس، وجعل لها قابليات وقدرات، وأفضل لوحة يمكن أن ترسم على نفس مخلوق، رب العالمين رسمها على قلب النبي -صلوات الله عليه- لأنه خاتم الأنبياء.. ورب العالمين مبدأ الفيض، ولا راد لفضله وكرمه؛ فكانت النفس المحمدية، أرقى لوحة جمالية في عالم الوجود!..

٥٠- إن ظاهرة الاختلاف هي ظاهرة طبيعية في حياة الإنسان وفي حياة الأمة.. فالاختلاف إذا كان في ظل حكومة الله والرسول وأولي الأمر الحقيقيين، سوف لن يؤدي إلى الفرقة أبداً.. صحيح أن هنالك اختلافاً، ولكن ليس هنالك خلاف، فالحكم هو الذي يفصل بين الأمور.. ومعنى ذلك أن الحاجة إلى النبي، أو من يقوم مقامه حاجة ثابتة على مدى الأزمنة.. ولذلك نحن نستغرب من الذين ينكرون وجود امتداد للنبي بعد وفاته.. وإلا، فمن إذن سيفصل بين المختلفين؟.. ومن سيكون الحكم والمرجع في القضايا؟..

٥١- إن جوهر الإسلام، وجوهر التشيع؛ شيءٌ واحد.. وجوهر النبوة، وجوهر الإمامة؛ شيءٌ واحد -مع اختلاف في التفاصيل: من نزول الوحي، وعدمه- إن جوهر الدين وجوهر المذهب شيءٌ واحد؛ إلا أنه ينبغي أن نعلم أن قِوام الدين بالولاية، هذه الولاية تتجلى في النبي فيسمى نبياً، وتتجلى في الوصي فيسمى وصياً وإماماً.

٥٢- إن الإسلام استمر بعد النبي (ص)، وإن تعددت الأسماء.. فالإسلام هو الإسلام، والولي هو الولي.. النبي (ص) حكم من منطلق الولاية، وأمير المؤمنين (ع) كذلك حكم من منطلق الولاية؛ فالتزكية هي التزكية.. النبي إنما جُعل نبياً بالنص، والوصي إنما جُعل وصياً بالنص ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾؛ والله أعلمُ حيث يجعل ولايته!.. هي حقيقة واحدة، فَهِمَها النبيُ وآلُه و”أهل البيت أدرى بما في البيت” كما قِيل قديماً.

٥٣- نحنُ عندما نقول: السُنة النبوية، وننقل رواية عن أحد المعصومين، لا غرابة في البين، فحديث الأئمة هو حديث النبي (ص)؛ لأنهم العترة.. وما قالهُ الإمام (ع) هو ما قالهُ النبي (ص)، فهم بابٌ لمدينة علم النبي (ص)، ولا فرق بينَ البابِ والبيت، وعليٌ (ع) على رأسِ قائمة الأئمة.

٥٤- إن بعض كلمات علي (ع) تصب في عالم التربية والأخلاق، وبعض كلماته تصب في عالم التربية الاجتماعية والتعامل مع الغير.. والحقيقة أن هذا الكتاب نهج للسعادة، ونهج للرقي، وليس للبلاغة فحسب!..

٥٥- إن الإنسان لابد أن يصل إلى هذه الدرجة: أن يرى الله -عز وجل- أولى به من نفسه.. ولهذا النبي (ص) في عيد الغدير، قال للمسلمين قبل أن ينصب ابن عمه ووصيه علي (ع) لإمامة المسلمين إلى الأبد، قال: ألست أولى بكم من أنفسكم؟.. قالوا: بلى.. انتهى الأمر!.. ما دام أنا الأولى بكم من أنفسكم، فمن كنت مولاه، فهذا علي مولاه.. انطلق من هذا المنطلق!.. ولهذا نحن نعتقد أن الإمام المعصوم له سلطة على الإنسان، أكثر من سلطة الإنسان على نفسه بمقتضى هذا النص.

٥٦- إن الإمام (عج) موجود في مكان غير معين، ولا يمكن اللقاء به فِعلاً في زمن الغيبة.. فهب أنّ الإمام له قصر في إحدى الجبال، ولا يمكن اللقاء به!.. فما الفرق بين الحضور مع عدم إمكانية اللقاء، وبين الحضور مع إمكانية اللقاء، مع تغيّب المكان المعهود؟.. فالأمر واحد، ما دمت تعتقد بوجوده وأنّه موجود، وجبت عليك تكاليف كثيرة، ولا فرق في ذلك أبداً!.. ولكن المشكلة هي مشكلة اليقين، فلو وُجد اليقين في قلب إنسان، فإن احتجابه عن أعين رعيته، لا يُعد هذا مُشكلا ًومانعاً من شدة الإلتفات والإلتجاء إليه!..

٥٧- إن من المناسب أن يراجع الإنسان بين فترة وأخرى، الكلمات القصار للأئمة (ع).. ومن الملفت أنه عندما توضع حكمة قصيرة من حكم الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري (ع) بجوار حكمة الإمام أبي محمد الحسن بن علي المجتبى مثلاً، فإنه يلاحظ بأن هنالك تشابهاً كبيراً بين الفقرتين، بحيث لا يوجد اختلاف جوهري بين كلماتهم.

٥٨- إن في حياة أئمتنا (ع) سواء في (كشف الغمة) أو في (بحار الأنوار) أو في غيرها من كتب السيرة، لكل معصوم في ختام حياته فصل بعنوان (الكلمات الحكمية).. و(تحف العقول) من خير الكتب في هذا المجال، فلكل معصوم تحف، ولعل حديثاً واحداً من أحاديث المعصومين (ع) يغيّر مجرى حياة الإنسان.. ويا حبذا لو كتبت كلماتهم الجميلة في مراقدهم الشريفة!.. كما في حرم الإمام الرضا (ع)، فإن هناك بعض الأحاديث المنقوشة في الحرم، نقلاً عن الإمام صاحب ذلك المقام.

٥٩- كم من المناسب أن نتحرى هذه الكلمات الجميلة في مناسبات أئمتنا (ع)!.. واعلم أن الحكمة الصادرة من المعصوم فيها خاصية التأثير من بركاته (ع)، فتلك كلمات حكمية صادرة من قلوب مستنيرة بنور الله عز وجل.. فهذا النور يسري في الأسماع، كسريان الكهرباء في الأسلاك.

٦٠- إن نور كلمات نهج البلاغة وخطب أمير المؤمنين، عندما تطلق، تنفذ وتتغلغل وتستقر في القلوب المستعدة.. نعم، ولهذا عندما طلب همام من أمير المؤمنين (ع) أن يصف المتقين، فوصفهم الإمام (ع)، عندئذٍ صعق همام صعقة كانت نفسه فيها، فوقع إما مغشيا عليه أو مات.. فعلّق الإمام على هذه الحادثة بما مضمونه: هكذا تفعل المواعظ بأهلها.. نعم، كل إنسان يمكن أن يكون في مستوى، وفي درجة من درجات همّام، الذي صعق بحديث أمير المؤمنين (ع).

٦١- إن الإطعام المعنوي والإطعام الفكري، أعظم عند الله -عز وجل- من الإطعام المادي.. كم سجل الله -عز وجل- في سورة الدهر من الثناء لأئمة أهل البيت (ع) لإطعامهم الفقير والمسكين والأسير!.. فكيف إذا كان الإطعام لما يوجب الراحة الأبدية، ولما يوجب إعطاء القوت الذي يتحول إلى درجات لا نهائية في جنات الخلد عند الله سبحانه وتعالى.

٦٢- إن القلوب تملّ كما تملُّ الأبدان، فاهدوا لها طرائف الحكم.. ومن أجمل أنواع الحكم – على قصرها – حكم أمير المؤمنين (ع).. فإنه من المناسب أن لا يخلو بيت الإنسان المؤمن من كتب أربعة: القرآن الكريم بتفسير مختصر، ولو على هامشه.. وكتاب الدعاء، ومن أفضل ما كتب في هذا المجال، كتاب مفاتيح الجنان -وهو بحق مفاتيح للجنان- وكذلك الصحيفة السجادية للإمام السجاد (ع)، ويا حبذا إقتناء الصحيفة السجادية الجامعة الكاملة!.. وكذلك -الكتاب الرابع- نهج البلاغة لأمير المؤمنين (ع)، فإذا لم يكن هناك مزاج للإنسان أو وقت، ليقرأ الخطب كاملة، فليتصفح الحكم الأخيرة الموجودة في ختام نهج البلاغة.

٦٣- إن الإكثار من الصلاة على النبي وآله، بتأملٍ وتوجه، فقد أدخل السرور على قلب النبي (ص).. والنبي وآله إذا دخل عليهم السرور يردون الهدية مضاعفة.. فالإمام الحسن (ع) يعتق جارية من أجل طاقة ريحان.

٦٤- إنّ امتلاك البنية العلمية القوية، وخاصة في مجال: العقائد، والفقه، والقرآن، والحديث، والسيرة، نِعْم المعين لمعرفة ما أراده المولى من عبده.. إذ أنّ مراد المولى في الجزئيات المرتبطة بالشريعة لا تُدرك بالعقول، بل لا بد من الاتصال بمبدأ الغيب، وذلك لا يتم إلا عن طريق أمناء الله على وحيه، وهم المعصومون من النبي (ص) وأهل بيته (ع)، وما خرج من غيرهم فهو زخرف يصدّ عن الحقّ.. أضف إلى أنّ هذه المعرفة، ضمانٌ لعدم الوقوع في الهفوات المعهودة في مجال المعرفة النظرية، والتي تشكّل مقدمة للوقوع في المهالك العملية.

٦٥- إن الأرزاق المادية والمعنوية في عصر الغيبة يجريها الرازق على يدي وليه المنتظر (ع)، كما هو مقتضى النصوص المباركة.. وعليه فإن الارتباط به (صلوات الله تعالى عليه) عاطفة وعقيدة وسلوكاً، لمن موجبات مضاعفة تلك الأرزاق ومباركتها، إذ أننا نعتقد أن رعايته (ع) للأمة كرعاية الشمس من وراء السحاب، ولا يعقل أن يهمل ولي الأمر وحجة العصر تلك النفوس المستعدة التي تطلب الكمال بلسان حالها أو مقالها، وما تحقق الفوز والفلاح في هذا المضمار -طوال زمان الغيبتين- إلا لمن أتى هذا الباب بصدق، وتوجه إلى ذلك الوجه بانقطاع.

٦٧- إن البعض منا يعرف الإمام زين العابدين (ع)، من خلال مأساة كربلاء.. ولكن له رسالة باسم “رسالة الحقوق” هذه الرسالة جديرة بالدراسة والتأمل، وكل من يحبه ويحب آباءه وأبناءه من المناسب أن يراجع هذه الرسالة.

٦٨- نحن عندما نتوجه للنبي وآل النبي (ص)، نتوجه إليهم على أنهم عبيد لله عز وجل.. والله -تعالى- أكرمهم بهذه الكرامة، يقول تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}؛ فاستغفار الرسول (ص)، جُعل في سياق المغفرة الإلهية.. مثلاً: بالنسبة إلى قبض الروح، التي هي حركة مهمة في هذا الوجود، يقول تعالى في كتابه الكريم: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}؛ فهو المتوفي، وفي آية أخرى يقول: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}.. إذن، هو المتوفي، وملك الموت أيضاً متوفي.. ولكن الفارق: هو أن رب العالمين أصيل، وملك الموت وكيل.. فشفاء المريض وغيره أين، وقبض الأرواح أين؟.. وعليه، ما الغضاضة أن نقول: أن النبي وآل النبي، ليسوا بأقل من عزرائيل (ع).. فعزرائيل ملك معصوم، والنبي وآل النبي هؤلاء معصومون من البشر.. والمعصوم البشري أرقى من الملك المعصوم؛ لأن الملك لا يمكنه أن يعصي.

٦٩- إن تكريم أي مخلوق منتسب إلى الله عز وجل -كالنبي المصطفى (ص) وآله الأطهار (ع)- هو بأمر من الله عز وجل، ولا ضير فيه أبداً.. كما أن الله أراد أن يكرم آدم من خلال حركة مختصة به وهي السجود، كذلك بالنسبة للأولياء والصالحين.. أما أن يجعل الإنسان لنفسه منهجاً في مقابل الله عز وجل؛ فهذه قطعاً حالة إبليسية مرفوضة شرعاً.

٧٠- إن السعيد هو الإنسان الذي يتحرك نحو هدفه المقدس، وهو يرى أنه كلما مرت عليه الليالي والأيام، يقترب من ذلك الهدف.. لهذا علي (ع) عندما هوى ذلك اللعين بالسيف على رأسه قال: (فزت ورب الكعبة)!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى