طرائف وحكايات

طرائف وحكايات – 31

301 سعيد الحجي

قصص عن البهلول
من هو بهلول؟..
كان الخليفة العباسي (هارون الرشيد) حريصًا كل الحرص على الملك العضوض، بحيث كان يتخذ الذرائع في القضاء على مخالفيه، وإزاحتهم عن الطريق مهما كلف الأمر.. وكان محبوب قلب المؤمنين آنذاك، الإمام موسى الكاظم (ع) على رأس هؤلاء المخالفين.. حيث كان يشكل خطرا كبيرا على هارون الرشيد، حاول الرشيد جاهدا في كسب تأييد علماء المسلمين المبرزين، وإقناعهم بالإفتاء بخروج موسى الكاظم (ع) ومروقه عن الدين.. وبذلك يمهد أرضية المواجهة مع الإمام (ع).
ولما كان البهلول من علماء ذلك الوقت، أراد هارون الرشيد إجباره على التوقيع في ورقة أصدر فيها أمرا بقتل الإمام الكاظم (ع).. ذهب بهلول إلى الإمام (ع) وأخبره بذلك، وطلب منه أن يهديه سبيلاً للخلاص من هذه الورطة، فأمره الإمام (ع) أن يتظاهر بالجنون، ليكون في أمان من سطوة هارون.
تظاهر بهلول بالجنون، وكان بهذه الذريعة، يهزأ ويطعن بالنظام الحاكم بلسان الكناية، والمزاح!..

اسم بهلول * هذا الرجل العظيم * وهب بن عمرو.. والبهلول اسم يجمع خصاله الحسنة التي كان يتصف بها، فقد كان جميلاً وفكهًا.. كان البهلول يتصف بصفتين :
الأولى : موقعه العلمي والاجتماعي.. الثانية : قرابته من هارون الرشيد.. وهاتان الخصلتان كانتا السبب في عدم تورعه من هارون الرشيد وعماله، حتى أنه كان يدخل عليه في أي وقت يشاء، ويتكلم بما يريد!.. فكان مصداقا للقول : (المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه).
فلنسايره في طريقه، ولنستمع لحلو كلامه، لنزيح به عن أبداننا الأتعاب، ونهون علينا بقصصه الصعاب.
القصة الأولى لأعقل المجانين بهلول!..

القصة الأولى * بهلول ينصح الرشيد *
قيل لبهلول، وهو على قصبته : أجب هارون الرشيد!.. فجاء على قصبة إلى أن بلغ إليه، فسلم عليه الرشيد فأجابه.
قال الرشيد : كنت مشتاقا إليك؟..
بهلول : لكني لم اسم إليك.
قال : عظني يا بهلول.
قال : وبما أعظك، هذه قصورهم، وهذه قبورهم!..
قال : زدني فقد أحسنت.
قال : أيما رجل أتاه الله مالا وجمالا وسلطانا، فأنفق له ماله، وعف جماله، وعدل في سلطانه ؛ كتب في خالص ديوان الله – تعالى – من الأبرار.
قال الرشيد : أحسنت، أحسنت يا بهلول!.. كيف أنت مع الجائزة؟..
قال : اردد الجائزة على من أخذتها منه، فلا حاجة لي فيها.
قال له : يا بهلول!.. فإن يك عليك دين ؛ قضينا.
قال : يا أمير، هؤلاء أهل العلم بالكوفة، أجمعت آرائهم على أن قضاء الدين بالدين لا يجوز.
قال : يا بهلول، فنجري عليك بما يقوتك ويقيمك.
فرفع بهلول طرفه إلى السماء وقال : يا أمير، أنا وأنت من عيال الله.. محال ان يذكرك وينساني.
فأسبل هارون السجاف ومضى.. قيل : وأنشأ بهلول يقول :
توكلت على الله وما أرجو سوى الله
وما الرزق من الناس بل الرزق من الله
*******************************

القصة الثانية * العمل لوجه الله *
مر البهلول يوماً بمسجدٍ – لم يتم بناء ه بعد – في محلة من محال بغداد، ليطلع على بنائه، فلما رأى المسجد لم يكترث بشكل بنائه، وزخرفة جدرانه، وسقفه وقبته، وكأنه يخبيء شيئاً في نفسه.. ثم إنه نظر من خارج المسجد إلى لوحة خشبية كبيرة معلقة على جدار المسجد مكتوب عليها : مسجد السيد جمال.
والشيخ جمال هذا، رجل يحب الشهرة، ويحب أن يطلع الناس على أفعال البر التي كان يقوم بها.. وكان البهلول يعرف ذلك تماماً.. غرق بهلول في تفكيره بالمسجد ولوحته، وإذا به قد أحس بثقل يدٍ على كتفه.. فلما التفت رأى الشيخ جمال وهو مبتسم، وقد حدق النظر إليه ابتدره بهلول قائلاً (السلام عليكم).
قال البهلول : ” إنه مسجد كبير، وحسن البناء “.
خطا الشيخ جمال إلى الأمام، وساير بهلولاً، ثم قال : (أسأل الله القبول).
قال بهلول – وكأن شيئاً قد لفت نظره -: أريد أن أسألك عن شيء، لا أدري أسألك عن ذلك أم لا؟..
قال الشيخ : ” لا بأس عليك، سل فإني أرج أن أملك لسؤالك جواباً مقنعاً “.
حرك بهلول رأسه وقال : ” طبعاً أنه كذلك “، إلا أنه بعد ذلك مكث قليلاً ثم قال :” لمن بنيت هذا المسجد “؟..
لم يكن الشيخ يتوقع مثل هذا السؤال، ومكث يفكر قليلاً فخطر على ذهنه، أن بهلولاً رجل مجنون، ولا ينبغي العجب من المجنون، أن يسأل مثل هذا السؤال، فأجابه قائلاً : ” وهل يكون بناء المسجد لغير الله “؟!..
قال البهلول : نعم، نعم الأمر كما تقول، لن يترك الله عملك بلا أجر، إنه لن ينسى أجر ذلك أبدا.
لم يتكلم الشيخ جمال بعد ذلك شيئا ؛ لأنه لم يفهم ماذا يريد البهلول منه بالضبط.. لذا أخد يخطو خطوات متواصلة، حتى ابتعد عن بهلول.. وفي صباح الغد علا صوت الشيخ جمال بالصيح أمام المسجد الذي بناه، بحيث يسمعه كل من يمر بالمسجد، وهو يقول : ” أيها الناس، اشهدوا على ماقام به بهلول أنه يدعي تملك هذا المسجد…………… أيها الناس……….
وكان الحق في ذلك مع الشيخ جمال، فإن اللوحة كان مكتوب عليها : ” مسجد بهلول ” لذا أصاب الشيخ جمال الدوار في رأسه من شدة الصدمة، وبح صوته من كثر الصياح، ذلك أنه لم يخطر على باله يوماً مثل بهلول، يأتي يوماً ويكتب اسمه على لوحة المسجد الذي بناه الشيخ.. فكيف تجرأ بهلول على مثل هذا العمل؟..
لكن مع ذلك، فقد كان الشيخ يخبئ لهيب غضبه، ويهدئ نفسه بما يخطر على باله، بأن بهلولاً رجل مجنون، لكن سرعان ما يجيب به نفسه، فيقول : إن للجنون حداً أليس يعلم الناس من بنى المسجد، فقد سمعنا بكل ما يــــصدر عـــن المجانين، إلا مثل هذه الأعمال، آه!.. إنه يريد أن يكون المسجد باسمه، لكني سوف أعطيه درساً لن ينساه، لن يجرؤ بعده على مثل ذلك أبدا!.. سوف أريق ماء وجهه أمام الناس.
اجتمع عمال بناء المسجد حول الشيخ جمال، ليستمعوا لما يقول.. وإذا به صاح فجأة بصوت عالٍ وغضب : هلموا بنا لنبحث عن بهلول، كي نعطيه درسا، لا يتجاسر بعده على حقوق الآخرين.
ذهب هو مسرعاً وتبعه بعض عمال البناء، الذين كانوا يتحينون الفرص للهروب من العمل، قائلين للشيخ : نحن معك يا شيخ للبحث عن بهلول.
توجه كل منهم إلى جهه، فلم يستغرق البحث عن بهلول أكثر من ساعة حتى عثروا عليه، فجاؤوا به إلى المسجد، وكان يسبقهم في ذلك الشيخ جمال الذي استولى عليه الغضب، فلما واجه الشيخ جمال بهلولاً وجهاً لوجه – وقد كادت عيناه تخرج من الحدقتين – صاح بصوتٍ عالٍ : أيها المجنون، ماحملك على مافعلت؟..
نظر بهلول إلى من حوله، وقال بسكينة : ومافعلت؟..
حدق الشيخ جمال بوجه بهلول، وقال : إنك لن تجرأ على الاعتراف بذنبك أمام الملأ، أليس كذلك؟..
أجابه بهلول : وهل أذنبت؟.. وماهو ذنبي؟..
تضاحك الشيخ جمال، والغضب قد استولى عليه، فأشار بيده إلى لوحة المسجد، وقال : وهل يجرؤ غيرك أن يكتب اسمه على لوحة مسجد بناه غيره؟..
ألقى بهلول ببصره إلى لوحة المسجد، ثم صرف نظره وكأنه لم ير شيئاً ذا بال، وقال بهدوء : إن كنت تريد بذلك هذا – وأشار إلى اللوحة – فأني فعلت.
أخذ غضب الشيخ يزداد لحظة بعد أخرى حتى صاح ببهلول : هل أنت بنيت المسجد لتكتب اسمك عليه؟..
رفع بهلول رأسه – مرة أخرى – إلى لوحة المسجد وأجـــــــــاب : إني لم ابن المسجد، لكنني كتبت اسمي عليه.
أمسك الشيخ جمال بهلولاً من تلابيبه والتفت إلى الحاضرين، وقال : انظروا، إنه يعترف بذنبه، إنه أعترف!..
ارتفع صوت الحاضرين بالكلام، فكل منهم تراه يقول شيئاً، لكن بهلولاً لم يرعوي لكلامهم، وأشار إليهم بيده : أن سكتوا!.. فسكتوا، وسكت الشيخ جمال، وتجددت لبهلول الجرأة على رد الشيخ وقال : أيها الشيخ، أسألك عن شيء أحب أن تصدقني فيه.
قال الشيخ : ولماذا الكذب؟..
قال بهلول : بالأمس التقيت بك في هذا المكان، وتكلمنا قليلاً، ثم سألتك : لمن بنيت هذا المسجد؟..
قلت : أريد به وجه الله.
تبسم بهلول وقال بصوتٍ عالٍ : تقول : لله!.. فهل الله يعلم بأنك أردت وجهه أم لا؟..
أجابه الشيخ بغضب : مع أني لا أريد إطالة الكلام معك، أقول : نعم، إن الله يعلم بذلك، كي لاتكون لك الحجة علي عند القاضي.
سكت بهلول هنيئة ليلفت بذلك اللأنظار إليه، ثم قال : أيها الشيخ، إن كنت قد بنيت هذا المسجد لله، فلا يضر عليك أن يكون باسمك أم بأسم غيرك.. لكن اعلم أنك قد أردت بذلك وجه غير الله، نعم أردت بذلك الشهرة، فقد أحبطت بذلك أجرك.
لقد ألجم بهلول الشيخ بذلك فأسكته، واستحسن الحاضرون جواب بهلول، ولم يتكلم أحد بعده بشيء.
قال البهلول – وهو يمشي مشياً تقاربت خطاه – للشيخ جمال : أريد أن أرفع اللوحة التي تحمل اسمي من على المسجد.
أراد الشيخ أن يقول شيئاً، لكن الكلمات تلكأت على شفتيه فسكت.
خطا البهلول خطوات نحو اللوحة، لكنه رجع والتفت إلى الحاضرين قائلاً : أردت بذلك الكشف عن حقيقة : وهي أن تعلموا أن العمل إن كان لوجه الله – تعالى – فلا يضركم ما يكون رأي الناس فيه، مادام الله هو المطلع على حقائق الأمور.. ثم انصرف ليرفع اللوحة التي كتبها باسمه.
********************************

القصة الثالثة * استشارة العاقل والمجنون *
كان البهلول وعلى عادته يمشي يومًا في أزقة بغداد، فلقيه رجل تاجر، فقال لبهلول : أريد استشارتك في أمر التجارة.
قال بهلول – وكان بيده خيزران، ضرب بها كفه الأخرى بهدوء -: ومالذي عدل بك عن العقلاء حتى اخترتني دونهم؟.. ثم مكث هنيئة : حسنا، ما الذي أردت استشارتي فيه؟..
قال التاجر – ولم يزل يرفع عينيه من يدي بهلول -: إن عملي التجارة، فأردت شراء متاع أحتكره، ثم أبيعه لمن يدفع لي فيه ثمنًا باهظاً..
ضحك بهلول حتى بان ضرساه وقال : إن أردت الربح في تجارتك، فاشتر حديدًا وفحمًا.
شكره التاجر على ذلك، وانطلق إلى السوق.. ثم فكر في كلام بهلول جيدًا، فرأى أن من الأفضل أن يأخذ بكلامه، فاشترى حديدًا وفحمًا وأودعهما في المخزن، حتى مضت عليها مدة مديدة، ولا زالا على حاليهما في الخزن.. ولما احتاج التاجر إلى ثمنهما، وكان قد ارتفع تلك الأيام سعرهما، باعهما بأفضل الثمن، وربح عليهما ربحًا كثيرا.
لكن وللأسف أيها الأصدقاء الأعزاء، أثرت هذه الثروة على سلوك رجل قصتنا التاجر، كما تؤثر غالبا على سلوك الكثيرين من الناس عند ثراء هم.. حيث تجدهم يفقدون صوابهم، ويتغير منطقهم وسلوكهم، فتراهم ينقلبون من هذا الوجه إلى ذاك الوجه.
وهكذا كان التاجر فقد اغتر بنفسه غرورًا عجيبًا، حتى لم يكن يعدّ للناس وزنا، وأخذ يتحدث هنا وهناك عن عقله وذكائه وفطنته.
وذات يوم مر التاجر ببهلول، لكن التاجر لم يعر هذه المرة لبهلول أهمية، ولم يشكره على ما أشار إليه سابقًا، بل أثار بوجه بهلول الغبار وسخر منه وقال : أيها المجنون، ما الذي أشتري وأحتكر، ليعود علي بالربح؟..
ضحك بهلول وقال : اشتر ثوما وبصلا، وأودعهما في المخزن..
خطا التاجر خطوات، ثم رجع إلى بهلول وقال بلغة الغرور والعجب : عليك أن تفتخر بمشورة تاجر موفق وشهير مثلي إياك!..
لم يجبه بهلول بشيء، وبهت لجهل التاجر وغروره.
رصد التاجر لشراء الثوم والبصل كل ما يملك من أموال، وذهب صباح الغد إلى السوق لشرائهما على أمل ربح الكثير ببيعهما.. وبعد أن مضت أشهر على البصل والثوم وهما في المخزن، جاء التاجر وفتح أبواب المخزن، وهو لايعلم ما ينتظره من خسران مبين، فوجد الثوم والبصل قد تعفنا ونتنا.. حينها ضرب التاجر على أم رأسه وصاح : ياللخيبة!.. ياللخسران!..
لم يكن أحد يرغب في شراء مثل ذلك البصل والثوم المتعفنين، بلا لابد من رميه في المزابل لأن رائحته النتنة انتشرت في كل مكان، مما اضطر التاجر أن يستاجر عدة نفر ليحملوا هذا المتاع الفاسد إلى خارج المدينة، ويدفنوه في الأرض.
امتعض التاجر من بهلول، وزاد حنقا عليه وغضبا ؛ لأنه فقد رأس ماله بسبب بهلول.. وأخذ يبحث عنه في كل مكان حتى عثر عليه، فلمآ رآه أخذه التاجر بتلابيه وقال : أيها المجنون!.. ما هذا الذي أشرت به علي، لقد أجلستني بساط الذل والمسكنة؟..
خلص بهلول نفسه من التاجر وقال : ماذا حدث؟..
قص التاجر على بهلول – وصوته يرتعش من شدة الغضب – ماجرى له.
سكت بهلول عن التاجر هنيئة ثم قال له : لقد استشرتني أولا، فخاطبتني بخطاب العقلاء ؛ فأشرت عليك بما يشيرون.. لكنك لما أردت اشتشارتي ثانيا، خاطبتني بخطاب المجانين ؛ فأشرت عليك بمشورتهم.. فاعلم أن ضرك ونفعك مخبوئان تحت لسانك : إن خيرُا فخير، وإن شرًا فشر.
أطرق التاجر إلى الأرض وهو لم يحر جوابا، فتركه بهلول وانصرف عنه.
********************************

القصة الرابعة * ثمن الجنة *
مرت زبيدة زوجة هارون الرشيد الخليفة العباسي، ببهلول وهو يلعب مع الصبيان،
ويخط على الأرض بأصبعه.. فلما رأت زبيدة ذلك، تأملت فيما يصنع ثم قالت : ماذا تفعل؟..
قال بهلول للصبيان، وهو يخط تراب الأرض باصبعه : لا تهدموا البيت الذي بنيته.
ثم التفت إلى زبيدة وقال : أما ترين أني مشغول ببناء البيت؟..
أرادت زبيدة مساعدة بهلول، إلا أنها كانت تعلم أنه يرفض ذلك.. تأملت زبيدة ثم قالت : أراك تبني بيتا جميلا يليق بالعظماء، وها أنا أرغب في شرائه منك.
أجابها بهلول، وهو منكس رأسه للأرض، يخط على ترابها بأصبعه : هذا البيت؟.. نعم، أبعه إياك.
نظرت زبيدة إلى الخطوط المعوجّة، التي رسمها بهلول على الأرض وقالت : اشتريت منك هذه الدار، فكم يكون ثمنها؟..
قام بهلول على قدميه، وسوى ظهره، وقد كانت بيده عصا أشار بها إلى الصبية وقال : بألف دينار لي ولهؤلاء الذين أعانوني في بنائها.
أشارت زبيدة الى أحد خدمها وقالت : أعطه ألف دينار.. ثم انصرفت عنه.
أخذ بهلول الدنانير، وكانت سككا ذهبية، وقسمها بين الفقراء، فلم يبق في كيسه دينارا واحدا.
مضى على هذا الحدث عدة أيام، وذات ليلة رأى هارون الرشيد في المنام أمرا عجيبا!.. رأى كأنه يساق إلى الجنة، فلما بلغ أبوابها قيل له : هذا قصر زوجتك زبيدة، فلما أراد الدخول منعوه من ذلك.؟.. وفي صباح اليوم التالي، قص هارون رؤياه على علماء قصره، فقالو له : سل زبيدة عما فعلت من البر؟.. فلما سألها، أخذت تفكر في العمل الذي استحق من أجله قصرا في الجنة، فلم تتذكر شيئا سوى أنها اعطت بهلول ألف دينار، وقصت خبرها في ذلك على هارون.
أدرك هارون ضرورة البحث عن بهلول، ليشتري منه بيتا ؛ البيت الذي ليس له في الدنيا قرار، لكنه يكون في الآخرة قصرا مشيدا، فأين بهلول؟..
خرج هارون من قصره، ومعه أحد أقربائه يبحث عن بهلول.. فوجده في إحدى أزقة بغداد جالسا، وحوله عدة صبيان، وهو يخط تراب الأرض بأصبعه.. حاول هارون التظاهر بعدم الاكتراث ببهلول فقال : أرى أقرب أقربائي يلعب مع الصبيان، ويبعث بأصبعه على التراب؟..
أجابه بهلول وهو يخط أصبعه الأرض : نحن نتمتع بما رزقنا الله في هذه الدنيا، وها أنت تراني مشغولا ببناء بيت على أرض الله، لكي أبيعه.
قال هارون بكل سرور وصوته يرتعش : ليس قصور الملوك كالبيوت التي أنت مشغول ببنائها، إلا اني مع ذلك أشتري أحدها..
رفع بهلول اصبعه من التراب، ووضعه نصب عينيه، ثم اغمض إحدى عينيه وأخذ ينظر إلى أصبعه بالعين الأخرى، ثم أشار إلى الأرض بأصبعه وقال : هل تشتري مثل هذا البيت؟..
جثا هارون على ركبتيه إلى جانب تلك الخطوط التي رسمها بهلول وقال : رضيت بهذه الدار، وإني قد اشتريتها منك.
نظر بهلول لهارون نظرة تأمل، ثم هزأ منه ضاحكا، وقال : ثمن هذه الدار باهظ جدا!..
قال هارون – وهو يتظاهر بعدم المبالاة بضحك بهلول -: كل ما تعلقت به رغبتنا وأردناه، لا يصعب علينا الحصول عليه، وإن كان ثمنه باهظًا.
ذكر بهلول آلاف الأكياس من الذهب، والبساتين الكبيرة، والأموال الطائلة ؛ قيمة لتلك الدار.
سكت هارون حتى أتم بهلول كلامه، والغضب قد استولى عليه ؛ لأن ما طلبه بهلول لم يكن بالشيء القليل.. فإنه لو جمعت ثروات جميع الأغنياء وتكدست على بعضها، لم تبلغ
معشار ما طلبه بهلول ثمنا لداره.
فما هو اللغز الكامن في كلام بهلول؟.. وما يريد من وراء ذكره هذا الثمن الخيالي؟..
أراد هارون أن يعرف سر ذلك، ولذا قال : لقد بعت عين هذه الدار من زبيدة بثمن أقل من ذلك بكثير، فقد بعتها منها بألف دينار.. ولما أردت شرائها منك أراك تقول قولا شططا؟..
نهض بهلول من الأرض، وبعثر ما كان قد رسمه على الأرض بأطراف أصابع قدمه وقال : ليعلم الخليفة أن بينه وبين زوجته زبيدة فرقا شاسعا؟ فإن زبيدة اشترت وهي لم تر، وأنت رأيت وتريد أن تشتري.. ثم عاد مرة أخرى يلعب مع الصبيان.
*********************************

القصة الخامسة * أبو حنيفة وبهلول *
كانت دار أبي حنيفة في أحد محال بغداد القديمة، وكان جماعة من طلاب العلوم الإسلامية يقصدون هذه الدار يوميا للحضور في درس أبي حنيفة، الذي كان يعقده فيها.. وفي أحد الأيام دخل بهلول دار أبي حنيفة، وجلس في غرفة الدرس.
فسح الحاضرون المكان لبهلول عندما رأوه يدخل، لكنه جلس عند الباب، ثم مدد إحدى رجليه، وثنى الأخرى، وأخذ يستمع إلى أبي حنيفة.
كان لأبي حنيفة طلاب كثيرون جدا، بحيث كان يعدون أستاذهم من أعلم علماء بغداد.. تكلم أبو حنيفة وقال : اعلموا أن جماعة من المسلمين – يقصد بذلك الشيعة – يعتقدون أن إبليس يعذب يوم القيامة بالنار، وإني أخالف ذلك.
قأل أحد التلاميذ، وقد أسند ظهره إلى جدار الدار : أيها الشيخ، ما هو دليلك على ما تقول؟..
قال أبو حنيفة – بعد ما سعل قليلا -: نعم، إن إبليس مخلوق من النار، وجهنم هي النار ؛ فكيف تحرق النار نفسها؟..
أخذ الجالسون ينظر أحدهم بوجه الآخر، لكن لم يجرؤ أحدهم على التفوه بشيء.. أخذ أبو حنيفة – كالفارس المنتصر في الميدان – ينظر إلى الحاضرين نظرة عجب وغرور، لكنه لم يغفل عن بهلول الذي كان واضعا يديه تحت إبطيه، وينظر إلى أبي حنيفة نظرة هادئة.
استأنف أبو حنيفة الكلام – بعد فاصل قليل – فقال : الأمر الآخر الذي لا أرتضيه، وهو ما تعتقده هذه الطائفة من المسلمين.. حيث يعتقدون بأن الله – تعالى – لا تمكن رؤيته.. إذ كيف يكون الشيء موجودا، ولا يمكن رؤيته؟..
قطع أبوحنيفة كلامه هنيئة، ليرى مدى تأثير ما ذكره على الحاضرين!.. لكن هذه المرة كان السكوت مخيما على المجلس أكثر من السابق.
قال أبو حنيفة بصوت أعلى : أيها الناس، إنهم يقولون : بأن الله – تعالى – خلق كل شيء، ومع ذلك يعتقدون بأن الناس فاعل مختار في فعله.. وهذا يعني الجمع بين الجبر والاختيار، وهما مستحيلان عقلا!..
قال أحد الحاضرين : ماهو رأيك في ذلك يا شيخ؟..
مر أبو حنيفة يده على ناصيته ثم قال : اعلمو أن كل شيء في رأيي هو من الله – تعالى – وأن الإنسان غير مختار في أفعاله.
عرف أبو حنيفة أن كلامه أثر في قلوب الحاضرين، وأنه تمكن من إقناعهم بأفكاره.. وكان يحب أن يفصح عن عقائده أكثر، لولا حيلولة ما حدث له في مجل الدرس.. فإنه فوجئ بحجر أصاب جبينه فأدامه، وبذلك زالت أفكاره، واضطرب المجلس.. التفت الحاضرون إلى بهلول وهم يتساء لون : لماذا فعل بهلول ذلك؟..
دار جماعة من المقربين لأبي حنيفة ببهلول، والغضب يتطاير من أعينهم، دون أن يجرؤ أحدهم على إهانته لقرابته من الخليفة.. فإنه لو كان أحد غير بهلول فعل بأبي حنيفة ذلك، لم يكن يخرج من المجلس سالما، بل كان ينهك من الضرب من قبل أتباع أبي حنيفة.
نظر أبو حنيفة لبهلول وهو ” ابو حنيفة ” واضع يده على الجرح، والغضب قد استولى عليه، فقال : لأشكونك إلى الخليفة!.. فأجابه بهلول بكل هدوء : وأنا أذهب معك أيضا.
قال أبو حنيفة – وهو متعجب من كلام بهلول – لمن حوله : إذن اشهدو لي عند الخليفة بذلك.
خرج بهلول من دار أبي حنيفة، وكأنه لم يسمع أو يفعل شيئا.. ودخل أبو حنيفة بعد ساعة مجلس الخليفة، وهو معتصب الرأس.. فلما رآه الخليفة، تعجب من ذلك لعلمه بمكانة أبي حنيفة في بغداد وماله من أتباع.
أخذ أبو حنيفة يشرح للخليفة ما حدث، امتعض الخليفة من فعل بهلول.. فأصدر أمرا بإحضاره على الفور.. أسرع الشرطة في البحث عن بهلول، لكنهم ثمة بحث يسير عثروا عليه وهو في طريقه للقصر.. ولما حضر بهلول – وآثار السكينة عليه – المجلس صاح به الخليفة : لم شدخت رأس هذا العالم الجليل؟..
سوى بهلول رداء ه على كتفيه، ثم قال : لم أفعل ذلك!..
قال أبو حنيفة – وهو يتلكأ في الكلام، وقد وضع يده على رأسه -: كيف!.. كيف تدعي ذلك أيها الظالم، إن لي شهودا؟..
قال بهلول : قل لو سمحت ماهو الظلم الذي صدر مني؟..
قال أبو حنيفة : شدخت رأسي بحجر، وهذا الألم في رأاسي لم يكد ينفك عني.. ثم التفت إلى جملة من تلامذته وقال : أتشهدون بذلك؟..
قالوا : نعم.
قال بهلول : أتدعي الألم في رأسك، أين هو إذن أرنيه؟..
هزأ أبو حنيفة به وقال : وهل يرى الألم لكي أريكه؟..
قال بهلول : إذن ليس للألم وجود، وأنت كاذب في دعواك.. لأنك تعتقد أن الشيء ما لم تمكن رؤيته، فهو غير موجود.
وضع أبو حنيفة يديه على رأسه متحيرا من جواب بهلول، وقد التفت إلى تلامذة أبي حنيفة وقال : إن الحجر لا يمكن أن يؤذي أستاذكم.
أخذ تلامذة أبي حنيفة ينظرون مبهوتين : ماذا سيفعل أبو حنيفة، وماذا سيقول؟!.. لكنّ بهلولا لم يمهل أبا حنيفة في الجواب فقال : إن الإنسان من تراب، والحجر من تراب ؛
فكيف يمكن أن يؤذي التراب التراب؟..
أدرك أبو حنيفة أن بهلول، يريد بذلك حربا في العقيدة شعواء، لا هوادة فيها.. فأخذت ترتجف أطرافه وأعضاء ه، كما يرتجف من شدة البرد.
سوى بهلول رداء ه مرة أخرى، وقال لهارون : يعتقد أبو حنيفة، بأن الإنسان غير مختار في أفعاله ؛ فلا ذنب لي.. لأنه في نظره غير مختار في ما فعلت.
بهت هارون من جواب بهلول، ولم ينطق بشيء.. بقي أبو حنيفة وهو يلوم نفسه خجلا، وقد نكس رأسه إلى الأرض، ولسان حاله : إن كل ما نزل بي، هو مما جنيته على نفسي!..
******************************

القصة السادسة * السماك والخليفة *
تغيرت أجواء قصر الخليفة يوم العيد، حيث الخوان الكثيرة والأطعمة المتعددة والشراب المنوع.. كان كل من يدخل القصر ذلك اليوم، يأكل ويشرب ويقضي وطرا بالفرح والسرور.. وكان الخليفة في تلك الأيام – أيام العيد – غارقا في غروره وتباكر، وهو يعطي ويهب الصلات والأموال الكثيرة لمن يحب ويريد.
كان هارون الرشيد جالسا على عرشه وإلى جانبه زوجته زبيدة، وهي جالسة أيضا على كرسي مرصع بالجواهر، وهما يلعبان الشطرنج.. وإلى أسفل منهما الخوان والموائد، التي ملئت وغاصت بالأطعمة والأشربة الكثيرة والمتنوعة، وكان جميع من حضر المجلس في فرح وسرور.. وقد حف المجلس خدم كثيرون، وفي أيديهم موائد الطعام، حتى إذا خلت إحدى تلك الموائد وضعوا أخرى مكانها.
دخل بهلول يوم العيد قصر الخليفة، فطلب هارون منه الجلوس على مائدة الطعام.. لكنه رفض وجلس ناحية من المجلس، وفي تلك الأثناء دخل البواب فقال : يا أمير المؤمنين، في الباب سماك يطلب إذن الدخول عليك.. أجابه هارون وهو ينظر إلى طاولة الشطرنج : ماذا يفعل السماك هنا، وما يريد منا؟.. فإنه لا بد أن يكون الآن على نهر دجلة.
قال البواب : إنه جاء كم بسمك سمين، ويرد أن يصل إلى خدمتكم بنفسه.
أجاز هارون للسماك الدخول، لأن ذلك اليوم كان عيدًا، ويدخل فيه الناس على الخليفة يهنئونه به.. فلما دخل السمّاك، وقدم ما جاء به من سمك إلى هارون.. تعجب هارون كثيرا، فإنه لم يكن ير من قبل ذلك اليوم مثل ذلك السمك في حجمه.. عظم السماك هارون وهو ينتظر الأجر على ذلك لينصرف، فأمر هارون للسماك بأربعة آلاف درهم أجرا على ذلك السمك.
اعترضت زبيدة على المبلغ الذي أعطاه زوجها هارون للسماك، وقالت : ألا تعتقد أن ما أعطيته السماك، كان أكثر مما يستحقه؟..
نظر هارون لزبيدة وقال : لماذا تعترضين على عطائنا؟!..
أجابته زبيدة : إن هذه الأيام أيام عيد، يأتي فيها الوجوه والأعيان والقادة وأعضاء الدولة، وهم يرجون منك الصلات والعطاء.. وها أنت قد أعطيت لهذا السماك مثل هذا المبلغ، فإنك لن تستطيع أن تعطي أحدا أقل مما أعطيته للسماك.. وإلا قالوا : لم يقم أمير المؤمنين لنا وزنا، بل لسنا عنده بمنزلة سماك.
ألهى هارون نفسه بالشطرنج، وذهنه مشغوول بما قالت زبيدة.. ولما عرفت زبيدة أن لكلامها وقعا في نفس هارون، عاودت الكلام فقالت : إن الأمير يعلم جيدا، أنه لو أراد العطاء بمثل هذا المبلغ، لم يبق في الخزينة شيء.
بقي هارون أسير فعله، وهو لا يعلم ما يفعل، قال : وكيف أستطيع أن استرد ما وهبته، فإنك تعلمين أن ذلك يضر بسمعتي؟..
فكرت زبيدة ثم قالت : إن سمح لي أمير المؤمنين، أن أفصح ما يختلج في ذهني، أفصحت به؟..
فاجابها قائلا : قولي، فإني أحب أن أسمع ما تقترحيه؟..
قالت : ادع السماك واسأله : أذكر سمكه أم أنثى؟..
قال هارون : فإن أجاب بأنه ذكر أو أنثى، ما ينفعنا ذلك؟..
قالت : إن قال : ذكر هو، قل : أنا لا أحب الذكور من السمك، وإن قال : أنثى، قل : لا أحب الإناث من الأسماك.. ثم استرجع ما وهبته إياه بهذه الذريعة.
كان بهلول قريبا من الخليفة وزوجته، وسمع حوارهما، فقال : أيها الأمير، اترك السماك وشأنه، ولا يخدعك هذا الكلام.
لم يعتن هارون لكلام بهلول، لأنه كان يحترم زبيدة زوجته كثيرا، فأمر بإحضار السماك.. رجع السماك فرحا إلى داره، وقد علق على ما أخذه من الدراهم الآمال الطويلة العريضة، وأنه ماذا يفعل بها.. واذا به كذلك حتى نودي من خلفه : أن ارجع إلى القصر، فإن الأمير أمر بإحضارك.
حضر السماك بين يدي الخليفة، فسأله ما اقترحت عليه زبيدة، فقال : هل السمك الذي اصطدته من الذكور أم من الإناث؟..
تبسم السماك – وهو مبهوت لما سمع – إذ ماذا يمكن أن يقول، وهل يمكن أن يعرف أحد ذكور السمك من إناثه؟.. اقترب في هذه اللخظات بهلول من السماك، وهمس بكلمات لم يسمعها أحد غير السماك، ثم انصرف عنه وقال : إن هذا السمك ليس من الذكور ولا الإناث ؛ إنه من الخناثى.
تعجب هارون من جواب السماك، وبقي مبهوتا لما أعجبه من ذكاء السماك.. فأراد أن ينتهز الفرصة في امتهان زوجته، فقال للسماك : أحسنت، أحسنت بما أجبت!.. ثم أمر له بأربعة آلاف درهم أخرى.. طلب السماك الاذن بالانصراف، فأذن له الرشيد بالانصراف، ونظر الى زبيدة نظرة ازدراء وسخرية.
كانت صرتا الدراهم في يد السماك، وكان قد هم بالخروج، فإذا بدرهم منها سقط على الأرض انحنى السماك ليأخذه من الأرض، فرأته زبيدة وقالت لزوجها : انظر جشع هذا السماك!.. بيده ثمانية آلاف درهم، ومع ذلك لا يتمكن من التجاوز عن درهم واحد منها.
أمر هارون بإحضار السماك مرة أخرى، ليأخذ ما في يده من الدراهم.
قال بهلول لهارون : اتركه وشأنه!..
فلم يعر لكلام بهلول أهمية، وتغافل عنه كأنه لم يسمع شيئا، وأمر بإحضار السماك.. فلما رجع السماك قال هارون بغضب : بيدك ثمانية آلاف درهم، فإذا سقط واحد منها، انحنيت لتأخذه؟..
أدرك السماك بأن هارون يريد استرجاع ما وهبه إياه، بأي حجة، فانحنى أدبا ثم قال : إني أريد بذلك تقدير الأمير ؛ لأن على أحد وجهي هذا الدرهم آيات من الكتاب العزيز، وعلى الوجه الآخر منه اسم أمير المؤمنين.. فإن تركته، داسته الأقدام ؛ وكان ذلك إهانة لكتاب الله، ولاسم أمير المؤمنين.
أعجب هارون كلام السماك، فأمر بأربعة آلاف أخرى له.. ثم نهض من كرسيه، وسوى ظهره ثم قال لبهلول : يقول الناس بأنك مجنون، لكني أشد جنونا منك!.. فقد نصحتني بترك ما فعلت مع السماك، فلم أقبل منك، وأخذت بكلام هذه المرأة.
***********************************

القصة السابعة * دجاجة مشوية تبيض *
كان في قديم الزمان على طريق الهند – بغداد – منزل ينزله المسافرون، ليضعوا عنهم عناء السفر فيه ساعات معدودة.. وأيضا يأكلون ويشربون فيه، ليكملو فيما بعد سفرهم.. فكان يأتي صاحب المنزل إلى المسافرين بما يشتهون، ويقدم لهما ما عنده من الطعام والشراب.. وفي ليلة من ليالي الشتاء الطويلة، قصد هذا المنزل مسافر معه بضاعة، جاء بها من الهند ليبيعها في بغداد، وبعد أن أودع المسافر متاعه عند صاحب المنزل، وخلع ملابسه ليستريح، سأله صاحب المنزل : ماذا تشتهي من الطعام؟..
قال : إني جائع جدا، إئتني بما عندك، فإني قاصد بغداد في الغد صباحا.
قال : عندنا دجاجة مشوية، حشوناها بالبيض، لتكون لذيذة ومقوية ؛ فهل تحب أن آتيك بها؟..
قال المسافر : نعم، هاتها سريعا ؛ فإني جائع جدا.
وبعد دقائق حضر الطعام، وأكل المسافر بشهية لا توصف، ثم ذهب إلى المكان المعد لاستراحته، فما وضع رأسه على الوسادة، حتى أخذه النعاس فنام سريعًا، وأخذ التعب يجر أذياله بهدوء عن بدنه.
ولما استيقظ صباحا مبكرا، توضأ ثم توجه إلى القبلة ليصلي صلاة الصبح، وبعد صلاة الصبح حمد الله – تعالى – على أن رزقه يوما جديدا إلى عمره، ليرى العالم ويتزود إلى آخرته.. ثم ألقى ببصره إلى صاحب المنزل، بحث عنه فلم يجده.. دقق النظر وكرر الطلبب عنه، فلم يعثر عليه.. ثم ذهب إلى محل استراحة صاحب المنزل، فلم يسمع حسيسا، ولم يجد فيه أحدا.. فلم يجد بدّا من مناداته، ناداه بصوت عال.. فإذا بالصدأ يرجع إليه بالخيبة.
إنه لابد من الحركة باتجاه بغداد وبأسرع وقت ممكن ؛ خوفا من مشاكل الطريق التي لم يحسب لها أحد حسبانا.. ومن جهة أخرى يريد أداء ثمن عشاء ه ومنامه إلى صاحب المنزل، ليخرج عن ذمته.. فكم يجب عليه أن يدفع؟.. وهل يمكنه الانتظار أكثر أم لا؟.. لا يعلم أحد ذلك ؛ لأنه لا أحد يجيب نداء ه.
وأخيرا صمم على الرحيل، لكنه كان ينوي أداء ثمن صاحب المنزل عند عودته من بغداد.. ذهب مسافرنا متوجها نحو بغداد، فلما نزلها مكث فيها أشهرا، تمكن خلال المدة التي مكث فيها من بيع متاعه، ثم اشترى بثمنه متاعًا آخر ليتجر به، وكان على أهبة الاستعداد للعودة إلى وطنه.
وذات يوم توجه إلى بلاده، فوصل إلى موضع محط الرحال – أي المنزل الذي نزل فيه قبل سنة – فلما دخل، لم يكن صاحب المنزل يعرفه.. فتعشى تلك الليلة، وذهب إلى فراشه لينام على أمل ان يدفع الدين الذي في ذمته عند الصباح.. فلما أصبح صلى صلاة الصبح، ثم توجه إلى غرفة صاحب المنزل ليدفع له ثمن مبيته ومأكله، لكنه صادفه في الطريق، فقال له : كنت ضيفك في السنة الماضية، حيث كان طريقي من هنا، فنزلت عندك، وكان لك في ذمتي مبلغ، أريد أن أدفعه إليك.
فسأله صاحب المنزل وهو متعجب : وعن ماذا؟..
تبسم المسافر، ثم أخذ يقص عليه خبر مبيته في العام الماضي.. كان صاحب المنزل رجلا محتالا، وفي الوقت نفسه في غاية الجشع والطمع.. وهذه فرصة ثمينة، لم يرد التفريط فيها.. فكر مع نفسه قليلا، فخطر بباله أن هذا المسافر، يمكنه دفع ثمن باهظ إزاء مبيته فطمع فيه، فقال بعد هنيئة : إن عليك أن تؤدي ألف دينار في هذا الوقت.. ثم استأنف كلامه بلين ولطف قائلا : طبعا إني احتطت كثيرا في ذكر هذا المبلغ وضبطه، فإني أخاف أن أكون مدينا للآخرين.
بهت المسافر لما سمع بهذا المبلغ، واذا به صاح بصوت عال : ماذا تقول؟.. ألف دينار!.. هل جننت؟..
قال صاحب المنزل : لا تغضب، فإني حسبت حسابا دقيقا.. فإن أحببت أخبرتك كيف بلغ حسابك ذلك؟..
قال المسافر : قل!.. فإني أذن صاغية لما تقول.
قال صاحب المنزل : هل جئت في العام الماضي إلى هنا، وأكلت دجاجة فيها ستة بيضات، أم لا؟..
قال : نعم.
قال : لو كانت تلك الدجاجة حية، وكنت قد وضعت تلك البيضات الستة تحتها، لخرج من كل بيضة فرخ صغير.. ثم إني لو جعلت تحت تلك الفراخ الست بعد أن يكبرن ستة بيضات أخرى.. وهكذا أكرر ذلك إلى هذا اليوم، لكان عندي عددا من الدجاج، ما يبلغ قيمته ألف دينار.. ثم جدد صاحب المنزل أنفاسه وقال : هل عرفت الآن ما تلطفت به عليك، فإني لم آخذ منك أجرة مبيتك، وطعامك لهذه المرة.
قال المسافر – بعد سكوت طويل – بصوت عال : إنك حقا لمجنون!..
ازداد الشجار والخلاف بين المسافر وصاحب المنزل، ووصل حدًا ارتفعت فيه أصواتهما، واجتمع حولهما جماعة من المسافرين.. وكلما حاول المسافرون حل النزاع بينهما، لم يتمكنوا من ذلك.. وأخيرا اتفقوا على أن يذهبوا إلى سيد قوم ذلك المكان، ويأتوا به ليحل النزاع.
وبعد مدة يسيرة جاء سيد القوم، واستمع دعوى المسافر وصاحبه.. لكنه وعلى خلاف ما كان يتوقع الكثير من الحاضرين، حكم لصاحب المنزل!.. وقال للمسافر : أعطه الألف دينار.
ولمّا علم المسافر أن بعناده لا يتمكن من حل النزاع فقط، بل يمكن أن ينجر أمره إلى ضربه وإهانته.. حينئذ نكس رأسه إلى الأرض، وانصرف مفكرا في عاقبة أمره، وهو يقول : إلهي، أعني!..
كلنا يعلم أن الله – تبارك وتعالى – لا يترك من توسل إليه عند حاجته، بل يدبر أمره حيث شاء.. من هنا اعترض المسافر الذي كان غارقا في التفكير، رجل وقال له : إني أعرف رجلا يمكنه أن يخلصك من ورطتك.. رفع المسافر رأسه وقال : أين هو؟..
قال : إنه في بغداد، قريب من هذا المكان.. فإني عازم على الذهاب إلى بغداد، لأجيء به إلى هنا.
ظل المسافر ينتظر من يأتي ويحل مشكلته، فإنه ليس هناك طريق سوى الصبر. ذهب هذا الرجل، ووعد المسافر بالرجوع في أقرب فرصة ممكنة، ومن ثم ركب فرسه وتوجه نحو بغداد مسرعًا.
ولما وصل بغداد سأل عن بهلول، فقيل له : إنه في المسجد، دخل المسجد وسلم على بهلول، ثم قص عليه خبر المسافر المسكين.
استأجر الرجل لبهلول فرسا، واستصحبه إلى موضع المنزل المذكور.. فسار سيرا حثيثا، حتى وصلا قريبا من المنزل، قال بهلول للرجل : انزل واذهب مسرعًا، ثم قل لهم : بأن قاضي بغداد في الطريق، وقد وعدني بالمجيء عن قريب.
نزل الرجل وفعل ما أوصاه بهلول به، فأخذ الحاضرون ينتظرون قدوم القاضي.. لم يمض وقت طويل على مجيء القاضي، الذي لم يكن سوى بهلول.. وحيث أن أحدا من الحاضرين لم يكن يعرف بهلول، لم يحصل الشك لأحد أنه هو القاضي حقا أم لا!..
ولما دخل بهلول، استقبله سيد القوم، وصاحب المنزل، وادخلوه معززا محترما إلى المنزل.. ولما جلس بهلول في الموضع الذي أعدوه له قال : قصوا الخبر، فإني عازم على العودة إلى بغداد سريعا، لقضاء ما ينتظرني من أعمال.
تكلم صاحب المنزل، وشرح الحال بسرعة، ثم قال : فهل يعطيني حضرة القاضي في الحق في ذلك أم لا؟..
تنفس بهلول نفسا عميقا، ثم قال : إني أعتذر منكم جميعا، خصوصا من سيد القوم، وكذلك من صاحب المنزل.
قال سيد القوم وصاحبه : لماذا يا حضرة القاضي؟..
قال بهلول : أعتذر من التأخير في المجيء، فإني إضافة إلى عمل القضاء، مشتغل بعمل الزراعة، وقبل أن آتيكم بساعة جاء ني عمال مزرعتي، وطلبوا مني بذرا ليزرعوا القمح.. وحيث أني كنت قد سمعت أن بذر القمح، لو فار بالماء الحار يزرع ثم يعطي ثمرا كثيرا، فاشتغلت بوضع القمح بالماء الحار، ولذلك فاني أعتذر من التأخير.
ضحك سيد القوم مما سمعه من بهلول، وقال في نفسه : إنه لقاض مجنون، إذ هل يمكن وضع بذر القمح في الماء الحار وتفويره!..
وضع صاحب المنزل – الذي أصابه الدوار في رأسه – يده على شاربه وقال : إن هذا لشيء عجاب!..
قال بهلول : كلا!.. كلا!.. لا عجب في مثل بلد تحتضن دجاجة مشوية البيض، ثم يخرج بعد ذلك منها الفراخ.. فلا عجب إذن من بذر القمح، الذي يفور بالماء الحار، أن يعطي ثمرا!..
فلما سمع الحاضرون جواب بهلول، أعطوا الحق للمسافر، وخاف سيد القوم أن ينكشف أمره بتآمره مع صاحب المنزل، وحاول أن يدفع عن نفسه الشبهة، فقال : الحق مع القاضي، إذ كيف يمكن للدجاجة المشوية، أن تحتضن البيض، ويخرج منها فراخًا؟!..
نكس صاحب المنزل رأسه إلى الأرض من دون أن يتفوه بشيء، وبذلك تخلص المسافر المسكين من هذه الورطة، ودفع ثمنا يسيرا إزاء مبيته وعشائه.
ثم توجه بهلول إلى بغداد راجعًا.. وكان في ذلك عبرة ودرس، لكل من وسوست له نفسه بخداع الآخرين من المغفلين.
***********************************

القصة الثامنة * أي الملابس أفضل *
كان هارون الرشيد يبث عيونه وجواسيسه في المجتمع، ليأتوه بأخبار مخالفيه، وليكون على علم من عقائدهم ومذاهبهم.. وذات يوم وشي ببهلول إليه، بأنه من أتباع ومحبي الإمام موسى الكاظم (ع).. وحكي أن هارون الرشيد، كان على حذر شديد من الإمام الكاظم (ع)، وأنه كان يسعى دائما لمعرفة شيعته، ومحبيه للقضاء عليهم.. ولما جاء ه خبر بأن بهلولا من شيعة الإمام، قرر إحضاره وإنزال العقوبة به ؛ ليكون عبرة للآخرين.
ولما أحضر بهلول إلى القصر، وقف أمام هارون – الذي كان الغضب مستوليا عليه – فقال له هارون : سمعت بأنك من شيعة ومحبي موسى بن جعفر، وأنك تسعى في خلافي.
سكت بهلول ولم يتكلم بشيء، وكان هذا السكوت مؤذيا لهارون ومثيرا لغضبه أكثر!.. قال هارون : تظاهرت بالجنون، لتفر عن عقوبتنا، لكني لست بتاركك.
قال بهلول : ما كنت تفعل، إن كنت صادقًا فيما تقول؟..
كان هارون يتوقع من بهلول، أنه بعد التهديد يقول شيئا يظهر به مخالفته عن الإمام الكاظم (ع)، لكنه فوجئ بما سمعه من بهلول، وصمم هذه المرة إنزال العقوبة ببهلول.. ولكن أي نوع من العقوبة يمكن إنزالها ببهلول الذي كان من أرحام الخليفة هارون من جهة، وأنه قد اشتهر بين الناس أن بهلولا مجنون من جهة آخرى؟.. فلا يمكن إنزال أشد العقوبة به، لأنه بعقوبته سيقول الناس : بأن هارون لم يقدر إلا على المجانين.
وعليه، فأخذ هارون يفكر في طريقة لعقوبة بهلول، وأخيرا أمر بخلع ملابس بهلول وألبسه ما يسرج به الفرس، ثم أمر بوضع لجام على فمه، وأخذوا يدورون به في المدينة.. ولما عادو ببهلول إلى القصر، وأجري في حقه أمر الخليفة، كان وزير هارون في القصر، وحيث أن الوزير لم يكن يعلم خبر بهلول، وأنه لماذا يفعلون به هكذا قال : ماذا فعل بهلول؟..
لم يجبه أحد بشيء، قام هارون من كرسيه ونفض رداء ه بغرور، ثم وقف أمام بهلول وقال : ألم تسمع ما قال وزيرنا، أجبه إذن؟..
التفت بهلول إلى الوزير بكل وقار وسكينة، ولم يبدو على وجهه آثار الانزجار من الخليفة، ثم قال : دعاني أمير المؤمنين، وسأل مني شيئا، فأجبته جواب الحق.. فخلع أمير المؤمنين لأجل ذلك ملابسه الغالية، وأهداها إلي!..
لقد تغير وضع مجلس الخليفة بسماع هذا الكلام، فلم يتمالك الجميع أنفسهم من شدة الضحك بما فيهم هارون ؛ فإنه ضحك ضحكًا كثيرًا.. وبعد لحظات هدأ المجلس، ثم أمر هارون بخلع ما على بهلول من السرج واللجام، وأمر بإحضار خياطه الخاص، وقال له : إهد إليه أفضل ما خطته لي من الملابس.
لكن وقبل أن يأتمر الخياط بأمر الخليفة، قال بهلول : لا حاجة لي بملابس الخليفة.. ثم لبس ملابسه البالية، وخرج من القصر.

302 الولائي

حياتنا قد تكون بسيطة بالتفكير البسيط لها
أحد السجناء في عصر لويس الرابع عشر، محكوم عليه بالإعدام ومسجون في جناح قلعة، هذا السجين لم يبق على موعد إعدامه سوى ليله واحدة.. ويروى عن لويس الرابع عشر ابتكاره لحيل وتصرفات غريبة.
وفي تلك الليلة فوجئ السجين بباب الزنزانة يفتح، ولويس يدخل عليه مع حرسه ليقول له : أعطيك فرصة إن نجحت في استغلالها فبإمكانك إن تنجو.. هناك مخرج موجود في جناحك بدون حراسة، إن تمكنت من العثور عليه، يمكنك الخروج.. وان لم تتمكن، فإن الحراس سيأتون غدا مع شروق الشمس، لأخذك لحكم الإعدام.. غادر الحراس الزنزانة مع الإمبراطور بعد أن فكوا سلاسله.
وبدأت المحاولات، وبدأ يبحث في الجناح الذي سجن فيه، والذي يحتوي على عدة غرف وزوايا، ولاح له الأمل عندما اكتشف غطاء فتحه مغطاة بسجاده بالية على الأرض.. وما أن فتحها حتى وجدها تؤدي إلى سلم ينزل إلى سرداب سفلي، ويليه درج أخر يصعد مرة أخرى.. وظل يصعد إلى أن بدأ يحس بتسلل نسيم الهواء الخارجي، مما بث في نفسه الأمل إلى أن وجد نفسه في النهاية في برج القلعة الشاهق، والأرض لايكاد يراها.. عاد أدراجه حزينا منهكا، ولكنه واثق أن الامبراطور لايخدعه، وبينما هو ملقى على الأرض مهموم ومنهك، ضرب بقدمه الحائط، وإذا به يحس بالحجر الذي يضع عليه قدمه يتزحزح.
فقفز وبدأ يختبر الحجر، فوجد بالإمكان تحريكه، وما إن أزاحه وإذا به يجد سردابا ضيقا، لايكاد يتسع للزحف.. فبدأ يزحف فسمع صوت خرير مياه، وأحس بالأمل، لعلمه أن القلعة تطل على نهر، لكنه في النهاية وجد نافذة مغلقة بالحديد، أمكنه أن يرى النهر من خلالها.
عاد يختبر كل حجر وبقعة في السجن، ربما كان فيه مفتاح حجر آخر.. لكن كل محاولاته ضاعت سدى، والليل يمضي، واستمر يحاول ويبحث، وفي كل مرة يكتشف أملا جديدا.. فتارة ينتهي إلى نافذة حديدية، وتارة إلى سرداب طويل ذو تعرجات لانهاية لها ؛ ليجد السرداب أعاده لنفس الزنزانة.
وهكذا ظل طوال الليل، يلهث في محاولات وبوادر أمل تلوح له مرة من هنا، ومرة من هناك.. وكلها توحي له بالأمل في بداية الأمر ؛ لكنها في النهاية تبوء بالفشل.. وأخيرا انقضت ليله السجين كلها، ولاحت له الشمس من خلال النافذة، ووجد وجه الإمبراطور يطل عليه من الباب ويقول له : أراك لازلت هنا!..
قال السجين : كنت أتوقع انك صادق معي أيها الإمبراطور!.. قال له الإمبراطور : لقد كنت صادقا.. سأله السجين : لم أترك بقعة في الجناح، لم أحاول فيها ؛ فأين المخرج الذي قلت لي؟.. قال له الإمبراطور : لقد كان باب الزنزانة مفتوحا، وغير مغلق.

الفائدة : الإنسان دائما يضع لنفسه صعوبات وعواقب، ولا يلتفت إلى ما هو بسيط في حياته.. حياتنا قد تكون بسيطة بالتفكير البسيط لها، وتكون صعبة عندما يستصعب الإنسان شيئا في حياته.

303 بنت علي ع

مايفعله البر!..
يحكى أن البقرة التي أمر الله – جل وعلا – بني إسرائيل بذبحها، تعود لشاب كان في غاية البر بوالديه، وكان هذا الشاب أتته صفقة مربحة، كان عليه دفع المبلغ، ولكن المبلغ كان عند والده الذي كان نائماً!.. فأبى إزعاج والده، ففضل ترك الصفقة على إيقاظه، وكان البائع على استعداد بيع بضاعته بسعر أقل نقداً، ومع ذلك أبى الشاب إيقاظ والده، ولم تتم الصفقة!..
فعوضه الله – جل وعلا – بإيثاره هذا، بفرصة أحسن.. إذ أنه لما استيقظ والده، أهدى له البقرة المذكورة أعلاه، حيث كانت باهظة الثمن، فدرت عليه ربحاً كثيراً.. وكما قال الرسول محمد (ص): أنظروا إلى البر ما بلغ بأهله!..

304 بلا صديق

أعطي فشكر، ابتلي فصبر
قالت امرأة لزوجها – وكانت حسناء، وهو قبيح دميم -: أبشر!.. فإني وإياك في الجنة، فقال : ولم؟.. قالت : لأنك أعطيت ؛ فشكرت.. وأنا ابتليت ؛ فصبرت!..

305 ام علي

قصة لنوح عليه السلام
ذكر الشهيد آية الله دستغيب (رضوان الله عليه) في كتابه الاستعاذة :
بعد أن دعا نوح (على نبينا وآله السلام) على الكفار من قومه، وأخذهم الطوفان، ظهر له ملك.. وكان النبي نوح يعمل في صناعة الجرار ؛ فكان يصنع الجرة من الطين، وبعد أن تجف يبيعها.. فكان الملك يشتري منه الجرار واحدة فواحدة، ويكسرها أمامه.. فغضب نوح وسأله عن سبب فعله هذا، فقال له : الأمر لا يعنيك فأنا قد اشتريتها، وأمرها إليّ!.. فقال له نوح – عليه السلام – : صحيح، ولكن أنا الذي صنعتها، وهي من صنعي.. قال له الملك : أنت صنعتها ولم تخلقها، ومع هذا فقد غضبت على كسرها، فكيف دعوت على كل عباد الله فهلكوا، مع أن الله خلقهم ويحبهم!.. فبقي من بعد هذه القضية يبكي وينوح، حتّى سمي ّنوحا لكثرة نياحه.

306 رافضية محبة

قصة تدل على الذكاء
قصة جميلة جداً تدل على ذكاء النساء :
قديما وفي أحد قرى الهند الصغيرة، كان هناك مزارع غير محظوظ، لأنه اقترض مبلغا كبيرا من المال من أحد مقرضي المال في القرية.. مقرض المال هذا – وهو عجوز وقبيح – أعجب ببنت المزارع الفاتنة، لذا قدم عرضا بمقايضة قال :
بأنه سيعفي المزارع من القرض إذا زوجه ابنته.. ارتاب المزارع وابنته من هذا العرض، عندئذ اقترح مقرض المال الماكر، بأن يدع المزارع وابنته للقدر أن يقرر هذا الأمر. أخبرهم بأنه سيضع حصاتين : واحدة سوداء، والأخرى بيضاء في كيس النقود، وعلى الفتاة التقاط أحد الحصاتين.
1. إذا التقطت الحصاة السوداء، تصبح زوجته ويتنازل عن قرض أبيها.
2. إذا التقطت الحصاة البيضاء، لا تتزوجه، ويتنازل عن قرض أبيها.
3. إذا رفضت التقاط أي حصاة، سيسجن والدها.
كان الجميع واقفين على ممر مفروش بالحصى في أرض المزارع، وحينما كان النقاش جاريا، انحنى مقرض المال ليلتقط حصاتين، انتبهت الفتاة حادة البصر، أن الرجل التقط حصاتين سوداوين ووضعهما في الكيس، ثم طلب من الفتاة التقاط حصاة من الكيس.. الآن تخيل أنك كنت تقف هناك، بماذا ستنصح الفتاة؟.. إذا حللنا الموقف بعناية، سنستنتج الاحتمالات التالية :
1. سترفض الفتاة التقاط الحصاة.
2. يجب على الفتاة إظهار وجود حصاتين سوداوين في كيس النقود، وبيان أن مقرض المال رجل غشاش.
3. تلتقط الفتاة الحصاة السوداء، وتضحي بنفسها لتنقذ أباها من الدين والسجن.
تأمل لحظة في هذه الحكاية!.. إنها تسرد حتى نقدر الفرق بين التفكير السطحي، والتفكير المنطقي.
إن ورطة هذه الفتاة لا يمكن الإفلات منها، إذا استخدمنا التفكير المنطقي الاعتيادي.. فكر بالنتائج التي ستحدث، إذا اختارت الفتاة إجابة الأسئلة المنطقية في الأعلى مرة أخرى، ماذا ستنصح الفتاة؟..
حسنا!.. هذا ما فعلته الفتاة : أدخلت الفتاة يدها في كيس النقود، وسحبت منه حصاة، وبدون أن تفتح يدها وتنظر إلى لون الحصاة، تعثرت وأسقطت الحصاة من يدها في الممر المملوء بالحصى، وبذلك لا يمكن الجزم بلون الحصاة التي التقطتها الفتاة.. ولكننا نستطيع النظر في الكيس للحصاة الباقية، وعندئذ نعرف لون الحصاة التي التقطتها.. هكذا قالت الفتاة.
وبما أن الحصاة المتبقية سوداء، فإننا سنفترض أنها التقطت الحصاة البيضاء.. وبما أن مقرض المال لن يجرؤ على فضح عدم أمانته، فإن الفتاة قد غيرت بما ظهر أنه موقف مستحيل التصرف به، إلى موقف نافع لأبعد الحدود.
الدروس المستفادة من القصة : أن هناك حلا لأعقد المشاكل، ولكننا لا نحاول التفكير.. اعمل بذكاء، ولا تعمل بشكل مرهق.

307 بنت البتول

كيف يموت جبرئيل؟..
موت جبرائيل عليه السلام :
يقول الجبار جل جلاله : يا ملك الموت، من بقي؟!.. – وهو أعلم – فيقول ملك الموت : سيدي ومولاي أنت أعلم!.. بقي إسرافيل، وبقي ميكائيل، وبقي جبريل.. وبقي عبدك الضعيف ملك الموت، خاضع ذليل، قد ذهلت نفسه لعظيم ما عاين من الأهوال.
فيقول له الجبار تبارك وتعالى : انطلق إلى جبريل فأقبض روحه!.. فينطلق إلى جبريل فيجده ساجداً راكعاً، فيقول له : ما أغفلك عما يراد بك يا مسكين!.. قد مات بنو آدم، وأهل الدنيا، والأرض، والطير، والسباع، والهوام، وسكان السموات، وحملة العرش والكرسي، والسرادقات، وسكان سدرة المنتهى.. وقد أمرني المولى بقبض روحك!..
فعند ذلك يبكي جبريل – عليه السلام – ويقول متضرعاً إلى الله عز وجل : يا الله، هوّن عليّ سكرات الموت (يا الله، هذا ملك كريم يتضرع ويطلب من الله بتهوين سكرات الموت، وهو لم يعص الله قط.. فما بالنا نحن البشر، ونحن ساهون لا نذكر الموت إلا قليلا)، فيضمه ضمة فيخر جبريل منها صريعاً.. فيقول الجبار جل جلاله : من بقي يا ملك الموت؟!.. – وهو أعلم – فيقول : مولاي وسيدي، بقي ميكائيل وإسرافيل، وعبدك الضعيف ملك الموت.

موت ميكائيل عليه السلام (الملك المكلف بالماء والقطر)
فيقول الله عز وجل : انطلق إلى ميكائيل، فأقبض روحه!.. فينطلق إلى ميكائيل، فيجده ينتظر المطر ليكيله على السحاب، فيقول له : ما أغفلك يا مسكين عما يراد بك!.. ما بقي لبني آدم رزق، ولا للأنعام ولا للوحوش ولا للهوام، قد مات أهل السموات والأرضين، وأهل الحجب والسرادقات، وحملة العرش والكرسي، وسرادقات المجد، والكروبيون والصافون والمسبحون.. وقد أمرني ربي بقبض روحك ؛ فعند ذلك يبكي ميكائيل، ويتضرع إلى الله ويسأله أن يهون عليه سكرات الموت.. فيحضنه ملك الموت، ويضمه ضمة، يقبض روحه.. فيخر صريعاً ميتاً لا روح فيه.. فيقول الجبار جل جلاله : من بقي يا ملك الموت؟!.. – وهو أعلم – فيقول : مولاي وسيدي، أنت أعلم!.. بقي إسرافيل، وعبدك الضعيف ملك الموت.

موت إسرافيل عليه السلام (الملك الموكل بنفخ الصور)
فيقول الجبار تبارك وتعالى : انطلق إلى إسرافيل، فاقبض روحه!.. فينطلق كما أمره الجبار إلى إسرافيل (وإسرافيل ملك عظيم) فيقول له : ما أغفلك يا مسكين عما يراد بك!.. قد ماتت الخلائق كلها، وما بقي أحد، وقد أمرني الله بقبض روحك، فيقول إسرافيل : سبحان من قهر العباد بالموت!.. سبحان من تفرد بالبقاء!.. ثم يقول : مولاي، هون علي مرارة الموت.. فيضمه ملك الموت ضمة، يقبض فيها روحه، فيخر صريعاً.. فلو كان أهل السموات والأرض في السموات والأرض لماتوا كلهم من شدة وقعته.

موت ملك الموت عليه السلام (الموكل بقبض الأرواح)
فيسأل الله ملك الموت : من بقي يا ملك الموت؟!.. – وهو أعلم – فيقول : مولاي وسيدي، أنت اعلم بمن بقي!.. بقي عبدك الضعيف ملك الموت.. فيقول الجبار عز وجل : وعزتي وجلالي، لأذيقنك ما أذقت عبادي، انطلق بين الجنة والنار ومت.. فينطلق بين الجنة والنار، فيصيح صيحة لولا أن الله – تبارك وتعالى – أمات الخلائق، لماتوا عن آخرهم من شدة صيحته فيموت.

ثم يطلع الله – تبارك وتعالى – إلى الدنيا فيقول : يا دنيا أين أنهارك؟!.. أين أشجارك؟!.. وأين عمارك؟!.. أين الملوك وأبناء الملوك؟!.. وأين الجبابرة وأبناء الجبابرة؟!.. أين الذين أكلوا رزقي، وتقلبوا في نعمتي، وعبدوا غيري؟!.. لمن الملك اليوم؟!.. فلا يجيبه أحد.. فيرد الله – عز وجل – فيقول : الملك لله الواحد القهار.
سبحان الله العلي العظيم يحيي ويميت!..

308 بنت البتول

طرائف وحكايات
شاب يدرس في السنوات الأولى من الجامعة، طلب منه القيام بتشريح أرنب.. أخبر أهله بأنه سينوي القيام بذلك، ووعدهم أن يريهم إياه بعدما ينتهي منه.. لكنه لاحظ على أخته التي كانت ترضع مولودها الحديث الولادة، بأنها لا ترغب أن تراه إن فعل ذلك.. وهو متعود على ممازحتها، وفعل المقالب بها.
وشرح الأرنب، وأحضره للبيت، واتجه إلى غرفة أخته التي كانت تجلس عندهم.. ودخل الغرفة، وبيده الأرنب ليعاند أخته، لكنه لم يجدها، وسمع صوتها وهي تستحم في الحمام.. ووجد ابنها الرضيع على السرير، فحمل ابن اخته يلاعبه.. ثم جاء ته فكرة :
أخذ الأرنب المشرح ووضعه في السرير بدل الطفل، ليتلاعب بأعصاب أخته حين ترى الأرنب في غرفتها.. وأخذ الطفل، وخرج به من الغرفة.. وما هي إلا لحظات لتخرج الأخت من الحمام، فتلقي نظرة على مولودها، لتجد الأرنب.. اعتقدت أن الذي في السرير، وقد خرجت أعضاؤه، هو طفلها.. ومن شدة لهفتها على طفلها، أصيبت مباشرة بانهيار، ثم سكتة قلبية مفاجئة، ثم ماتت.. وسبب الوفاة مزحة!..

309 شجن

القهوة
من التقاليد الجميلة في الجامعات، والمدارس الثانوية الأمريكية، أن خريجيها يعودون إليها بين الحين والآخر في لقاء ات لمّ شمل، منظمة ومبرمجة.. فيقضون وقتا ممتعا في مباني الجامعات التي تقاسموا فيها القلق والشقاوة والعفرتة.. ويتعرفون على أحوال بعضهم البعض : من نجح وظيفيا، ومن تزوج، ومن أنجب.
وفي إحدى تلك الجامعات، التقى بعض خريجيها في منزل أستاذهم العجوز، بعد سنوات طويلة من مغادرة مقاعد الدارسة.. وبعد أن حققوا نجاحات كبيرة في حياتهم العملية، ونالوا
أرفع المناصب، وحققوا الاستقرار المادي والاجتماعي.
وبعد عبارات التحية والمجاملة، طفق كل منهم يتأفف من ضغوط العمل، والحياة التي تسبب لهم الكثير من التوتر.. وغاب الأستاذ عنهم قليلا ثم عاد يحمل إبريقا كبيرا من القهوة، ومعه أكواب من كل شكل ولون : صيني فاخر، على ميلامين، على زجاج عادي،
على كريستال، على بلاستيك.. يعني بعض الأكواب كانت في منتهى الجمال، تصميما ولونا..
وبالتالي، باهظة الثمن.. بينما كانت هناك أكواب من النوع الذي تجده في أفقر البيوت.
وقال لهم الأستاذ : تفضلوا، كل واحد منكم يسكب لنفسه القهوة.. عندما أمسك كل واحد من الخريجين بكوب، تكلم الأستاذ مجددا :
هل لاحظتم أن الأكواب الجميلة، فقط هي التي وقع عليها اختياركم، وأنكم تجنبتم الأكواب العادية؟..
ومن الطبيعي أن يتطلع الواحد منكم إلى ما هو أفضل، وهذا بالضبط ما يسبب لكم القلق
والتوتر.. ما كنتم بحاجة إليه فعلا هو القهوة، وليس الكوب.. ولكنكم تهافتم على الأكواب الجميلة الثمينة، وعين كل واحد منكم على الأكواب التي في أيدي الآخرين.. فلو كانت الحياة هي القهوة، فإن الوظيفة والمال والمكانة الاجتماعية هي الأكواب.. وهي بالتالي مجرد أدوات ومواعين تحوي الحياة، ونوعية الحياة (القهوة) هي، هي، لا تتغير.. وبالتركيز فقط على الكوب، نضيع فرصة الاستمتاع بالقهوة.

310 شجن

لا نستطيع إفادة َ ، إلا إذا قدّمنا
لا نستطيع إفادة َ الآخرين، إلا إذا قدّمنا تضحية من أجلهم

الممحاة والقلم؟..
كان داخل المقلمة، ممحاة صغيرة، وقلمُ رصاصٍ جميل.. ودار حوار قصير بينهما..
الممحاة : كيف حالكَ يا صديقي؟..
القلم : لستُ صديقكِ!..
الممحاة : لماذا؟..
القلم : لأنني أكرهكِ.
الممحاة : ولمَ تكرهني؟..
قال القلم : لأنكِ تمحين ما أكتب.
الممحاة : أنا لا أمحو إلا الأخطاء.
القلم : وما شأنكِ أنتِ؟!..
الممحاة : أنا ممحاة، وهذا عملي.
القلم : هذا ليس عملاً!..
الممحاة : عملي نافع، مثل عملكَ.
القلم : أنتِ مخطئة ومغرورة.
الممحاة : لماذا؟..
القلم : لأنّ مَنْ يكتبُ أفضلُ ممّنْ يمحو.
قالت الممحاة : إزالة ُ الخطأ تعادلُ كتابة َ الصواب.
أطرق القلم لحظة، ثم رفع رأسه، وقال : صدقْتِ يا عزيزتي!..
الممحاة : أما زلتَ تكرهني؟..
القلم : لن أكره مَنْ يمحو أخطائي.
الممحاة : وأنا لن أمحوَ ما كان صواباً.
قال القلم : ولكنني أراكِ تصغرين يوماً بعد يوم!..
الممحاة : لأنني أضحّي بشيء ٍ من جسمي كلّما محوْتُ خطأ.
قال القلم محزوناً : وأنا أحسُّ أنني أقصرُ مما كنت!..
قالت الممحاة تواسيه : لا نستطيع إفادة َ الآخرين، إلا إذا قدّمنا تضحية من أجلهم.
قال القلم مسروراً : ما أعظمكِ يا صديقتي، وما أجمل كلامك!..
فرحتِ الممحاة، وفرح القلم، وعاشا صديقين حميمين، لا يفترقانِ ولا يختلفان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى