طرائف وحكايات

طرائف وحكايات – 27

261 سراجي

الدّليل على قوة النفس
الدّليل على قوة النفس
مِمَّا يُكرَهُ للملوك المبالغة ُ في الميل إلى النّساء، والانهماك في محبّتهن، وقطع الزمان بالخلوة معهن. فأما مشاورتهن في الأمور فمجلبة ٌ للعجز، ومدْعاة إلى الفساد، ومَنْبهة على ضعف الرأي، اللهم إلا أن تكون مشاورتهن يراد بها مخالفتهن، كما قال عليه السلام : ” شاوروهنّ وخالفوهن “! فإذا أشكل عليكم الصواب فشاوروهنّ، فإذا مِلْنَ إلى شيء فاعلموا أن الصواب في خلافه. وقد حَدَثَ أن عضدَ الدولة فَنّاخُسْرَوْ بن بُوَيْه شغفته امرأة من جواريه حباً، وغلب عليه، فاشتغل بها عن تدبير المملكة حتى ظهر الخلل في مملكته، فخلا به وزيرُه وقال له : أيها الملك، إن هذه الجارية قد شغلتك عن مصالح دولتك حتى لقد تطرّق النقص عليها من عدّة جهات. وما سبب ذلك إلا اشتغالك عن إصلاح دولتك بهذه المرأة. والصواب أن تتركها وتلتفت إلى إصلاح ما فسد. وبعد أيام جلس عضد الدولة على مُشْتَرَف له على دجلة، واستدعى الجارية فحضرت. فشاغلها ساعة حتى غفلت عن نفسها ثم دفعها إلى النهر فغرقت. وتفرّغ خاطرُه من حبها واشتغل بإصلاح أمور دولته. وقد نسب الناس هذا الفعل من عضد الدولة إلى قوة النفس حين قويتْ نفسه على قتل محبوبته. وأنا أستدلّ بهذا الفعل على ضعف نفس عضد الدولة لا على قوّتها، فلو أنه تركها حيّة ثم أعرض عنها لكان ذلك هو الدليل على قوّة نفسه.

262 سراجي

المنجم
المنجم
أتت امرأة مصرية الشيخ رزق الله النّحاس أحد المنجمين بمصر، وسألته أن يقرأ لها طالعها وأعطته درهماً أجراً له. فقاس ارتفاع الشمس وحقّق درجة الطالع والبيوت الاثني عشر ومراكز الكواكب، ورسم ذلك كله في تخت، وجعل يتكلّم على بيت بيت منها ويخبرها بطالعها وهي ساكتة واجمة. فوجم هو لوجومها وأدركه فتور فسكت. ثم عاود الكلام وقال : أرى فيما يتّصل بالمال أنك تفقدين جانباً من مالك عما قريب، فاحترسي. فقالت : الآن أصبت وصدقت، وقد كان والله ما ذكرتَ. قال : وهل ضاع لكِ شيء؟ قالت : نعم، الدرهم الذي أعطيتُك الآن إيّاه! وتركتْه وانصرفت.

263 سراجي

الحـُبّ والطعــام
الحـُبّ والطعــام
كان أبو الحارث حسين يـُظهرِ لجارية من المحبة أمرًا عظيمـًا. فدعتـْه وأخـّرت الطعام إلى أن ضاق، فقال : يا سيـّدتي، مالي لا أسمع للغداء ذِكـْرًا؟ فقالت : يا سبحان الله! أما يكفيك النظر إليّ وما ترغبه فيّ من أن تقول هذا! فقال : يا سيدتي، لو جلس جميل وبثينة من بكرة إلى هذا الوقت لا يأكلان طعامـًا لبصق كلُّ واحد منهما في وجه صاحبه!

264 سراجي

بـلاء أعظـم مـن بـلاء
بـلاء أعظـم مـن بـلاء
قدم رجل من بني عبس، وكان ضريراً محطوم الوجه، على الوليد بن عبد الملك، فسأله الوليد، عن سبب ذلك، فقال : بـِتُّ ليلة في بطن وادٍ ولا أعلم في الأرض عبـْسيا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل، فذهب بما كان لي من أهل وإبل ومال وولد، إلا صبياً وبعيراً، فنفر البعير، والصبي معي، فوضعته واتبعت البعير، فما جاوزت ابني قليلاً، إلا ورأس الذئب في بطنه يفترسه، فتركته. واتبعت البعير فرمحني رمحة حطـَّم بها وجهي، وأذهب عيني، فأصبحت لا مال عندي ولا ولد، حتى بصري قد فقدته كما ترى، فقال الوليد : اذهبوا به إلى عروة بن الزبير، وكان قد أصابه بلاء متتابع، ليعلم أن في الناس من هو أعظم بلاء منه.

265 سراجي

وافَـقَ شَـنٌّ طَبَقَـة
وافَـقَ شَـنٌّ طَبَقَـة
كان رجلٌ من دهاة العرب وعقلائهم يقال له شَنٌّ. فقال : لأطوفَنَّ حتى أجد امرأة ً مثلي فأتزوجها. فبينما هو في بعض مسيره إذأوفقه رجلٌّ في الطريق. فسأله شن : أين تريد؟ فقال موضع كذا، (يريد القرية التي يقصد لها شن). فرافقه فلما أخذا في مسيرهما، قال له شن : أتحملني أم أحملك؟ فقال له الرجل : يا جاهل، أنا راكب وأنت راكب فكيف أحملك أو تحملني؟! فسكت عنه شن. وسارا، حتى إذا قربا من القرية، إذا هما بزرع قد استحصد فقال له شن : أترى هذا الزرع أُكل أم لا؟ فقال له الرجل : يا جاهل، ترى نبتًا مستحصدًا، فتقول أتراه أُكل أم لا؟! فسكت عنه شن. وسارا، حتى إذا دخلا القرية لقيتهما جنازة فقال شن : أترى صاحب هذا النّعْش حيًا أم ميتًا؟ فقال له الرجل : ما رأيتُ أجهل منك! ترى جنازة فتسأل عنها أمّيت صاحبها أم حيّ فمضى معه. وكانت للرجل ابنة يقال لها طَبَقَة ُ. فلما دخل عليها أبوها سألته عن ضيفه فأخبرها بمرافقته إياه، وشكا إليها جهله وحدثها بحديثه. فقالت : يا أبتِ، ما هذا بجاهل. أمّا قوله : أتحملني أم أحملك فأراد : أتحدثني أم أحدِّثك حتى نقطع طريقنا. وأما قوله : أترى هذا الزرع أُكل أم لا، فإنما أراد أباعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا. وأما قوله : أترى صاحب هذا النّعْش حيا أم ميتا، فأراد هل ترك عَقِبًا يحيا بهم ذِكْرُه أم لا. فخرج الرجل فقعد مع شنّ، فحادثه ساعة، ثم قال له : أتحبّ أن أفسر لك ما سألتني عنه؟ قال : نعم. ففسره. فقال شنّ : ما هذا من كلامك، فأخبِرْني مَنْ صاحبه. فقال : ابنة لي. فخطبها إليه، فزوّجه إيّاها وحملها إلى أهله. فلما رأوهما قالوا : وافق شَنٌّ طبقة! فذهبت مثلاً.

266 سراجي

تقرأ شيئًا من القرآن ؟
تقرأ شيئًا من القرآن؟
قدّم رجل ابنًا له إلى القاضي فقال : أصلح الله القاضي، إن هذا ابني يشرب الخمر ولا يصلي. فقال له القاضي : ما تقول يا غلام فيما حكاه أبوك عنك؟ قال : يقول غير الصحيح. إني أصلي ولا أشرب الخمر. فقال أبوه : أصلح الله القاضي، أتكون صلاة بلا تلاوة؟ فقال القاضي : يا غلام، تقرأ شيئًا من القرآن؟ قال : نعم، وأجيد القراء ة. قال : اقرأ! فقال : بسم الله الرحمن الرحيم، علق القلبُ ربابًا بعدما شابت وشابا إنّ دين الله حق لا أرى فيه ارتيابا! قال أبوه : والله أيها القاضي ما تعلم هاتين الآيتين إلا البارحة، لأنه سرق مصحفًا من بعض جيراننا! فقال القاضي : قبّحكما الله! تقرآن كتاب الله ولا تعملان به!

267 سراجي

توجيه للمعلم
توجيه للمعلم
قال عمر بن عتبة لمعلم ولده : ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت، علـّمهم كتاب الله ولا تملهم فيه فيتركوه ولا تتركهم منه فيهجروه. روِّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يـُحكموه فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم، وعلمهم سنن الحكماء، وجنبهم محادثة النساء، ولا تتكل على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك، قال الشاعر : وإن مــن أدبتـــه فــي الصبــا كالعودِ يُسقى الماء في غرسه حـتـى تــــراه مورقـاً نـاضــراً بعـد الـذي أبصـرت مـن يبسـه مـا تبلــغ الأعـداء مـن جاهـل مـا يبلــغ الجـاهـل مـن نفسـه.

268 سراجي

فما جوابك إلا السكوت
فما جوابك إلا السكوت
قال أبو الحسن المدائني : دخل محمد بن واسع على قُتيبة بن مسلم والي خُراسان في مِدْرعَة ِ صوف، فقال له : ما يَدْعُوك إلى لباس هذه؟ فسكت، فقال له قتيبة : أُكلِّمُك فلا تُجيبني؟ قال : أكرهُ أن أقول زُهْداً فأزكِّيَ نفسي، أو أقول فقراً فأشكو ربي، فما جوابك إلا السكوت.

269 سراجي

يعطي الجوز من لا أسنان له!
يعطي الجوز من لا أسنان له!
قال الحضرمي : أقمت مرة بقرطبة ولازمتُ سوق كتبها مدّة أترقـّب فيه وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع، وهو بخط فصيح وتفسير مليح. ففرحت به أشد الفرح، وجعلت أزيد في ثمنه فيرجع إليَّ : المنادي بالزيادة عليّ، إلى أن بلغ فوق حدّه. فقلت له : ما هذا؟ أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلغه إلى ما لا يساوي. فأراني شخصـًا عليه لباس الرئاسة، فدنوت منه وقلت له : أعزّ اللّه سيدنا الفقيه، إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركتـُه لك، فلقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حدّه. فقال لي : لستُ بفقيه، ولا أدري فيه، ولكني أقمتُ خزانة كتب، واحتفلتُ فيها لأتجمـّل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب. فلما رأيته حسن الخط، جيـّد التجليد، استحسنته، ولم أبال بما أزيد فيه، والحمد للّه على ما أنعم به من الرزق فهو كثير. فأحرجني وحملني على أن قلت : نعم، لا يكون الرزق كثيرًا إلا عند مثلك. يعطي الجوز من لا أسنان له! وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب وأطلب الانتفاع به، تحول قلـّة ما بيدي بيني وبينه!

270 سراجي

وفاء إعرابي
وفاء إعرابي
حدّث قُتيبة بن مسلم قال : أُتِي الحجاج بن يوسف بقوم كانوا قد خرجوا عليه، فأمر بقتلهم وبقي منهم واحد، فأقيمت الصلاة، فقال لي الحجاج : ليكن عندك الليلة وتأتي به إلينا غداً لأقتله. فخرجتُ والرجل معي، فلما صرنا في الطريق قال الرجل لي : هل لك في خير؟ قلت : وما هو؟ قال : إن عندي ودائع للناس، وإن صاحبك لقاتلي، فهل لك أن تُخْلي سبيلي لأودّع أهلي وأعطي كلَّ ذي حق حقّه، وأوصي بما عليّ ولي، والله تعالى كفيل لي أن أرجع إليك بُكْرَة. فتعجّبتُ من قوله وضحكت، فأعاد عليّ القولَ وقال : يا هذا، الله كفيل أن أعود إليك. وما زال يلحّ إلى أن قلت : اذهب! فلما توارى عني كأنني انتبهت، فقلت : ما صنعتُ بنفسي؟! ثم أتيت أهلي فباتوا بأطول ليلة. فلما أصبحنا إذا برجل يقرع الباب، فخرجت فإذا به. فقلت : رجعتَ؟! قال : جعلتُ الله كفيلاً ولا أرجع! فانطلقت، فلما بصر بي الحجاج قال : أين الأسير؟ قلت : بالباب، أصلح الله الأمير. فأحضرتُه وقصصتُ على الحجاجِ القصة، فجعل يردّد نظره فيه، ثم قال : وهبتُه لك. فانصرفتُ به. فلما خرج من الدار قلت له : اذهب أين شئتَ. فرفع بصره إلى السماء وقال : اللهم لك الحمد. فما شكرني ولا قال لي أحسنتَ ولا أسأت. فلما انصرف قلت في نفسي : مجنونٌ ورب الكعبة! فلما كان في اليوم الثاني جاء ني وقال : يا هذا، جزاك الله عني أفضل الجزاء. والله ما ذهب عني أمس ما صنعتَ ولكني كرهتُ أن أشْرِكَ في حمد الله أحدا!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى