التقية

التقية | المقام الرابع

التقية | المقام الرابع

في ترتب آثار الصحة على العمل الصادر تقية لا من حيث الاعادة والقضاء، سواء كان العمل من العبادات كالوضوء من جهة رفع الحدث، أم من المعاملات كالعقود والايقاعات الواقعة على وجه التقية. فنقول: إن مقتضى القاعدة عدم ترتب (1) الآثار، لما عرفت غير مرة من أن أوامر التقية لا تدل على أزيد من وجوب التحرز عن الضرر، وأما الآثار المترتبة على العمل الواقعي فلا. نعم، لو دل دليل في العبادات على الاذن من امتثالها على وجه التقية، فقد عرفت أنه يستلزم سقوط الاتيان به ثانيا بذلك العمل. وأما الآثار الاخر – كرفع الحدث في الوضوء بحيث لا يحتاج المتوضئ تقية إلى وضوء آخر بعد رفع التقية بالنسبة إلى ذلك العمل الذي توضأ له – فإن كان ترتبه متفرعا على ترتب الامتثال بذلك العمل حكم بترتبه، وهو واضح، أما لو لم يتفرع عليه احتاج إلى دليل آخر. ويتفرع على ذلك ما يمكن أن يدعى أن رفع الوضوء للحدث السابق عليه من الآثار امتثال الامر به، بناء على أن الامر بالوضوء ليس إلا لرفع الحدث، وأما وضوء دائم الحدث فكونه مبيحا لا رافعا من جهة دوام الحدث، لا من جهة قصور الوضوء عن التأثير. وربما يتوهم أن ما تقدم من الاخبار الواردة في أن كل ما يعمل للتقية فهو جائز وأن كل شئ يضطر إليه للتقية فهو جائز، يدل على ترتب الآثار مطلقا، بناء على أن معنى الجواز والمنع في كل شئ بحسبه. فكما أن الجواز والمنع في الافعال المستقلة في الحكم كشرب النبيذ ونحوه

(1) في (ط) ترتيب.

يراد به الاثم والعدم، وفي الامور الداخلة في العبادات فعلا أو تركا يراد به الاذن والمنع من جهة تحقق الامتثال بتلك العبادات، فكذلك الكلام في المعاملات، بمعنى عدم البأس، وثبوته من جهة ترتب الآثار المقصودة من تلك المعاملة، كما في قول المشهور: تجوز المعاملة الفلانية أو لا تجوز. وهذا توهم مدفوع بما لا يخفى على المتأمل. ثم لا بأس بذكر بعض الاخبار الواردة مما اشتمل (1) على بعض الفوائد. منها: ما عن الاحتجاج (2) بسنده عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه في بعض احتجاجه على بعض، وفيه: ” وآمرك أن تستعمل التقية في دينك، فإن الله عز وجل يقول: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة) (3) وقد أذنت لك في تفضيل أعدائنا إن ألجأك الخوف إليه، وفي إظهار البراءة إن { حملك الوجل { (4) عليه، وفي ترك الصلوات المكتوبات إن خشيت على حشاشتك الآفات والعاهات، { فإن تفضيلك { (5) أعدائنا عند خوفك لا ينفعهم ولا يضرنا، وإن إظهار براءتك عند تقيتك لا يقدح فينا (6)، { ولئن تبرأت منا { (7) ساعة بلسانك وأنت موال لنا

(1) أي: البعض من الاخبار. (2) الاحتجاج على أهل اللجاج، فيه احتجاجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهم السلام وبعض الصحابة وبعض العلماء. وهو تأليف أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، عالم فاضل محدث ثقة، توفي في أوائل القرن السادس. لؤلؤة البحرين: 341، الذريعة 1 / 281. (3) آل عمران 3 / 28. (4) في (ط) و (ك): حمل الرجل، والمثبت من المصدر. (5) في (ط) و (ك): وتفضيلك، والمثبت من المصدر. (6) في المصدر: ولا ينقصنا. (7) في (ط) و (ك): ولا تبرأ منا، والمثبت من المصدر.

بجنانك { لتبقي { (1) على نفسك روحها التي بها قوامها ومالها الذي به قيامها وجاهها الذي به تمكنها وتصون بذلك من عرف من أوليائنا (2) وإخواننا (3)، فإن ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك وتنقطع به عن عمل الدين (4) وصلاح إخوانك المؤمنين، وإياك إياك أن تترك التقية التي أمرتك بها، فإنك شاحط (5) بدمك ودماء إخوانك، متعرض لنفسك ولنفسهم (6) للزوال، مذل { لك و { (7) لهم في أيدي أعداء الدين، وقد أمرك الله باعزازهم، فإنك إن خالفت وصيتي كان ضررك على إخوانك ونفسك أشد من ضرر الناصب لنا الكافر بنا ” (8). وفيها دلالة على أرجحية اختيار البراءة على العمل، بل تأكد وجوبه. لكن في أخبار كثيرة، بل عن المفيد في الارشاد (9): أنه قد استفاض عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ” ستعرضون من بعدي على سبي فسبوني،

(1) في (ط) و (ك): لتتقي، والمثبت من المصدر. (2) في المصدر: وتصون من عرف بذلك وعرفت به من أوليائنا. (3) في المصدر: واخواننا من بعد ذلك بشهور وسنين إلى أن يفرج الله تلك الكربة وتزول به تلك الغمة. (4) في (ط) و (ك): في الدين، ولم يرد لفظ ” في ” في المصدر. (5) في المصدر: شائط. (6) في المصدر: لنعمتك ونعمهم. (7) زيادة من المصدر. (8) الاحتجاج 1 / 239، باب احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام. (9) كتاب الارشاد في معرفة حجج الله على العباد، فيه تواريخ الائمة الطاهرين الاثني عشر عليهم السلام، والنصوص عليهم، ومعجزاتهم، وطرف من أخبارهم، من ولادتهم ووفياتهم، ومدة أعمارهم، وعدة من خواص أصحابهم. وهو تأليف أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، المعروف بالشيخ المفيد، عالم عامل جليل القدر، فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية وغيرها، توفي في بغداد سنة 413 ه‍ وقيل: 414 ه‍. رجال النجاشي: 399، الذريعة 1 / 509.

ومن عرض عليه البراءة فليمدد عنقه، فإن برأ مني فلا دنيا له ولا آخرة ” (1). وظاهرها حرمة التقية فيها كالدماء، ويمكن حملها على أن المراد الاستمالة والترغيب إلى الرجوع حقيقة عن التشيع إلى النصب. مضافا إلى أن المروي في بعض الروايات أن النهي من التبري مكذوب على أمير المؤمنين وأنه لم ينه عنه. ففي موثقة مسعدة بن صدقة: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن الناس يروون أن عليا عليه السلام قال على منبر الكوفة: أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني، ثم تدعون إلى البراءة فلا تبرؤا مني، فقال عليه السلام: ” ما أكثر ما يكذب الناس على علي عليه السلام، ثم قال: إنما قال: ستدعون إلى سبي فسبوني، ثم تدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يقل لا تبرؤا مني ” فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ فقال: ” والله ما ذاك عليه ولا له، إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر (2) حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان، فانزل الله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) (3) فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندها: يا عمار إن عادوا فعد ” (4).

(1) الارشاد: 169، وفيه: “…. فإن عرض عليكم البراءة مني فلا تبرؤا مني، فإني ولدت على الاسلام، فمن عرض عليه البراءة مني فليمدد عنقه، فمن تبرأ مني فلا دنيا له ولا آخرة “. (2) قال المير داماد: هو أبو اليقظان، سماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالطيب ابن الطيب، شهد بدرا ولم يشهدها ابن من المؤمنين غيره، وشهد احدا والمشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والجمل وصفين مع أمير المؤمنين عليه السلام، وقتل بصفين شهيدا، ودفن هناك سنة 37 ه‍ وهو ابن 93. تعليقة اختيار معرفة الرجال – المطبوعة بهامشه – 1 / 126. (3) النحل 16 / 106. (4) الكافي 2 / 173 حديث 10 باب التقية.

وفي رواية محمد بن مروان (1) قال: { قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ” ما منع ميثم (2) رحمه الله من التقية { (3) فوالله لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه (إلا من أكره وقلبه) الآية (4). { وفي رواية عبد الله بن عطاء قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: رجلان من أهل الكوفة اخذا، فقيل لهما: ابرءا من أمير المؤمنين { (5)، فتبرأ واحد منهما وأبى الآخر، فخلي سبيل الذي تبرأ وقتل الآخر، فقال عليه السلام: ” أما الذي تبرأ فرجل فقيه في دينه، وأما الذي لم يتبرأ فرجل تعجل إلى الجنة ” (6). وعن كتاب الكشي (7) بسنده إلى يوسف بن عمران الميثمي (8) قال:

(1) هو محمد بن مروان الكلبي، يروي عن أبي عبد الله عليه السلام، ويروي عنه جميل بن صالح وجميل بن دراج والحكم بن مسكين وغيرهم. جامع الرواة: 190. (2) هو ميثم بن يحيى التمار الكوفي الاسدي بالولاء، من خواص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وهو أول من الجم في الاسلام، كان عبدا لامرأة من بني أسد فاشتراه أمير المؤمنين عليه السلام وأعتقه، حبسه عبيد الله بن زياد لصلته بأمير المؤمنين عليه السلام، ثم أمر به فصلب على خشبة، فجعل يحدث بفضائل بني هاشم، فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد، فقال: الجموه، فاستشهد سنة 60 بعد قطع يديه ورجليه بأمر ابن مرجانة كما أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام. الذريعة 4 / 317، اعلام الزركلي 7 / 336. (3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ط) و (ك) وأثبتناه من المصدر. (4) الكافي 2 / 174 حديث 15 باب التقية، النحل 16 / 106. (5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ط) و (ك) وأثبتناه من المصدر. (6) الكافي 2 / 175 حديث 21 باب التقية. (7) كتاب الكشي اسمه: معرفة الناقلين عن الائمة الصادقين عليهم السلام، وكانت فيه أغلاط كثيرة فهذبه الشيخ الطوسي وسماه اختيار معرفة الرجال. وهو لابي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي، ثقة عينا، صحب العياشي وأخذ عنه وتخرج عليه. رجال النجاشي: 372، الذريعة 1 / 365، 21 / 261. (8) هو يوسف بن عمران الميثمي، روى عن ميثم النهرواني وروى عنه علي بن محمد. =

سمعت ميثم النهرواني (1) يقول: قال علي بن أبي طالب عليه السلام: ” يا ميثم كيف أنت إذا دعاك دعي بني أمية عبيد الله بن زياد (2) إلى البراءة مني؟ ” فقلت: يا أمير المؤمنين أنا والله لا أبرأ منك، قال: ” إذا والله يقتلك ويصلبك ” قال: قلت: أصبر فإن ذلك في الله قليل، قال عليه السلام: ” يا ميثم فاذن تكون معي في روضتي ” (3).

اختيار معرفة الرجال 1 / 295 حديث 139، معجم رجال الحديث 20 / 174. (1) في (ك) و (ط): الهرواني، والمثبت هو الصحيح. (2) هو عبيد الله بن زياد بن أبيه بن مرجانة، ولد بالبصرة وكان مع والده لما مات بالعراق، ولاه معاوية خراسان ثم البصرة، ولما هلك معاوية أقره يزيد على امارته، ثم أمره على عسكره لقتال الامام الحسين عليه السلام، فكانت الفاجعة العظمى بشهادة الامام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه رضوان الله عليهم على يد عبيد الله بن زياد، وهلك ابن زياد على يد إبراهيم الاشتر في خازر من أرض الموصل. اعلام الزركلي 4 / 193 بتصرف. (3) اختيار معرفة الرجال 1 / 295 حديث 139، وفيه بدل لفظ روضتي: درجتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى