أهل البيت

النهضة الحسينية في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن نجم عاشوراء يتألق دائما، وإنَّا نعتقد أن الحركة الحسينية ستزداد تألقاً في العالم على مرور الأيام.. فالدم الحسيني هو الذي يمد هذا الطريق بعوامل الثبات والاستقامة.. حيث الفناء في الله ولله وبالله وإلى الله -تعالى- أخيراً، ويقوي هذا الدرب على مر الأجيال.. وهو الذي حفظ الإسلام، وإلا لتعرض للتحريف كما هو في بقية الأديان الأخرى..

٢- يظن البعض أن مسألة النهضة الحسينية واقعة تاريخية، انتهت بموت العناصر المتواجهة فيها، وهذا خطأ جسيم!.. فكما أن تاريخ المواجهات لم يمت -طوال التاريخ- بين الأنبياء وأعدائهم، ومن هنا جعله القرآن عبرة لأولي الألباب، فكذلك قضية الحسين (ع) خالدة، لأن منهجه (منهج المواجهة مع الظلم الفكري والعملي) لازال حياً ماثلاً للجميع.. فمتى مات الباطل، لتموت المواجهة معه؟..

٣- إن الطبع البشري يميل إلى تخليد الذكر، وبقاء الأثر بعد الرحيل من هذه الدنيا الفانية.. ولا سبيل إلى ذلك إلا بالارتباط بمبدأ الخلود، فهو الذي لو بارك في عمل أو وجود ربطه بأسباب الدوام والخلود، كما ورد فيما أوحاه الله -تعالى- إلى نبي من أنبيائه: (إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية).. وهو ما نراه متجليا في نهضة الحسين (ع).. ففي كل سنة تمر علينا ذكراه، وكأنها ذكرى جديدة..

٤- إن حركة الحسين (ع) كانت أسلوب حياة في التعامل مع النفس والآخرين، فإنه أراد أن يعلمنا درس العبودية في كل مراحل حركته المباركة.. فنراه يخرج من جانب البيت الإلهي الآمن، عندما يرى رضا ربه في ذلك.. ونراه يعرض عياله للأسر والسبي، عندما يرى بأن الله -تعالى- شاء أن يراهن سبايا.. ويعرض نفسه لأقصى صور الهتك والتعذيب، عندما يرى بأن الله -تعالى- شاء أن يراه قتيلا..

٥- إن عاشوراء هي حركة متميزة في تاريخ الإسلام، بل من أعظم الحركات في الحياة البشرية!.. ونحن هذه الأيام نعيش العِبرة والعَبرة في مصيبة الإمام الحسين (ع).. فكما أن الاستماع للقرآن الكريم من دون إنصات؛ يوجب قساوة القلب، كذلك الاستماع لمصائبهم (ع) وكأنها قصص مأسوية دون تفاعل؛ توجب قساوة القلب أيضاً.

٦- إن الذي تجلى في كربلاء هو بكلمة واحدة: نفي الإنية والذات.. إذ أن مشكلة بني آدم منذ خلق؛ هي حب الذات وحب النفس.. عندما يصف علماء العرفان والأخلاق الرتب الكمالية العليا، يذكرون مرحلة الفناء والاندكاك في الله -عز وجل-.. فبمقدار ما يستقيم العبد في الصراط المستقيم إلى الله -عز وجل- يُعطى مقام الولاية، ويُعطى مقام الاندكاك والفناء.. ففي يوم عاشوراء هذه الذوات أذيبت وانصهرت في بوتقة الحسين (ع)؛ ليقدمها بين يدي الله عز وجل.. ومن هنا قال: (فإني لا أعلم أصحاباً؛ أوفى ولا خيراً من أصحابي).

٧- إن عمل الإمام (ع) متنوع، باعتباره القيادة الواعية الرشيدة، التي تريد تطبيق الإسلام.. فالحسين (ع): بكلماته، وبنظراته، وبحركته: قبل عاشوراء، وبعد عاشوراء؛ تمكن بقيادته الرشيدة من استغلال هذه الذوات.. وهذه مأساة تنحية الأئمة عن قيادة الأمة، فالأمة فيها ملكات وطاقات كبيرة جداً؛ ولكنها تحتاج أمثال: علي والحسن والحسين (ع) كي يستغلوا هذه الطاقات.. عندما يظهر الإمام (عج) لا يأتي بجيش من عالم آخر، بل يأتي بالجيش وبالقيادات من هذه الأمة.. عندما تكون القيادة في الأمة قيادة سماوية إلهية؛ الأمور تختلف كلياً.

٨- إذا أردنا أن نصف ما جرى في كربلاء بعبارة موجزة، فإن من خير ما يقال في هذا المجال: أن الذين حضروا تلك الواقعة، لم تبق لهم ذوات حاكمة في قبال مرضاة الله سبحانه وتعالى.. وهذا هو مقام الفناء في الله، الذي طالما طرحه القوم نظرية في عالم التصور، إلا أنها تحققت على صعيد كربلاء في فتية صدقوا ما عاهدوا الله -تعالى- عليه.

٩- يوم عاشوراء الإمام الحسين -عليه السلام- كما يفهم من سيرته كان له بكاءان: بكاء على أهل بيته، وما سيصيبهم بعده.. وبكاء على هذه الأمة، أنها ستدخل النار بسببه.. هذه هي الرحمة، والرحمة إذا وجدت لها تجليات، فهي ليست حالة مستبطنة في الباطن، إنما تتجلى في الخارج، وأهل البيت في قمة هذه الحالة…

١٠- إن أصحاب الحسين (ع) متعددون في كل عصر وفي كل طبقة، فإن كانت الطبقة الأولى في يوم عاشوراء، ففي كل عصر وفي كل قرن هنالك أصحاب للحسين (ع).. لماذا لا نلتحق بهذه الجامعة؟.. لماذا لا نلتحق بهذا الركب الحسيني؟.. وهذه المسيرة بدأت وتستمر ولن تتوقف، إلا عندما تعطي هذه الثورة ثمارها الكاملة، وهذه الثمار لا تؤتى إلا مع ظهور ولده المهدي (عج).

١١- إن الحسين (ع) في يوم عاشوراء كان على بدنه أثران: أثر يبكي، وأثر يفرح.. الأثر الذي يبكي آثار السنان والرماح، والأثر الثاني آثار الجراب على بدنه الطاهر، حيث كان يتفقد الفقراء في المدينة.. هذا سلوك أهل البيت (ع): الجمع بين الانشغال بالله عز وجل، في سفرة، أو في تألق روحي.. وفي التنزل إلى مستوى عامة الناس، قضاءً لحاجة، وأمراً بمعروف، ونهياً عن منكر.

١٢- إن الشهيد قدّم بدنه عرضة للسيوف في سبيل الله عز وجل.. ولكن المعصوم بجهده، قدّم نفسه لله عز وجل، قبل أن ينتقل من هذه النشأة.. فإذن، إن الشهيد عند الله يرزق، فكيف بمن صار شهيداً قبل أن يصبح شهيداً؟!.. والإنسان لا يكاد يستوعب المقامات العليا، المدخرة لذوات الأنبياء والأوصياء (ع).. فإذا كان الشهيد حيا يُرزق، فكيف بإمام الشهداء؟!.. وكيف بنبي الشهداء؟!..

١٣- إن رب العالمين هو الذي شاء أن يرى الحسين ذبيحا، وهو الذي شاء أن يرى نساء النبوة سبايا في ذلك اليوم.. ما المانع أن يعوّض رب العالمين من قتله، بأن يغفر للباكين عليه؛ تفضلا وتلطفا وكرما؟.. وما ذلك عليه بعزيز، رب العالمين أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين!..

١٤- إن هناك صور ملاحم متعددة الألوان في ركب الإمام الحسين (ع).. حري بالكبار أن يتأسوا بأمثال حبيب بن مظاهر، وحري بالشباب أن يتأسوا بأمثال علي الأكبر (ع)، وحري بالنساء أن يتشبهن أولاً بمولاتنا زينب (ع)، وبالنساء اللاتي كن في معسكر الحسين (ع) يوم عاشوراء، وقمن بأعمال بطولية بين يدي إمام زمانهن (ع).

١٥- إن الذين كانوا في ركب الإمام الحسين (ع) هؤلاء الذين {صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}؛ جمعوا بين خاصيتين: الخاصية الأولى: البطولة النادرة، والتفاني في الدفاع عن العقيدة.. والخاصية الثانية: حالاتهم الروحية، كانوا يعيشون أعلى درجات القرب من رب العالمين.

١٦- إن الحر مظهر التوبة والإنابة: أن يقف أمام إمام زمانه، ويدخل الرعب على قلوب الهاشميات، بنات بيت النبوية؛ ما فعله ليس بالأمر البسيط!.. ولكن انظروا إلى الهمة والعزم!.. وإذا في نصف نهار أو أقل، يتحول إلى أعلى عليين؛ فيصبح من الشهداء الخالدين، الذين قلّ نظيرهم في تاريخ البشرية!.. فإذن، إن باب التوبة مفتوح، حتى لأمثال الحر.

١٧- إن اليقين والانضباط الباطني، بمثابة المغناطيس الذي نجعله أسفل الورقة، وعليه برادة حديد منثورة.. هذا المغناطيس تحت هذه الورقة، يجعل هذه البرادات المتناثرة في خطوط متوازية.. تأثير اليقين في حياة الإنسان، كتأثير هذا المغناطيس في البرادات المتناثرة.. الإنسان المتناثر في حياته، إذا دخل اليقين في جوفه؛ ستكون حركته متزنة تماما.. ومن هنا نقول في الدعاء: {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}.. تصبح حياة الإنسان ومماته ذا لون واحد: حياته حياة إلهية، ومماته ممات إلهي، كما كان أصحاب الحسين (ع).

١٨- إن إقصاء الحسين (ع) عن ترأس الحكم، وعن زعامة الأمة، وعن إمامة الخلق؛ آثاره لاتزال إلى يومنا هذا.. لأن نظرية الحكم، ونظرية الإدارة؛ هذه الشؤون متوقفة على الإمامة، فعندما أقصوا من زعامة هذه الأمة، من الطبيعي أن تصير الأمور إلى ما نحن عليه.. فإذن، ليس هذا حدثا وقع في التاريخ، وانطوى ملفه.. إنَّ وارث هذا الدم، هو الإمام المهدي (عج)، وهو الذي حين يخرج من بيت ربه، فإن أول شعار يرفعه، شعار طلب الثأر لدم جده الحسين (ع): (ألا يا أهل العالم، إن جدي الحسين قتلوه عطشاناً)!..

١٩- إن مبدأ الحوار والتفاهم بالخطاب، هو الأسلوب المتعارف في تبليغ رسالات الأنبياء (ع) وهو ما يمثله قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} ولكن يصل الأمر في فساد المتسلط على رقاب الأمة، إلى ما يكون الإنذار والبلاغ غير كاف لردع الباطل الأكبر: وهو فساد من إذا فسد، فسدت الأمة به إذ (الناس على دين ملوكهم).. فيلزم القيام بحركة ما وراء البيان والبلاغ، ألا وهو القيام بحركة غير متعارفة من بذل الدم، لتستفيق الأمة من أعماقها، على فساد ذات الحاكم، بعدما غفلت الأمة عن فساد أعمال الحاكم!.. ومن هنا انهار الحكم الأموي بسنوات قصيرة من مقتل الحسين (ع) بل اعتبرت ثورته هي أم الثورات، التي انبثقت في صفوف الأمة، التي لم تعهد مثل ذلك من مقتل الشهيد (ع).

٢٠- إن الإمام الحسين (ع)؛ يعطينا درسا في التعبد، والخضوع المحض، أمام إمامه.. وهذا درس لنا في زماننا المعاصر، وهو أن نعيش حالة الطاعة المطلقة لبقية الماضين من سلسلة الأئمة الإثني عشر.. وثمرتها في زمان الغيبة، هو الرجوع إلى المجتهد: الصائن لنفسه، والمطيع لمولاه، والمخالف لهواه، كما ورد في الحديث الشريف: (فأما من كان من الفقهاء: صائناً لنفسه، حافظا لدينه، مخالفاً هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فعلى العوام أن يقلدوه).

٢١- إن الحسين (ع) بحركته الخالدة، التي تعرض فيها هو وعياله لما قل مثيله في التاريخ -سواء قبل الاستشهاد وحينه وبعده- أراد أن يبـّين للأمة ثمرة الغرس الذي نشأ بعيداً عن: نمير الغدير، ودوحة المباهلة، وواحة الثقلين.. ولولا هذه الهزّة العنيفة لضمير الأمة، لسارت الأمور في مجرى آخر لا يعلم عاقبته إلا الله تعالى.. ومن هنا نعلم معنى قول النبي (ص): (حسين مني، وأنا من حسين).

٢٢- إن مأساة الحسين (ع) بدءً من خروجه من المدينة، إلى عودة سباياه إلى المدينة مرة أخرى، وما بينهما من الأحداث الجسام، رغم تعدد ألوانها المأساوية، إلا أنها مصطبغة بلون واحد، وهو العنصر المميز لكل حركته، ألا وهي العبودية المطلقة لله رب العالمين.

٢٣- إن من معالم الثورة الحسينية، حرص سبايا الحسين (ع) على تبليغ رسالته، في شتى الظروف القاسية، وذلك بمنطق المنتصر، وان كان مغلوباً ظاهرا.. فهذه زينب (ع) يصفها الراوي: ما رأيت خفرة (أي شديدة الحياء) بأنطق منها!.. فإنها جمعت بين: كمال الالتزام بما تمليه الشريعة على الأنثى عند حديثها مع الرجال، وبين بيان المنهج الفكري الذي ينبغي أن ترجع إليه الأمة، والتي من أجلها ضحى أخوها الحسين (ع) بنفسه.

٢٤- إن من أهم الدروس العاشورائية، ومن أهم دروس كربلاء، أن نتعرف على منهج أهل البيت (ع) في الحياة.. إذ أن ولايتهم مسلًّمة، فنحن قوم -بحمد الله- آمنا بهم منذ نعومة أظفارنا، وأول ما لهجنا بهِ ذكر النبي وعلي وفاطمة.. والكثيرون قد بدأت علاقتهم بالمآتم منذ أن كانوا أطفالاً رضعا.. فإذن، جانب الولاية والتولي مفروغ منه، وكذلك سيرتهم، وتأريخهم.. إن التأريخ أمر جيد، ولكن التأريخ قد لا يحتوي على الشحنة العاطفية المؤثرة في مقام العمل الخارجي.. فالحسين (ع) يريد منا أن نكون متأدبين بآدابه قبل أن نكون من الباكين عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى