أهل البيت

أحياء ذكر أهل البيت في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- ليحاول الإنسان أن يجعل لنفسه جواً مؤثراً، ويتفاعل لذكر الحسين (ع)، ولا يجعل ذلك وقفاً على المآتم والمجالس..

٢- إن إحياء ذكر أهل البيت (ع) لا ينحصر في القوالب اللفظية من: إنشاد الشعر، وذكر الفضائل، وإقامة العزاء وغير ذلك.. وإن كانت كلها درجة من درجات إحياء الذكر.. إنما الإحياء الأكمل يتمثل في ترجمة سيرتهم العملية في حياتنا الفردية والاجتماعية.. فلو أن الناس اطلعوا على محاسن أقوالهم وتطبيقاتها في الحياة المعاصرة، لما وسعهم إلا الاتباع العملي والولاء الفكري والتعلق العاطفي..

٣- لماذا يفرح الإنسان بميلاد إمام من أئمة الهدى؟.. ولماذا يتأذى، ويتأسف، ويحزن عند فقد هذه الذوات المقدسة؟.. إن السبب في ذلك؛ الحب الذي هو عبارة عن السنخية بين المحب والمحبوب.

٤- إن إقامة مناسبات أهل البيت (ع) سروراً أو حزناً، من مصاديق إحياء أمرهم (ع)، وقد ورد عن الإمام الصادق (ع): (رحم الله امرأ أحيا أمرنا).. (رحم) فعل ماض، أي أن هذه الرحمة محققة الوقوع، لمن أحيا أمرهم (ص)..

٥- إن الأئمة (ع) وعلى رأسهم النبي المصطفى (ص)، هؤلاء مثلوا الخلافة الإلهية، وحققوا هذه الآية بأعلى صورها: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.. فنحن عندما نحيي ذكرهم، نريد أن نكرِّم هذه الصفة..

٦- ومن وظائفنا في زمان الغيبة أيضاً؛ أن ندعو الناس إلى الله -سبحانهُ وتعالى- ونحببهم إليه.. فالذي يحبب الناس إلى الله -عز وجل- قد ادخرت لهُ جائزة من الجوائز العظام.. مثلا: إنسان يُعلّم إنسانا مسألة شرعية؛ هذا ممتاز.. ولكن أن تبني إنساناً، وأن تغير مسيرة إنسان، فهذا عمل عظيم!..

٧- إن حضور المجالس الحسينية، والاستفادة من المذكرات المأخوذة من القرآن الكريم والسنة، له مزية وضريبة.. المزية: هي أن الإنسان يتعلم، ويزداد فهماً لمقاصد الشريعة.. ولكن في نفس الوقت هنالك ضريبة: وهي أن الإنسان عندما يتعرض لهذا الإشعاع النوري، وثم -لا قدر الله- يخالف.. فإن رب العالمين قد يتأخر في مسألة العفو عنه والمغفرة له..

٨- إن المودة تنعكس على شكل حركة مادية.. ومن أفضل أنواع إظهار المودة لنبي الله (ص) وآله الأطهار، هو أن نقيم ذكرى احتفالهم في هذه المناسبات.. فالدول بعد الحروب تجعل مزاراً لشهداء المعارك، وتنصب نصباً تذكارياً للذي لا أثر له.. فهذا شأن الأمم، في تجسيد المعاني الشعورية والباطنية، على شكل حركة تذكارية مادية.

٩- إن المؤمن دائماً، ليس في محرم، أو في يوم عاشوراء فقط.. بل في كلّ يوم إذا كان له قلب، وتذكر مصيبة إمامه (ع)؛ عليه أن يتفاعل.. لأن هنالك ظلامة بحقّ ولي من أولياء الله، بل من أعظم أولياء الله!.. ولم يحصل هناك ما يوجب السكون والارتياح للانتقام من قتلته (ع).

١٠- إن الذي يجذب الناس إلى حج بيت الله الحرام، هي دعوة إبراهيم (ع) {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}؛ أي هنالك تصرف إلهي في القلوب.. كذلك مجالس الحسين (ع) من مصاديق هذا التصرف الإلهي.

١١- يجب علينا الاقتراب من دائرة الجذب، من دائرة {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا}.. وأيام محرم أيام عزاء سيد الشهداء، هي نعمَ الفرصة للاقتراب من تلك الدائرة..

١٢- إن كل حركة نقوم بها، إن كانت منسكاً صريحاً: كالحج، والصلاة.. أو كانت عملاً قربياً: كإحياء ذكر أهل البيت (ع)؛ لابد من ربطها برضا الرب، فهو المعبود الأعظم.. لذلك يجب ربط المجالس الحسينية أيضا بالهدف الأكبر من الخلقة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}.. فكل حركة نقوم بها؛ لابد أن ترتبط هذه الحركة بما يقربنا إلى الله عز وجل.

١٣- بمقدار عظمة العيد، تكون عظمة الجائزة.. وعيد الغدير هو عيد الله الأكبر؛ لأنه يتعلق بأصل من أصول الدين..

١٤- إن مناسبة عيد الغدير تكسب تلك الأهمية الخاصة، لارتباطها بحياة المؤمنين طوال السنة؛ لأنها تثبت أصلا من أصول الدين.. بينما بقية الأعياد، فهي مرتبطة بفروع الدين.. ومن هنا نرى التأكيد الكثير على مثل هذا اليوم العظيم، فهو عيد الله الأكبر!..

١٥- إن من الأمور الملفتة، ربط الأعياد بالعبادات.. فيوم الغدير هو يوم الولاية، ولكن المستحبات في ذلك اليوم، هي: الصلاة بين يدي الله -عز وجل-، والسجود لله شكرا على هذه النعمة!.. وعليه، فإن القضية قضية ولاية، ولكن حتى يوم الولاية إنما هو دعوة للتوحيد..

١٦- لماذا تفكّر ساعة خير من عبادة ستين أو سبعين سنة؟.. هل يعني التفكّر هو أن يجلس الإنسان على البحر ويفكر؟.. لا، لأنه قد يفكّر ولكن لا يصل إلى نتيجة؛ إنما حضور المجالس تعتبر ساعة تفكّر..

١٧- إن من موجبات تثبيت العقيدة وحسن العاقبة، ذكر أهل البيت (ع).. فالذين يحيون مجالس أهل البيت (ع)، ولو بتقديم الشاي للجمهور، هؤلاء كأنه لهم -إن شاء الله- حصانة في يوم ما.. نعم، هذه الخدمة سواء في المساجد أو في المآتم، هؤلاء سيؤخذ بأيديهم في يوم من الأيام.

١٨- إنَّ ما جرى على أهل بيت النبي (ص)، لم يجر على أحد طوال التاريخ، من خلقة آدم إلى قيام الساعة، مصائب شتى ومتنوعة: من قتل الكبير، والصغير، والرضيع، إلى الشيخ الطاعن في السنِّ، إلى سبي النساء.. وكأنّ الله -تعالى- أراد أن يعطي درساً لهذه الأمة، عندما تنحرف عن المسيرة.. هنالك سنة إلهية، ومن لا يعمل بها؛ يعاقب.. مثلا: آدم (ع) ترك الأمر الإلهي بعدم الاقتراب من الشجرة المنهية، وإذا به يطرد من جنة الخلد، ويبتلى بالأرض ومشاكلها.. والله -سبحانه وتعالى- أكمل الدين يوم الغدير {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا}، فوضع عليا (ع) على قمة هرم المسلمين؛ ذلك الذي جمع صفات الكمال، في شتى حقول حياة الأمة.. ولكن الأمة أيضاً اقتربت من الشجرة المنهية، فطردت كذلك.

١٩- إنَّ من آيات الله -عز وجل- في الأنفس، هذا الإقبال الغريب على مجالس عزاء أبي عبد الله الحسين (ع)، المنتشرة في مختلف بقاع الأرض!.. {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ}..

٢٠- إن القلب المحب خير من القلب الذي لا يحب، وإن كانت الجوارح خائنة لهذا القلب.. وينبغي أن نقدر كل حركة حب، وكل حركة تنم عن الحب، ولو كانت الحركة بسيطة ساذجة.. إن بعض الناس في المشاهد المشّرفة، قد يقوم بحركات غير مقبولة بحسب المنطق العقلي، ولكن هذه الحركة الساذجة البسيطة، تكشف عن حالة قلبية، وتنمّ عن حب الطرف المقابل، وإن كانت الحركة في حدّ نفسها حركة غير مقبولة.. فعلينا أن لا نغفل عن المنكَشَف، وإن كان الكاشف بسيطاً.. فهو بمثابة إنسان يأتي بوردة لا يعلم بأنها ذابلة، يقدمها لمريض أو لإنسان، فإن هذا الإنسان لا يؤاخذه على ذبول الوردة.. وإنما يحمده على حركته، وإن كانت هذه الحركة لا قيمة لها بحسب الخارج.

٢١- إن مسألة الحب للذوات المقدسة، بدءاً بذات الربوبية إلى أوليائه الصالحين، من المسائل المشتبهة.. فالإنسان في بعض الأوقات يخلط الأوراق، والشيطان له ميل لأن يستبدل الإنسان الملف الحقيقي بالملف المزيف.. فهناك فرق بين الحب، وبين إبداء الحب.. وأيضا هناك فرق بين الحب، وبين الشوق.. فالذي نلاحظه في عامة الناس، عندما يبدون أشواقهم لرب العالمين في الحج أو العمرة، أو يبدون أشواقهم لأهل البيت (ع) في مجالس فرحهم أو حزنهم، أو عند زيارة مشاهدهم.. فإن هذا يسمى إبداء الشوق، أي أن إنسانا يبدي شوقه للطرف المقابل، ولا ينبغي أن يحسب هذا حباً حقيقياً.. وهناك مرحلة أرقى من ذلك، أي أن الإنسان لا يبدي الأشواق فحسب!.. وإنما يعتقد بكمال المحبوب، وهنالك اعتقاد نظري وفكري على أن المحبوب له كمالات.. هذا أيضاً لا يحسب على الحب.

٢٢- إن هنالك ثلاثة تكاليف في ذكرى ولادة واستشهاد كل معصوم: مشاركتهم أحزانهم وأفراحهم؛ أي نعيش الحالة الشعورية.. والإحاطة بشيء من سيرتهم، من خلال القراءة وغيرها.. والتأسي بهم.

٢٣- إن مجالس أهل البيت (ع)، مشمولة بدعوة الإمام الصادق (ع)، تلك الدعوة التي لا ترد.. الإنسان المؤمن لا ترد دعوته، فكيف بإمام من أئمة أهل البيت (ع)، فهو يقول: (رحم الله من أحيا أمرنا)!.. رحم: فعل ماض، ويقال في اللغة العربية: إن استعمال الفعل الماضي، يكون في مواضع تحقق الوقوع، كقوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}.. في هذا التعبير الإمام (ع) يريد أن يثبت هذه الحقيقة، بأن هذه المجالس مجالس مرحومة.

٢٤- إن هناك شروطاً لحضور المجالس الحسينية، فهذه المجالس هي مجالس عبادة وذكر، لذا يستحب للمؤمن ألا يدخل المجلس إلا وهو متوضئ، وفي حال توجه.. -وكما أُمرنا أن نقدّم صدقات بين يدي رسول الله- فليحاول المؤمن أن يقدم هدية إلى النبي وآله، وإلى أصحاب الحسين (ع)، فمثلاً: ليلة العباس (ع) عندما يذهب إلى المجلس وفي الطريق، فليكثر من الصلاة على محمد وآله، بنية أن تصل هذه الهدية القيمة إلى روحه (ع).

٢٥- إن المودة تنعكس على شكل حركة مادية.. ومن أفضل أنواع إظهار المودة لنبي الله (ص) وآله الأطهار، هو أن نقيم ذكرى احتفالهم في هذه المناسبات.. فالدول بعد الحروب تجعل مزاراً لشهداء المعارك، وتنصب نصباً تذكارياً للذي لا أثر له.. فهذا شأن الأمم، في تجسيد المعاني الشعورية والباطنية، على شكل حركة تذكارية مادية.

٢٦- يقول الإمام (ع): (رحم الله من أحيا أمرنا)!.. فكل إنسان في بيته، وفي متجره، وفي معمله، مطالبٌ بأن يُحيي هذا الأمر.. فالإسلام له أحكامه في التجارة، وله أحكامه في الأسرة، وله أحكامه في الجهاد، وله أحكامه في التعليم، وله أحكامه مع الأولاد.. نعم، فالذي يريد أن يُحيي ذكر الإمام الصادق (ع)، عليه أن يلتزم بهذه المراحل في شتى أبعاد حياته!..

٢٧- لدينا أربع عشرة محطة ميلاد وثلاث عشرة محطة وفاة، بالنسبة للمعصومين (ع)، وهذه المحطات محطات جيدة وثرية للاستزادة منها.. ولا يخلو شهر من شهور السنة إلا وفيها مناسبة: إما مناسبة استشهاد معصوم، أو مناسبة ميلاد معصوم.. وفي شهر ربيع الأول نعيش أرقى المناسبات وأعظمها، وهي مناسبة ميلاد النبي الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم-.. ففي مثل هذه المناسبات -بالإضافة إلى العواطف: البكاء حزناً، أو الفرح سروراً- من المناسب جداً أن نحاول الإلمام بسيرة المعصومين (ع).

٢٨- إن التأثر الشعوري بمصائب أهل البيت (ع) في مختلف المناسبات، من مصاديق التولي، وإحياء الأمر، ومودة ذوي القربى.. وهذه العناوين لها دورها الحاسم في التسديد والمباركة، بشرط الالتزام بحالة التأسي التي يفترضها الولاء والمحبة الصادقة.. مما لا شك فيه أن هذا التأثر -وخاصة العميق منه- لا يأتي من الفراغ، بل هو كاشف عن نوع ارتباطٍ وتجانسٍ مع تلك الأرواح الطاهرة.. ومن المناسب أن نؤكد في هذا المجال، أن لا ينتظر الإنسان المواسم أو المجالس التي تحرك الإنسان في هذا المجال، بل يبتكر الأساليب المؤثرة في إثارة العواطف وخاصة في الخلوات.

٢٩- من الممكن أن يحيي الإنسان ذكر أهل البيت بطريقة معينة، ولكنّ هناك طرقاً أفضل وأشد تأثيراً في النفوس؛ هذه الطريقة المثلى أو الفضلى أو الأشد تأثيراً؛ هي المطلوبة منا في إحياء ذكرهم.. ولا مانع في كل عصر، أن نبتكر وأن نستحدث الوسائل، من أجل نشر تراثهم.. من نعم الله -عز وجل- على أهل هذا القرن: أن سخر لهم هذه التقنية، التي بها نبّث معارف أهل البيت (ع) من خلال أمواج الفضاء، التي تنتشر في كل أرجاء المعمورة.

٣٠- إن المجالس الحسينية تعد وسيلة، لنشر وتعريف الحركة الحسينية للأمة.

٣١- إن الشارع المقدس في طريقته، يعطي العموميات والكليات.. فهو قد طلب منا المودة في القربى، والحزن لحزنهم، والفرح لفرحهم.. ولا شك في أن إبداء هذه المعاني، ليس حكراً على البكاء فقط، فلكل زمان وعصر ولكل بيئة طريقتها.. ولا يعني ذلك أن هذه المظاهر تعد بدعة، بل إنه ينبغي الابتكار في الأساليب المؤثرة، مع الاحتفاظ ببعض الأمور التقليدية.. ومن مصاديق العزاء الحسيني: الأفلام، والتمثيليات، والمواكب العزائية.. فهذه الأساليب كانت مؤثرة في الوجدان الشيعي طوال التأريخ.

٣٢- إن مجالس أبي عبد الله الحسين (ع) لا تقتصر على مسألة الدمعة، فهنالك عنصر الاستفادة العلمية، والتأثر الفكري بما يقوله الخطيب، واستيعاب الدروس من هذه الثورة المباركة.. وبالنسبة لحالة الرقة القلبية، ينبغي التفريق بين مسألة الرقة، ومسألة الدمعة.. فالإنسان من الممكن أن يرق قلبه، وينكسر فؤاده.. ولكن لعوامل صحية، يعيش حالة من حالات الجفاف الدمعي.. وعليه، فإنه يكفي في هذه الحالة الرقة الباطنية والتباكي.. أما إذا كان السبب هي الذنوب والمعاصي، فعليه أن يعاهد رب العالمين، بأن يكون من خريجي المدرسة العاشورائية، بالإقلاع عن كل ذلك.. ولنعلم أن من علامات قبول العزاء هو الخروج بهذه الثمرة.

٣٣- إن المجالس الحسينية هي مجالس مفتوحة لكل المسلمين، وهي أرضية ثرية خصبة للثقافة الدينية في مختلف حقولها: تفسيراً، وسيرة، وفقهاً، وعرفاناً، وغير ذلك من حقول المعرفة.. إن الإمام الحسين (ع) هو حفيد النبي (ص)، ومصادر المسلمين ثرية بما ورد في فضل البكاء عليه (ع).. فلماذا نجد هذا التأثر من غير المسلم الذي لا يعتقد بالدين، في حين أنهم أولى بذلك؟!.. لنحاول إيصال هذا الفكر للطرف المقابل، بأسلوب هادئ موضوعي، بعيداً عن الجدال العقيم.. وعلى كلٍّ فإن هذه الوسائل التثقيفية الهائلة اليوم، أكملت الحجة على جميع المتصدين لعالم التثقف والفهم في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى