سيرة الإمام علي (عليه السلام)

أمير المؤمنين عليه السلام | المرحلة الثانية : من البعثة الى الهجرة | 052

على النهج القويم لتربية كلّ تلك الجموع الغفيرة التربية الإسلاميّة الدقيقة المشتملة لكلّ جوانب الحياة، كما أنّ عدداً من شخصيات قريش دخلوا الإسلام عن رهبة وليس عن رغبة، إذ لم يكن أمامهم خيار آخر غير التسليم للأمر الواقع، كما وأنّ بعض العادات والأفكار الجاهلية ما كانت لتزول إلاّ بعد مدة طويلة لعمق تأصّلها في النفوس، منها عادة الإنتقام والعصبية القبلية، وكذلك لم تترسّخ بعد العقيدة الإسلاميّة في نفوس جميع المسلمين، ومصداق هذا قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا…)(1).
بالرغم من كلّ ذلك فإنّ الاُمّة الإسلاميّة كانت ـ وقتئذ ـ تشكّل أفضل نموذج للاُمم في تأريخ الإنسان على الإطلاق، فلم يشهد التأريخ اُمّة بلغت في مناقبها وفضائلها وقوّة إرادتها وشجاعتها وصبرها وجلالتها وتضحيتها ما بلغته هذه الاُمّة العظيمة حينما خلفها رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)).
والذي يُطالع تأريخ الذين عاشوا مع النبيّ ((صلى الله عليه وآله وسلم)) تبهره الأنوار الساطعة لدورهم في المجال الروحي والفكري والجهادي والتضحية في سبيل العقيدة، ولكن عند الفحص الدقيق نجد أنّ دورهم وفاعليتهم هذه لم تكن نتيجة وضع معمّق في ضمير الاُمّة تعيشه في أبعادها الفكرية والنفسية، بل يمكن أن نقول: إنّه كان نتيجة طاقة هائلة اكتسبتها هذه الاُمّة بإشعاع النبيّ ((صلى الله عليه وآله وسلم)) على هذه الاُمّة من خلال وجوده بينها(2).
ويمكن لنا أن نميّز في حركة الاُمّة بين الوعي والطاقة، فالوعي عبارة عن الفهم الفعّال الإيجابي المحقّق للإسلام في نفس الاُمة والّذي يتأصّل ويستأصل جذور المفاهيم الجاهلية السابقة استئصالاً كاملاً، ويحوّل تمام

(1) الحجرات: 49 / 14.
(2) أئمّة أهل البيت ((عليه السلام)) تنوّع أدوار ووحدة هدف، الشهيد الصدر: ص87.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى