Uncategorizedالتقية

التقية | المقام الثالث

في حكم الاعادة والقضاء إذا كان المأتي به تقية من العبادات. فنقول: إن الشارع إذا أذن في إتيان واجب موسع على وجه التقية – إما بالخصوص كما لو أذن في الصلاة متكتفا حال التقية، وإما بالعموم كأن يأذن بإمتثال أوامر الصلاة أو مطلق العبادات على وجه التقية، كما هو الظاهر من أمثال قوله عليه السلام: ” التقية في كل شئ إلا في النبيذ والمسح على الخفين ” (1) ونحوه (2) – ثم ارتفعت التقية قبل خروج الوقت، فلا ينبغي الاشكال في إجزاء المأتي به وإسقاطه، للامر، كما تقرر في محله: من أن الامر بالكلي كما يسقط بفرده الاختياري كذلك يسقط بفرده الاضطراري إذا تحقق الاضطرار الموجب للامر به، فكما أن الامر بالصلاة يسقط بالصلاة مع الطهارة المائية كذلك يسقط مع الطهارة الترابية إذا وقعت على الوجه المأمور به. أما لو لم يأذن في امتثال الواجب الموسع في حال التقية خصوصا أو عموما على الوجه المتقدم، فيقع الكلام في أن الوجوب في الواجب الموسع هل يتعلق بإتيان هذا الفرد المخالف للواقع بمجرد تحقق التقية في جزء من الوقت، بل في مجموعه؟ وبعبارة أخرى: الكلام في أنه هل يحصل من الاوامر المطلقة بضميمة أوامر التقية أمر بامتثال الواجبات على وجه التقية أو لا؟ بل غاية الامر سقوط الامر عن المكلف في حال التقية ولو استوعب الوقت. والتحقيق: أنه يجب الرجوع في ذلك إلى أدلة تلك الاجزاء والشروط المتعذرة لاجل التقية.

(1) الكافي 2 / 172 حديث 2 باب التقية. (2) انظر: وسائل الشيعة 11 / 467 باب 25 من أبواب الامر بالعروف والنهي عن المنكر.

فإن اقتضت مدخليتها في العبادة من دون فرق بين الاختيار والاضطرار، فاللازم الحكم بسقوط الامر عن المكلف حين تعذرها لاجل التقية ولو في تمام الوقت، كما لو تعذرت الصلاة في تمام الوقت إلا مع الوضوء بالنبيذ، فإن غاية ذلك سقوط الامر بالصلاة رأسا لاشتراطها بالطهارة بالماء المطلق المتعذرة في الفرض، فحاله كحال فاقد الطهورين. وإن اقتضت مدخليتها في العبادة بشرط التمكن منها دخلت المسألة في مسألة اولي الاعذار: في أنه إذا استوعب العذر الوقت لم يسقط الامر رأسا، وإن كان في جزء من الوقت – مع رجاء زواله في الجزء الآخر، أو مع عدمه – جاء فيه الخلاف المعروف في اولي الاعذار، وأنه هل يجوز لهم البدار أم يجب عليهم الانتظار. فثبت من جميع ما ذكرنا أن صحة العبادة المأتي بها على وجه التقية تتبع إذن الشارع في امتثالها حال التقية. والاذن متصور بأحد أمرين: أحدهما: الدليل الخارجي الدال على ذلك، سواء كان خاصا بعبادة أو كان عاما لجميع العبادات. والثاني: فرض شمول الاوامر العامة بتلك العبادة لحال التقية. لكن يشترط في كل منهما بعض ما لا يشترط في الآخر: فيشترط في الثاني كون الشرط أو الجزء المتعذر للتقية من الاجزاء والشرائط الاختيارية، وأن لا تكون للمكلف مندوحة: بأن لا يتمكن من الاتيان بالعمل الواقعي في مجموع الوقت، أو في الجزء الذي يوقعه مع اليأس من التمكن منه فيما بعده أو مطلقا على التفصيل والخلاف في اولي الاعذار، وهذان الامران غير معتبرين في الاول، بل يرجع فيه إلى ملاحظة ذلك الدليل الخارجي، وسيأتي أن الدليل الخارجي الدال على الاذن في التقية في الاعمال لا يعتبر فيه شئ منهما. ويشترط في الاول أن تكون التقية من مذهب المخالفين، لانه المتيقن من الادلة الواردة في الاذن في العبادات على وجه التقية، لان المتبادر التقية من مذهب المخالفين، فلا يجري في التقية عن الكفار أو ظلمة الشيعة، لكن في رواية مسعدة بن صدقه (1) الآتية ما يظهر منه عموم الحكم لغير المخالفين (2)، مع كفاية عمومات التقية في ذلك، بعد ملاحظة عدم اختصاص التقية في لسان الائمة صلوات الله عليهم بالمخالفين، لما يظهر بالتتبع في أخبار التقية التي جمعها في الوسائل (3). وكذا لا إشكال في التقية عن غير مذهب المخالفين، مثل التقية في العمل على طبق عمل عوام المخالفين الذين لا يوافق مذهب مجتهدهم، بل وكذا التقية في العمل على طبق الموضوع الخارجي الذي اعتقدوا تحققه في الخارج مع عدم تحققه في الواقع، كالوقوف بعرفات يوم الثامن والافاضة منها ومن المشعر يوم التاسع موافقا للعامة إذا اعتقدوا رؤية هلال ذي الحجة في الليلة الاخيرة من ذي القعدة.

(1) هو: أبو محمد أو أبو بشر مسعدة بن صدقة العبدي أو العسيدي، له كتب، روى عنه هارون بن مسلم، وهو إما تبري أو عامي. رجال ابن داود: 188 و 278، نقد الرجال: 343. (2) راجع: هامش (5) من صفحة (58). (3) الوسائل 11 / 459 – 483، من باب 24 إلى باب 32 من أبواب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. والوسائل هو أحد الجوامع المتأخرة الكبرى، واسمه تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ويقال له الوسائل تخفيفا. وهو تأليف الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي المشغري، عالم عامل محدث جليل القدر، توفى سنة 1104، ودفن في الصحن المطهر للامام الرضا عليه السلام، وله مقبرة تزار وتقصد لحد الآن. هدية الاحباب: 123، الوسائل 4 / 352.

فإن الظاهر خروج هذا عن منصرف أدلة الاذن في ارتفاع الاعمال على وجه التقية لو فرضنا هنا إطلاقا، فإن هذا لا دخل له في المذهب، وإنما هو اعتقاد خطأ في موضوع خارجي. نعم، العمل على طبق الموضوعات العامة الثابتة على مذهب المخالفين داخل في التقية عن المذهب، فيدخل في الاطلاق لو فرض هناك إطلاق، كالصلاة عند اختفاء الشمس، لذهابهم إلى أنه هو المغرب. ويمكن إرجاع الموضوع الخارجي أيضا في بعض الموارد إلى الحكم، مثل ما إذا حكم الحاكم بثبوت الهلال من جهة شهادة من لا تقبل شهادته إذا كان مذهب الحاكم القبول، فإن ترك العمل بهذا الحكم قدح في المذهب، فيدخل في أدلة التقية. وكيف كان ففي هذا الوجه لا بد من ملاحظة إطلاق دليل الترخيص لاتيان العبادة على وجه التقية وتقييده والعمل على ما يقتضيه الدليل. وأما في الوجه الثاني، فهذا الشرط غير معتبر قطعا، لان مبناه على العمل المخالف للواقع من جهة تعذر الواقع، سواء كان تعذره للتقية من مخالف أو كافر أو موافق، وسواء كان في الموضوع أم في الحكم. كل ذلك لان المناط في مسألة اولي الاعذار العذرية، من غير فرق بين الاعذار. بقي الكلام: في اعتبار عدم المندوحة الذي اعتبرناه في الوجه الثاني. فإن الاصحاب فيه بين غير معتبر له، كالشهيدين (1) والمحقق

(1) مرت ترجمة الشهيد الاول، وهو صاحب كتاب البيان الذي نقل عنه هنا، وكتاب البيان في الفقه خرج منه الطهارة والصلاة والزكاة والخمس وأول الاركان الاربعة من الصوم فيما يجب الامساك عنه. وأما الشهيد الثاني فهو: الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد بن محمد العاملي، عالم كبير من أعيان هذه الطائفة ورؤسائها وأعاظم فضائلها وثقاتها، له عدة مؤلفات، منها: روض الجنان في شرح إرشاد =

الثاني (1) في البيان (2) والروض (3) وجامع المقاصد (4). وبين معتبر له، كصاحب المدارك (5). وبين مفصل، كما عن المحقق الثاني: بأنه إذا كان متعلق التقية مأذونا فيه بخصوصه كغسل الرجلين في الوضوء والتكتف في الصلاة، فإنه إذا فعل على الوجه المأذون فيه كان صحيحا مجزيا، وإن كان للمكلف مندوحة، التفاتا إلى أن الشارع أقام ذلك مقام المأمور به حين التقية، فكان الاتيان به امتثالا، وعلى هذا فلا تجب الاعادة وإن تمكن من فعله على غير وجه التقية قبل خروج الوقت. قال: ولا أعلم خلافا في ذلك بين الاصحاب. وأما إذا كان متعلقها مما لم يرد فيه نص بالخصوص، كفعل الصلاة إلى غير القبلة والوضوء بالنبيذ ومع الاخلال بالموالاة فيجف الوضوء كما يراه بعض =

الاذهان، وهو شرح مزجي خرج منه مجلد في الطهارة والصلاة، استشهد مظلوما سنة 966 ه‍. لؤلؤة البحرين: 28، الذريعة 3 / 174 و 11 / 275. (1) هو: الشيخ نور الدين علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي، ويعرف بالمحقق الثاني، شيخ الطائفة وعلامة وقته صاحب التحقيق والتدقيق، له عدة مؤلفات، منها: جامع المقاصد في شرح القواعد، وهو شرح مبسوط خرج منه ست مجلدات مع أنه لم يتجاوز مبحث تفويض البضع من كتاب النكاح، توفي سنة 940 في النجف. نقد الرجال: 238، هدية الاحباب: 236، الذريعة 5 / 72. (2) البيان: 10. (3) روض الجنان: 37. (4) جامع المقاصد 1 / 222. (5) المدارك: 33. وكتاب مدارك الاحكام في شرح عبارات شرائع الاسلام في الفقه، خرج منه العبادات إلى آخر كتاب الحج في ثلاث مجلدات. وهو تأليف السيد محمد بن علي بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي، عالم عامل زاهد صاحب تأليفات وتحقيقات قيمة، توفي سنة 1009 ه‍. هدية الاحباب: 119، الذريعة 20 / 239.

العامة، فإن المكلف يجب عليه إذا اقتضت الضرورة موافقة أهل الخلاف فيه وإظهار الموافقة لهم، ثم إن أمكن له الاعادة في الوقت وجب، ولو خرج الوقت ينظر في دليل يدل على القضاء، فإن حصل الظفر به أوجبناه، وإلا فلا، لان القضاء إنما يجب بفرض جديد، انتهى. ثم نقل عن بعض اصحابنا القول بعدم وجوب الاعادة، لكون المأتي به شرعيا. ثم رده: بأن الاذن في التقية من جهة الاطلاق لا يقتضي أزيد من إظهار الموافقة مع الحاجة (1)، انتهى. أقول: ظاهر قوله في المأذون بالخصوص لا تجب فيه الاعادة وإن تمكن من فعله قبل خروج الوقت، أن عدم التمكن من فعله على غير وجه التقية حين العمل معتبر، وأن من كان في سوق وأراد الصلاة وجب عليه مع التمكن الذهاب إلى مكان مأمون فيه. وحينئذ فمعنى قوله قبل ذلك: وإن كان للمكلف مندوحة عن فعله، ثبوت المندوحة بالتأخير إلى زمان ارتفاع التقية، لا وجودها بالنسبة إلى زمان العمل. وحينئذ يكون هذا قولا باعتبار عدم المندوحة على الاطلاق كصاحب المدارك، إذ ليس مراد صاحب المدارك بعدم المندوحة عدم المندوحة في مجموع الوقت، إذ الظاهر أنه مما لم يعتبره أحد، لما سيجئ من مخالفته لظواهر الاخبار، بل لصريح بعضها. ومراد القائل بعدم اعتباره عدم اعتباره في الجزء الذي يقع الفعل فيه، فمن تمكن من الصلاة في بيته مغلقا عليه الباب لا يجب عليه ذلك، بل يجوز له الصلاة تقية في مكانه ودكانه بمحضر المخالفين.

(1) رسائل المحقق الكركي – الرسالة الثامنة في التقية – 2 / 51 و 52.

نعم، لو كان الخلاف في اعتبار عدم المندوحة في تمام الوقت وعدمه، كان ما ذكره المحقق تفصيلا في المسألة. وعلى أي تقدير فيرد على ما ذكره المحقق في القسم الثاني: أنه إن أراد من عدم ورود نص بالخصوص في الاذن في متعلق التقية: عدم النص الموجب للاذن في امتثال العمل على وجه التقية. ففيه: أنه لا دليل حينئذ على مشروعية الدخول في العمل المفروض امتثالا للاوامر المطلقة المتعلقة بالعمل الواقعي، لان الامر بالتقية لا يستلزم الاذن في امتثال تلك الاوامر، لان التحفظ عن الضرر إن تأدى بترك ذلك العمل رأسا – بأن يترك الصلاة في تلك الحال – وجب، ولا يشرع الدخول في العمل المخالف للواقع بعد تأدي التقية بترك الصلاة رأسا، وإن فرضنا أن التقية ألجأته إلى الصلاة ولا تتأدى بترك الصلاة كانت الصلاة المذكورة واجبة عينا، لانحصار التقية فيها، فهي امتثال لوجوب التقية عينا لا للوجوب الموسع المتعلق بالصلاة الواقعية. وإن أراد به: عدم النص الدال على الاذن في هذه العبادة بالخصوص، وإن كان هناك نص عام دال على الاذن في إمتثال أوامر مطلق العبادات على وجه التقية. ففيه: أن هذا النص كما يكفي للدخول في العبادة امتثالا للأمر المتعلق بها، كذلك يوجب موافقة الاجزاء وعدم وجوب الاعادة في الزمن الثاني إذا ارتفعت التقية. والحاصل: أن الفرق بين كون متعلق التقية مأذونا فيه بالخصوص أو بالعموم لا يفهم (1) له وجه، كما اعترف به بعض، بل كلما يوجب الاذن في

(1) في (ط): لا نفهم.

الدخول في العبادة امتثالا لاوامرها كان امتثاله موجبا للاجزاء وسقوط الاعادة، سواء كان نصا خاصا أو دليلا عاما، وكلما لا يدل على الاذن في الدخول على الوجه المذكور لم يشرع بمجرده الدخول في العبادة على وجه التقية امتثالا لامرها، بل إن انحصرت التقية في الاتيان بها كانت امتثالا لاوامر وجوب التقية لا لاوامر وجوب تلك العبادة. اللهم إلا أن يكون مراده من الامر العام أوامر التقية، ومن وجوب العمل على وجه التقية إذا اقتضت الضرورة هو هذا الوجوب العيني لا الوجوب التخييري الحاصل من الوجوب الموسع، فيكون حاصل كلامه الفرق بين الاذن في العمل إمتثالا للاوامر المتعلقة بالعبادة وبين الاذن في العمل إمتثالا لاوامر التقية. لكن ينبغي حينئذ تقييده بغير ما إذا كانت التقية في الاجزاء والشروط الاختيارية، وإلا فتدخل المسألة في مسألة اولي الاعذار، ويصح الاتيان بالعمل المذكور امتثالا للاوامر المتعلقة بذلك العمل مع تعذر تلك الاجزاء والشرائط لاجل التقية، على الخلاف والتفصيل المذكور في مسألة اولي الاعذار. ومما ذكرنا يظهر أن ما أجاب به بعض عن هذا التفصيل – بأن المسألة مسألة ذوي الاعذار، وأن الحق فيها سقوط الاعادة بعد التمكن من الشرط المتعذر – لا وجه له على إطلاقه. ثم إن الذي يقوى في النظر في أصل مسألة اعتبار عدم المندوحة: أنه إن اريد عدم المندوحة بمعنى عدم التمكن حين العمل من الاتيان به موافقا للواقع – مثل أنه يمكنه عند إرادة التكفير للتقية من الفصل بين يديه: بأن لا يضع بطن أحدهما على ظهر الاخرى، بل يقارب بينهما، وكما إذا تمكن من صبه الماء من الكف إلى المرفق لكنه ينوي الغسل عند رجوعه من المرفق إلى الكف – وجب ذلك ولم يجز العمل على وجه التقية، بل التقية على هذا الوجه غير جائزة في غير العبادات أيضا، وكأنه مما لا خلاف فيه. وإن أريد به عدم التمكن من العمل على طبق الواقع في مجموع الوقت المضروب لذلك العمل – حتى لا يصح العمل تقية إلا لمن لم يتمكن في مجموع الوقت من الذهاب إلى موضع مأمون – فالظاهر عدم اعتباره، لان حمل أخبار الاذن في التقية في الوضوء والصلاة على صورة عدم التمكن من إتيان الحق في مجموع الوقت مما يأباه ظاهر أكثرها، بل صريح بعضها، ولا يبعد أيضا كونه وفاقيا. وإن اريد عدم المندوحة حين العمل من تبديل موضوع التقية بموضوع الامن – كأن يكون في سوقهم ومساجدهم، ولا يمكن في ذلك الحين من العمل على طبق الواقع إلا بالخروج إلى مكان خال أو التحيل في إزعاج من يتقي منه عن مكانه لئلا يراه – فالاظهر في أخبار التقية عدم اعتباره، إذ الظاهر منها الاذن بالعمل على التقية في أفعالهم المتعارفة من دون إلزامهم بترك ما يريدون فعله بحسب مقاصدهم العرفية، أو فعل ما يجب تركه كذلك مع لزوم الحرج العظيم في ترك مقاصدهم ومشاغلهم لاجل فعل الحق بقدر الامكان، مع أن التقية إنما شرعت تسهيلا للامر على الشيعة ورفعا للحرج عنهم، مع أن التخفي عن المخالفين في الاعمال ربما يؤدي إلى اطلاعهم على ذلك، فيصير سببا لتفقدهم ومراقبتهم للشيعة وقت العمل، فيوجب نقض غرض التقية. نعم، في بعض الاخبار ما يدل على اعتبار عدم المندوحة في ذلك الجزء من الوقت وعدم التمكن من رفع موضوع التقية. مثل رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر (1) عن إبراهيم بن

(1) هو: أبو جعفر أو أبو علي أحمد بن محمد بن أبي نصر مولى السكوني المعروف بالبزنطي، كوفي لقي الرضا عليه السلام وكان عظيم المنزلة عنده، وهو ثقة جليل القدر، وكان له اختصاص بأبي الحسن الرضا وأبي جعفر عليهما السلام، أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنه وأقروا له بالفقه، توفي سنة =

شيبة (1) قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين عليه السلام وهو يرى المسح على الخفين، أو خلف من يحرم المسح على الخفين وهو يمسح؟ فكتب عليه السلام: ” إن جامعك وإياهم موضع لا تجد بدا من الصلاة معهم، فأذن لنفسك وأقم، فإن سبقك إلى القراءة فسبح ” (2). فإن ظاهرها اعتبار تعذر ترك الصلاة معهم. ونحوها ما عن الفقه الرضوي (3) من المرسل عن العالم عليه السلام قال: ” ولا تصل خلف أحد إلا خلف رجلين: أحدهما من تثق به وبدينه (4) وورعه، وآخر من تتقي سيفه وسوطه وشره وبوائقه وشنيعته (5)، فصل خلفه على سبيل التقية والمداراة، وأذن لنفسك وأقم واقرء فيها فإنه غير مؤتمن به ” (6) إلى آخره. وفي رواية معمر بن يحيى (7) الواردة في تخليص الاموال عن أيدي =

221 ه‍ بعد وفاة الحسن بن علي بن فضال بثمانية أشهر. خلاصة الاقوال: 13. (1) هو: إبراهيم بن شيبة الاصبهاني، مولى بني أسد، وأصله من قاشان، عده الشيخ الطوسي من أصحاب الامام الجواد عليه السلام وأصحاب الامام الهادي عليه السلام، وعده البرقي من أصحاب الامام الجواد عليه السلام من غير توصيف له بالاصبهاني. رجال البرقي: 56، رجال الشيخ: 398 و 411، معجم رجال الحديث 1 / 235. (2) التهذيب 3 / 226 حديث 807، باختلاف. (3) وهو كتاب اختلف الاصحاب في مؤلفه، فبعض نسبه للامام الرضا عليه السلام، وبعض احتمل كونه ألف بأمر الامام الرضا عليه السلام، وبعض ذهب إلى احتمالات أخر، وعلى كل حال فهو كتاب شامل لاكثر أبواب الفقه. (4) في المصدر: وتدين بدينه. (5) في (ك): وشيعته، وفي المصدر: وشنعه. (6) الفقه المنسوب للامام الرضا عليه السلام: 144 و 145. (7) هو معمر بن يحيى بن سالم العجلي، كوفي عربي صميم ثقة متقدم، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. رجال النجاشي: 425.

العشار (1): ” أنه كلما خاف (2) المؤمن على نفسه فيه ضرورة، فله فيه التقية ” (3). وعن دعائم الاسلام (4) عن أبي جعفر الثامن صلوات الله عليه: ” لا تصلوا خلف ناصب ولا كرامية (5)، إلا أن تخافوا على أنفسكم أن تشهروا ويشار إليكم، فصلوا في بيوتكم ثم صلوا معهم، واجعلوا صلاتكم معهم تطوعا ” (6). ويؤيده العمومات الدالة على أن التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم (7)، فإن ظاهرها حصر التقية في حال الاضطرار، ولا يصدق الاضطرار مع التمكن من تبديل موضوع التقية بالذهاب إلى موضع الامن مع التمكن وعدم الحرج. نعم، لو لزم من التزام ذلك حرج أو ضيق، من تفقد المخالفين وظهور حاله في مخالفتهم سرا، فهذا أيضا داخل في الاضطرار. وبالجملة فمراعاة عدم المندوحة في الجزء من الزمان الذي يوقع فيه الفعل

(1) العشار مأخوذ من التعشير، وهو أخذ العشر من أموال الناس بأمر الظالم، مجمع البحرين 3 / 404 عشر. (2) في (ط): أخاف، والمثبت من (ك) والمصدر. (3) نص الحديث هكذا: عن معمر بن يحيى، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: إن معي بضائع للناس ونحن نمر بها على هؤلاء العشار فيحلفونا عليها فنحلف لهم، قال: ” وددت أني أقدر أن اجيز أموال المسلمين كلها وأحلف عليها، كلما خاف…. ” كتاب النوادر: 73 حديث 154. (4) كتاب دعائم الاسلام في معرفة الحلال والحرام والقضايا والاحكام، يشتمل على الاحاديث المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام. وهو تأليف القاضي أبي حنيفة نعمان بن أبي عبد الله محمد بن منصور بن أحمد بن حيون قاضي مصر من قبل الخليفة الفاطمي معز الدين، وفي مذهبة اختلاف بين العلماء، فبعض ذهب إلى أنه مالكيا ثم استبصر، وبعض طعن فيه، وبعض توقف فيه، توفي سنة 363 أو 367 ه‍. الذريعة 1 / 60، 8 / 197، معجم رجال الحديث 19 / 168. (5) في المصدر: ولا كرامة. (6) دعائم الاسلام 1 / 151 و 152. (7) انظر: الوسائل 11 / 467 باب 25 من أبواب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أقوى، مع أنه أحوط. نعم، تأخير الفعل عن أول وقته لتحقق الامن وارتفاع الخوف مما لا دليل عليه، بل الاخبار بين ظاهر وصريح في خلافه كما تقدم. بقي هنا أمور: الاول: أنك قد عرفت أن صحة العبادة واسقاطها للفعل ثانيا تابع لمشروعية الدخول فيها والاذن فيها من الشارع. وعرفت أيضا أن نفس أوامر التقية الدالة على كونها واجبة من جهة حفظ ما يجب حفظه لا يوجب الاذن في الدخول في العبادة على وجه التقية، من باب امتثال الاوامر المتعلقة بتلك العبادة، إلا فيما كان متعلق التقية من الاجزاء والشروط الاختيارية، كنجاسة الثوب والبدن ونحوها، أما ما اقتضى الدليل ولو باطلاقه مدخليته في العبادة من دون اختصاص بحال الاختيار، فمجرد الامر بالتقية لا يوجب الاذن في امتثال العبادة، فيضمن الفعل الفاقد لذلك الجزء أو الشرط تقية كما هو واضح. ثم أن الاذن المذكور قد ورد في بعض العبادات، كالوضوء مع المسح على الخفين أو غسل الخفين (1)، والصلاة مع المخالف حيث يترك فيها بعض ماله مدخلية فيها وتوجد بعض الموانع مثل التكفير ونحوه (2). والغرض هنا بيان أنه هل يوجد في عمومات الامر بالتقية ما يوجب الاذن في امتثال العبادات عموما على وجه التقية – بحيث لا يحتاج في الدخول في كل عبادة على وجه التقية امتثالا للأمر المتعلق بتلك العبادة إلى النص

(1) انظر: الوسائل 1 / 321 باب 38 من أبواب الطهارة. (2) انظر: الوسائل 5 / 381 باب 5 من أبواب صلاة الجماعة.

الخاص، لتفيد قاعدة كلية في كون التقية عذرا رافعا لاعتبار ما هو معتبر في العبادات وإن لم يختص اعتباره بحال الاختيار، مثل الدخول في الصلاة مع الوضوء بالنبيذ أو مع التيمم في السفر بمجرد عزة الماء ولو كان موجودا – أم لا؟ الذي يمكن الاستدلال به على ذلك أخبار: منها: قوله عليه السلام: ” التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله ” (1). بناء على أن المراد ترخيص الله سبحانه في كل فعل أو ترك يضطر إليه الانسان في عمله. فنقول: مثلا أن الانسان يضطر إلى استعمال النبيذ أو المسح على الخفين أو غسل الرجلين في وضوئه، وإلى استعمال التراب للتيمم في صلاته، وإلى التكفير وترك البسملة، وغير ذلك من الافعال والتروك الممنوعة شرعا في صلاته، فكل ذلك مرخص فيه في العمل، بمعنى ارتفاع المنع الثابت فيها لولا التقية وإن كان منعا غيريا من جهة التوصل بتركها إلى صحة العمل وأداء فعلها (2) إلى فساد العمل. والحاصل أن المراد بالاخلال رفع المنع الثابت في كل ممنوع بحسب حاله من التحريم النفسي كشرب الخمر، والتحريم الغيري كالتكفير في الصلاة والمسح على حائل واستعمال ماء نجس أو مضاف في الوضوء. فإن قلت: الاضطرار إلى هذه الامور الممنوعة تابع للاضطرار إلى الصلاة التي تقع هذه فيها، وحينئذ فإن فرض عدم اضطرار المكلف إلى الصلاة مع أحد هذه الامور الممنوعة فهي غير مضطر إليها، فلا ترخصها التقية، وإن فرض

(1) الكافي 2 / 175 حديث 18 باب التقية. (2) في (ط): فعله.

اضطراره إلى الصلاة معها فهي مرخص فيها، لكن يرجح الترخيص فيها بملاحظة ما دل على كونها مبطلة إلى الترخيص (1) في صلاة باطلة، ولا بأس به إذا { اقتضته { (2) الضرورة، فإن الصلاة الباطلة ليست أولى من شرب الخمر الذي { سوغته { (3) التقية. قلت: لا نسلم توقف الاضطرار إلى هذه الامور على الاضطرار إلى الصلاة التي تقع فيها، بل الظاهر أنه يكفي في صدق الاضطرار إليها كونها لا بد من فعلها مع وصف إرادة الصلاة في تلك الوقت لا مطلقا. نظير ذلك: أنهم يعدون من أولي الاعذار من لا يتمكن من شرط الصلاة في أول الوقت مع العلم أو الظن بتمكنه منه فيما بعده، فإن تحقق الاضطرار ثبت الجواز الذي هو رفع المنع الثابت فيه حال عدم التقية، وهو المنع الغيري. ومنها: ما رواه في أصول الكافي (4) بسنده عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ” التقية في كل شئ إلا في شرب المسكر والمسح على الخفين ” (5). دلت الرواية على ثبوت التقية ومشروعيتها في كل شئ ممنوع لولا التقية، إلا في الفعلين المذكورين، فاستثناء المسح على الخفين مع كون المنع فيه

(1) في (ط): الترخص. (2) في (ط) و (ك) اقتضاه، والمثبت هو الصحيح، للسياق. (3) في (ط) و (ك): سوغه، والمثبت هو الصحيح، للسياق. (4) كتاب الكافي في الحديث من أجل الكتب الاربعة المعتمد عليها، لم يكتب مثله في المنقول من آل الرسول عليهم السلام، وهو على ثلاثة أقسام: الاصول، والفروع، والروضة. وهو تأليف ثقة الاسلام محمد بن يعقوب بن أبي اسحاق الكليني الرازي، ثقة عارف بالاخبار، توفي سنة 328 ببغداد. خلاصة الاقوال: 135، الذريعة 17 / 245. (5) الكافي 2 / 172 حديث 2 باب التقية، وفيه: عن أبي عمر الاعجمي قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: “….. والتقية في كل شئ إلا في النبيذ والمسح على الخفين “.

عند عدم التقية منعا غيريا دليل على عموم الشئ لكل ما يشبهه من الممنوعات لاجل التوصل بتركها إلى صحة العمل، فدل على رفع التقية لمثل هذا المنع الغيري وتأثيرها في ارتفاع أثر ذلك الممنوع منه، فيدل على أن التقية ثابتة في التكفير في الصلاة مثلا، بمعنى عدم كونه ممنوعا عليه فيها عند التقية، وكذا في غسل الرجلين واستعمال النبيذ في الوضوء ونحوهما. وفي معنى هذه الرواية روايات أخر واردة في هذا الباب: مثل قوله عليه السلام: ” ثلاثة لا أتقي فيهن أحدا: المسح على الخفين، وشرب النبيذ، ومتعة الحج ” (1). فإن معناه ثبوت التقية فيما عدا الثلاث من الامور الممنوعة في الشريعة، و رفعها للمنع الثابت فيها بحالها من المنع النفسي والغيري كما تقدم. ثم إن مخالفة ظاهر المستثنى في هذه الروايات لما أجمع عليه – من ثبوت التقية في المسح على الخفين وشرب النبيذ – لا يقدح فيما نحن بصدده. لان ما ذكرنا في تقريب دلالتها على المطلب لا يتفاوت الحال فيه بين إبقاء الاستثناء على ظاهره أو حمله على بعض المحامل، مثل اختصاص الاستثناء بنفس الامام عليه السلام، كما يظهر من الرواية المذكورة، وتفسير الراوي في بعضها الآخر (2)، والتنبيه على عدم تحقق التقية فيها، لوجود المندوحة أو لموافقة بعض الصحابة أو التابعين على المنع من هذه الامور، إلى غير ذلك من المحامل الغير القادحة في استدلالنا المتقدم.

(1) الكافي 3 / 32 حديث 1 باب مسح الخف، الفقيه 1 / 30 حديث 95، التهذيب 1 / 362 حديث 1093، الاستبصار 1 / 76 حديث 236. (2) ففي الكافي والتهذيب والاستبصار: أن زرارة بن أعين قال بعد الحديث السابق: ولم يقل الواجب عليكم ألا تتقوا فيهن أحدا.

ومنها: موثقة سماعة (1) عن الرجل يصلي، فدخل (2) الامام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة الفريضة، قال (3): ” إن كان إماما عادلا فليصل أخرى وينصرف ويجعلها تطوعا وليدخل مع الامام في صلاته كما هو، وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلي ركعة أخرى ويجلس قدر ما يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ان محمدا عبده ورسوله، ثم يتم صلاته معه على ما استطاع، فان التقية واسعة، ولبس إلا وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله ” (4). فإن الامر باتمام الصلاة على ما استطاع مع عدم الاضطرار إلى فعل الفريضة في ذلك الوقت معللا بأن التقية واسعة، يدل على جواز أداء الصلاة في سعة الوقت على جميع وجوه التقية، بل على جواز كل عمل على وجه التقية وإن لم يضطر إلى ذلك العمل، لتمكنه من تأخيره إلى وقت الامن. ومنها: قوله عليه السلام في موثقة مسعدة بن صدقة وتفسير ما يتقى فيه: ” أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على خلاف حكم الحق وفعله ” (5). فكل شئ يعمله المؤمن منهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى فساد الدين فهو جائز، بناء على أن المراد بالجواز في كل شئ بالقياس إلى المنع المتحقق فيه لولا التقية، فيصدق على التكفير في الصلاة الذي يفعله المصلي في محل التقية أنه

(1) هو: سماعة بن مهران بن عبد الرحمن الحضرمي، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، ثقة ثقة، له كتاب يرويه عنه جماعة كثيرة توفي بالمدينة المنورة. رجال النجاشي: 193. (2) في المصدر: فخرج. (3) في (ط) والكافي: من صلاة فريضة فقال. (4) الكافي 3 / 380 حديث 7 باب الرجل يصلي وحده ثم يعيد….، التهذيب 3 / 51 حديث 177، الوسائل 5 / 458 حديث 2 من باب 56 من أبواب صلاة الجماعة. (5) الكافي 2 / 134 و 135 حديث 1 باب فيما يوجب الحق ممن انتحل….

جائز وغير ممنوع عنه بالمنع الثابت فيه لولا التقية. ودعوى أن الداعي على التكفير ليس التقية، لامكان التحرز عن الخوف بترك الصلاة في هذا الجزء من الوقت، فلا يكون عمل التكفير لمكان التقية. مدفوعة بنظير ما عرفت في الرواية الاولى (1): من أنه يصدق على المصلي أنه يكفر لمكان التقية وإن قدر على ترك الصلاة. ومنها: قوله عليه السلام في رواية أبي الصباح (2): ” ما صنعتم { من { (3) شئ أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة ” (4). فيدل على أن المتقي في سعة من الجزء والشرط المتروكين تقية، ولا يترتب عليه من جهتهما تكليف بالاعادة والقضاء، نظير قوله عليه السلام: ” الناس في سعة ما لم يعلموا ” بناء على شموله لما لم تعلم جزئيته أو شرطيته كما هو الحق. الثاني: أنه لا ريب في تحقق التقية مع الخوف الشخصي: بأن يخاف على نفسه أو غيره من ترك التقية في خصوص ذلك العمل، ولا يبعد أن يكتفى بالخوف من بناؤه على ترك التقية في سائر أعماله أو بناء سائر الشيعة على تركها في العمل الخاص أو مطلق العمل النوعي في بلاد المخالفين، وإن لم يحصل للشخص بالخصوص خوف، وهو الذي يفهم من إطلاق أوامر التقية وما ورد من الاهتمام فيها.

(1) راجع هامش (4) من الصفحة السابقة. (2) هو: أبو الصباح الكناني، روى عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليهما السلام، وروى عنه جماعة كثيرة من الرواة. معجم رجال الحديث 21 / 189 و 191. (3) في (ط) و (ك): في، المثبت من المصدر. (4) الكافي 7 / 4420 حديث 15 باب ما لا يلزم من الايمان والنذور، التهذيب 8 / 286 حديث 1052.

ويؤيده، بل يدل عليه إطلاق قوله عليه السلام: ” ليس منا من لم يجعل التقية شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجيته (1) مع من يحذره ” (2). نعم، في حديث أبي الحسن الرضا صلوات الله عليه معاتبا لبعض أصحابه الذين صحبهم: ” إنكم تتقون حيث لا تجب التقية وتتركون حيث لابد من التقية ” (3). وليحمل على بعض ما لا ينافي القواعد. الثالث: أنه لو خالف التقية في محل وجوبها فقد أطلق بعض بطلان العمل المتروك فيه. والتحقيق: أن نفس ترك التقية في جزء العمل أو في شرطه أو في مانعه لا يوجب بنفسه إلا استحقاق العقاب على تركها، فإن لزم عن ذلك ما يوجب بمقتضى القواعد بطلان الفعل بطل، وإلا فلا. فمن مواقع البطلان: السجود على التربة الحسينية مع اقتضاء التقية تركه، فإن السجود يقع منهيا عنه، فيفسد الصلاة. ومن مواضع عدم البطلان: ترك التكفير في الصلاة، فإنه وإن حرم لا يوجب البطلان، لان وجوبه من جهة التقية لا يوجب كونه معتبرا في الصلاة لتبطل بتركه. وتوهم أن الشارع أمر بالعمل على وجه التقية. مدفوع بأن تعلق الامر بذلك العمل المقيد ليس من حيث كونه مقيدا بتلك الوجه، بل من حيث نفس الفعل الخارجي الذي هو قيد اعتباري للعمل

(1) في (ط): سجية له. (2) ونص الحديث كما رواه الشيخ الطوسي بإسناده عن الامام الصادق عليه السلام قال: ” عليكم بالتقية، فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره…. ” امالي الطوسي 1 / 299. (3) الاحتجاج 2 / 441، باب احتجاج الامام الرضا عليه السلام.

لا قيد شرعي. وتوضيحه: أن المأمور به ليس هو الوضوء المشتمل على غسل الرجلين، بل نفس غسل الرجلين الواقع في الوضوء، وتقييد الوضوء باشتماله على غسل الرجلين مما لم يعتبره الشارع في مقام الامر، فهو نظير تحريم الصلاة المشتملة على محرم خارجي لا دخل له في الصلاة. فإن قلت: إذا كان إيجاب الشئ للتقية لا يجعله معتبرا في العبادة حال التقية، لزم الحكم بصحة وضوء من ترك المسح على الخفين، لان المفروض أن الامر بمسح الخفين للتقية لا يجعله جزءا، فتركه لا يقدح في صحة الوضوء، مع أن الظاهر عدم الخلاف في بطلان الوضوء. قلت: ليس الحكم بالبطلان من جهة ترك ما وجب بالتقية، بل لان المسح على الخفين متضمن لاصل المسح الواجب في الوضوء مع إلغاء قيد مماسة (1) الماسح للمسوح، كما في المسح على الجبيرة الكائنة في موضع الغسل أو المسح، وكما في المسح على الخفين لاجل البرد المانع من نزعها، فالتقية إنما أوجبت إلغاء قيد المباشرة، وأما صورة المسح ولو مع الحائل فواجبة واقعا لا من حيث التقية، فالاخلال بها يوجب بطلان الوضوء بنقض جزء منه. ومما يدل على انحلال المسح إلى ما ذكرنا من الصورة وقيد المباشرة قول الامام عليه السلام لعبد الاعلى (2) مولى آل سام، سأله عن كيفية مسح من جعل على إصبعه مرارة: ” أن هذا وشبهه يعرف من كتاب الله، وهو قوله تعالى (ما

(1) في (ط): مماسية. (2) هو عبد الاعلى مولى آل سام الكوفي، من أصحاب الامام الصادق عليه السلام، وقد اختلف علماؤنا في اعتباره وعدمه. رجال الشيخ: 238، معجم رجال الحديث 9 / 2560.

جعل عليكم في الدين من حرج) ” (1) ثم قال: ” امسح عليه ” (2). فإن معرفة وجوب المسح على المرارة الحائلة بين الماسح والممسوح من آية نفي الحرج لا تستقيم إلا بأن يقال: إن المسح الواجب في الوضوء ينحل إلى صورة المسح ومباشرة الماسح للممسوح، ولما سقط قيد المباشرة لنفي الحرج تعين المسح من دون مباشرة، وهو المسح على الحائل، وكذلك فيما نحن فيه سقط قيد المباشرة ولا تسقط صورة المسح عن الوجوب. وكذلك الكلام في غسل الرجلين للتقية، فإن التقية إنما أوجبت سقوط الخصوصية المائزة بين الغسل والمسح، وأما ايصال الرطوبة إلى الممسوح فهو واجب لا من حيث التقية، فإذا أخل به المكلف فقد ترك جزءا من الوضوء، فبطلان الوضوء من حيث ترك ما وجب لا لاجل التقية، لا ترك ما وجب للتقية. ومما يؤيد ما ذكرنا ما ذكره غير واحد من الاصحاب: من أنه لو دار الامر بين المسح على الخفين وغسل الرجلين قدم الثاني، لان فيه إيصال الماء، بخلاف الاول، فلو كان نفس الفعل المشتمل على القيد – والمقيد إنما وجب تقية – لم يعقل ترجيح شرعي بين فعلين ثبت وجوبهما بأمر واحد، وهو الامر بالتقية، لان نسبة هذا الامر إلى الفردين نسبة واحدة، إلا أن يكون ما ذكروه فرقا اعتباريا منشؤه ملاحظة الاسباب العقلية. لكن يبقى على ما ذكرنا في غسل الرجلين أنه لو لم يتمكن المكلف من المسح تعين عليه الغسل الخفيف، ولا يحضرني من أفتى به، لكن لا بأس باعتباره، كما في عكسه المجمع عليه، وهو تعين المسح عند تعذر الغسل، ويمكن

(1) الحج 22 / 78. (2) الكافي 3 / 33 حديث 4 باب الجبائر والقروح والجراحات، التهذيب 1 / 363 حديث 1097.

استنباطه من رواية عبد الاعلى المتقدمة (1). ولو قلنا بعدم الحكم المذكور فلا بأس بالتزام عدم بطلان الوضوء فيما إذا ترك غسل الرجلين الواجب للتقية، لما عرفت من أن أوامر التقية لم تجعله جزءا، بل الظاهر أنه لو نوى به الجزئية بطل الوضوء، لان التقية لم توجب نية الجزئية، وإنما أوجب العمل الخارجي بصورة الجزء. * * *

(1) انظر هامش (2) من الصفحة السابقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى