طرائف وحكايات

طرائف وحكايات – 26

251 سراجي

لو صبـروا حتـى يرجـع
لو صبـروا حتـى يرجـع
دخل محمد بن واضح دار المأمون وخلفه أكثر من خمسمائة راكب، كلهم راغب إليه، وراهب منه، وهو إذ ذاك يلي أعمالاً من أعمال السـَّواد. فدعا به المأمون، فقال : يا أمير المؤمنين، أَعفـِني من عمل كذا وكذا، فإنه لا قوة لي عليه. فقال : قد أعفيتك. واستعفى من عمل آخر، وهو يظن أنه لا يـُعفيه، فأعفاه حتى خرج من كل عمل في يده في أقل من ساعة، فخرج وما في يده شيء من عمله. فقال المأمون لسالم الحوائجي : إذا خرج فانظر إلى موكبه، وأَحـْصِ من معه. وكان المأمون قد رآه من مـُستشرَف له حين أقبل. فخرج سالم وقد شاع الخبر بعزله عن عمله، فنظر فإذا هو لا يتبعه أحد إلا غلام له. فرجع إلى المأمون فأخبره. فقال : ويلهم! لو صبروا حتى يرجع إلى بيته كما خرج منه!

252 سراجي

تقلـّب الدنـيا
تقلـّب الدنـيا
من أعجب ما يُؤرّخ من تقلـّبات الدنيا بأهلها ما حكاه محمد بن غسـّان الهاشمي، قال : دخلتُ على والدتي في يوم عيد، فوجدتُ عندها امرأة في ثياب رثـّة. فقالت لي والدتي : أتعرف هذه؟ قلت : لا. قالت : هذه أمّ جفعر البرمكي رحمه الله. فأقبلتُ عليها بوجهي وأكرمتها، وتحادثنا زمانا، ثم قلت : يا أُمـّه، ما أعجب ما رأيتِ؟ فقالت : أتي عليّ يا بنيّ عيدٌ مثل هذا وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وإني لأعدُّ ابني عاقـّا لي. ولقد أتى عليّ يا بنيّ هذا العيد وما مُناي إلا جـِلـْدا شاتين، أفترش أحدَهما وألتحفُ الآخر. فدفعـَتُ إليها خمسمائة درهم، فكادت تموت فرحـًا بها.

253 سراجي

الشجرة
الشجرة
استودع رجلٌ رجلاً آخر مالاً، ثم طالبه به فأنكره. فخاصمه إلى إياس بن معاوية القاضي، وقال : دفعتُ إليه مالاً في الموضع الفلاني. قال إياس : فأيّ شيء كان في ذلك الموضع؟ قال : شجرة. قال : فانطلق إلى ذلك الموضع، وانظر إلى تلك الشجرة، فلعلّ الله يوضِّحُ لك هناك ما تُبَيِّنُ به حقَّك. أو لعلك دفنت مالك عند الشجرة ثم نسيتَ، فتتذكّر إذا رأيتَ الشجرة. فمضى. وقال إياس للمُطالَب بالمال : اجلس حتى يرجعَ صاحبُك. فجلس، وانشغل إياس عنه بالنظر في قضايا الناس، وهو ينظر إليه بين الحين والحين. ثم التفت إياس إليه فجأة وقال : تُرى هل بلغ صاحبك الآن موضع الشجرة؟ فأجاب الرجل : لا أظن، فهي بعيدة. فقال : يا عدوّ الله، هات المال فقد أقررتَ على نفسك!

254 سراجي

يرضيك هذا؟
يرضيك هذا؟
سار الملك محمد بن السلطان محمود إلى بغداد ليحصرها، ودار القتال على باب البلد فأمر الخليفة المقتفي فنودي ببغداد : كل من جُرح في القتال فله خمسة دنانير. فكان كل من جُرح يُوصَّلُ ذلك إليه وحضر أحد العامة عند الوزير مجروحًا، فقال له الوزير : هذا جرح صغير لا تستحق عليه شيئًا. فعاد الرجل إلى القتال، فضُرب في جوفه فخرجت أمعاؤه فعاد إلى الوزير، فقال له : يا مولانا الوزير، يُرضيك هذا؟! فضحك منه، وأمر له بِصِلة.

255 سراجي

حَجَـر الذّبـاب
حَجَـر الذّبـاب
حدّث رجل خراساني من بعض أصحاب الصّنعة، ممن كان يعرف بالأحجار الخواصيّة، قال : اجتزت ببائع في الطريق بمصر، فرأيت عنده حجرًا أعرفه، يكون وزنه خمسة دراهم، مليح المنظر. وكنت أعرف أن خاصيته في طرد الذباب، وكنت في طلبه منذ سنين كثيرة. فحين رأيته ساومته فيه، فاستام عليَّ به خمسة دراهم، فلم أماكسه ودفعتها إليه. فلما حصلت في يده، وحصل الحجر في يدي، أقبل يسخر مني ويقول : يجيء هؤلاء الحمير لا يدرون إيش يعطون، ولا إيش يأخذون! هذه الحصاة رأيتها منذ أيام مع صبي، فوهبت له دانق فضـّة وأخذتها، وقد اشتراها هذا الأحمق مني بخمسة دراهم! فرجعت إليه وقلت له : يجب أن أعرّفك أنك أنت الأحمق، لا أنا. قال : كيف؟ قلت : قم معي حتى أعرّفك ذلك. فأقمته ومضينا حتى اجتزنا ببائع يبيع التمر في قصعة، والذّباب محيط بها. فنحّيت الرجل بعيدًا من القصعة، وجعلت الحجر عليها، فحين استقرَّ عليها طار جميع الذباب وتركته ساعة وهي خالية من الذباب، ثم أخذت الحجر، فرجع الذباب. ثم رددته فصار وفعلت ذلك ثلاث مرات. ثم خبّأت الحجر، وقلت : يا أحمق، هذا حجر الذباب، وقد قدمت في طلبه من خراسان، يجعله الملوك عندنا على موائدهم فلا يقربها الذباب، ولا يحتاجون إلى مذبّة ولا إلى مروحة. واللّه لو لم تبعني إيـّاه إلا بخمسمائة دينار لاشتريته منك! فشهق شهقة قدّرت أنه تَلف، ثم أفاق منها بعد ساعة وافترقنا.

256 سراجي

حوار طريف
حوار طريف
حـُكي أن أعرابياً مرَّ بآخر فقال له : من أين أقبلت يا ابن عم؟ فقال : من الثـَّنية، قال : هل أتيتنا بخير؟ فقال : سل عما بدا لك. قال : كيف علمك بحيي؟ قال : أحسن العلم. قال : هل لك علم بكلبي نـَفاع. قال : حارس الحي؟ قال : فبأم عثمان. قال : ومن مثل أم عثمان؟ قال : فبعثمان؟ قال : وأبيك إنه جرو الأسد. قال : فبجملنا السقاء؟ قال : والله إن سنامه ليخرج من الغبيط. قال : فبالدار؟ قال : وأبيك إنها لخصيبة الجناب عامرة الفناء، ثم قام عنه ناحية وقعد يأكل ولا يدعوه، فمر كلب فصاح به، وقال : يا ابن العم أين هذا الكلب من نفاع. قال : يا أسفا على نفاع. مات. قال : وما أماته؟ قال : أكل من لحم الجمل السقاء فاغتص بعظم منه فمات. قال : إنا لله، أو قد مات الجمل، فما أماته؟ قال : عثر بقبر أم عثمان فانكسرت رجله. فقال : ويلك أماتت أم عثمان؟ قال : أي والله علمت أنه أماتها لأسف على عثمان. قال : ويلك أمات عثمان؟ قال : أي وعهد الله قد سقطت عليه الدار. فرمى الأعرابي بطعامه، وأخذ ينتف لحيته، ويقول إلى أين أذهب؟ فيقول الآخر : إلى النار، وجعل يلتقط الطعام ويأكله ويهزأ به ويضحك ويقول : لا أرغم الله إلا أنف اللئام.

257 سراجي

عظـــات
عظـــات
قال حكيم أديب، وناصح أمين : إِياك وصحبة الملوك، فإنك إن لازمتهم ملوك، وإن تركتهم أذلوك، يستعظمون في الثواب رد الجواب، ويستصغرون في العتاب ضرب الرقاب. وقيل لحكيم من الذي لا يخاف أحداً؟ فقال : الذي لا يخافه أحد، فمن عدل في حكمه، وكفَّ عن ظلمه، نصره الحق، وحسنت لديه النـُّعمى، وأقبلت عليه الدنيا، فتهنـَّى بالعيش، واستغنى عن الجيش، وملك القلوب، وأمن الحروب، وصارت طاعته فرضاً، وظلت رعيته جنداً، وإن أول العدل أن يبدأ الرجل بنفسه، فيلزمها كل خلة زكية، وخصلة رضية، في مذهب سديد، ومكسب حميد، ليسلم عاجلاً، ويسعد آجلاً. وأول الجور، أن يعمد إليها فيجنبها الخير، ويعوِّدها الشر، ويـُلبسها الآثام، ويغبغبها المدام، ليعظم وزرها، ويقبح ذكرها.

258 سراجي

ذكاء طبيب
ذكاء طبيب
كان الحكيم الأجلّ رشيد الدين أبو حليقة أوحد زمانه في صناعة الطب، وقد خدم الملك الكامل ثم ولده الملك الصالح أيوب، ثم ولده الملك المعظم تورانشاه. ومن نوادره أنه جاء ت إليه امرأة من الريف، ومعها ولدها، وهو شاب قد غلب عليه النحول والمرض. فشكت إليه حال ولدها، وأنها قد أعيت فيه من المداواة، وهو لا يزداد إلا سقاماً ونحولاً. فنظر رشيد الدين إليه، واستقرأ حاله، وجسّ نبضه. فبينما هو يجس نبضه قال لغلامه، (وكان الوقت بارداً): ادخل ناولني الفرجية حتى أجعلها عليّ. فتغير نبض الشاب عند قوله تغيراً كثيراً، وتغيرّ لونه. فحدس رشيد الدين أن يكون عاشقاً. ثم جسّ نبضه بعد ذلك فوجده قد سكن. وعندما خرج الغلام إليه وقال له : هذه الفرجية، جسّ نبضه فوجده قد تغير. فقال لوالدته : إن ابنك هذا عاشق، والتي يهواها اسمها فرجية. فقالت : إي والله يا مولاي! هو يحب واحدة اسمها فرجية. وتعجبت من قوله لها غاية التعجب، ومن اطلاعه على اسم المرأة من غير معرفة متقدمة له لذلك.

259 سراجي

ذكـاء أبـي العـلاء
ذكـاء أبـي العـلاء
كان أبو العلاء المعرّي في غاية الذكاء المفرط. ويذكرون عنه أنه مرّ في بعض أسفاره بمكان، فطأطأ رأسه. فلما سـُئل عن ذلك قال : أما هنا شجرة؟ قالوا : لا. ونظروا، فإذا أصل شجرة هناك في الموضع الذي طأطأ رأسه فيه، وقد قـُطعت. وكان قد اجتاز بها قديمـًا مرّة، فأمره من كان معه بطأطأة رأسه لما جازوا تحتها، فلما مرّ بها المرّة الثانية طأطأ رأسه خوفـًا من أن يصيبه شيء منها. وكان يومـًا عند الخليفة ببغداد، وكان الخليفة يكره المتنبي ويضع منه، وأبو العلاء يحب المتنبي ويرفع من قدره ويمدحه. فجرى ذكر المتنبي في ذلك المجلس، فذمـّه الخليفة. فقال أبو العلاء : لو لم يكن للمتنبي إلا قصيدته التي أوّلها : لك يا منازل في القلوب منازلُ…. لكفاه ذلك. فغضب الخليفة، وقال لمن في المجلس : أتدرون ما أراد هذا الكلب من ذكره لهذه القصيدة؟ أراد قول المتنبي فيها : وإذا أتتـكَ مـذمـّتي من ناقصٍ فهي الشـهادة لـي بأنـّي كاملُ وإلاّ فالمتنبي له قصائد أحسن من هذه، وإنما أراد هذا. ثم قال : أخرجوا عني هذا الكلب!

260 سراجي

الدِّيـن والعقـل
الدِّيـن والعقـل
كتب أحدُ الزائغين إلى الإمام الجليل أبي حامد الغزالي يقول إن المقصود من الدّعوة والداعي، ومن أحكام الشريعة والتكاليف الظاهرة والتعبّد بالفرائض هو حصولُ المعرفة، فإن حصلت المعرفة عند امرئ أمكنه الاستغناء عن ظواهر الشرع وعن مراعاة الوسائط. فكان جواب الغزالي : مَثَلُ المغتر بعقله والمنخدع بهذا الظن كمثل رجل بنى له أبوه قصرا على رأس جبل، ووضع له فيه سَدًّا من حشيش طيب الرائحة، وأكّد الوصيّة على ولده مرّة بعد أخرى ألاّ يُخْلى هذا القصر عن هذا الحشيش طول عمره، وقال له : إيّاك أن تسكن هذا القصر ساعة من ليل أو نهار إلا وهذا الحشيش فيه. فلما مات الأب، زرع الولد حول القصر أنواعا من الرَّياحين، وجلب من البرِّ والبحر أحمالا من العُود والعنبر والمِسْك، وجمع في حديقة قصره جميع ذلك، مع شجرات كثيرة من الرياحين الطيبة الرائحة. فانغمرت رائحة ُ الحشيش لما فاحت هذه الروائح. فقال الرجل : لا أشك أن والدي ما أوصاني بحفظ هذا الحشيش إلا لطيب رائحته. والآن قد استغنيتُ بهذه الرياحين عن رائحته، فلا فائدة فيه الآن. وهو يضيق علي المكان. ثم أمر بالحشيش فرُمِيَ من القصر. فلما خلا القصر من الحشيش ظهرت من بعض ثُقَبِ القصر حَيَّة ٌ هائلة، وضربته ضربة ً أشرف بها على الهلاك، فتنبّه حيث لم ينفعه التنبُّه، وفطن إلى أن الحشيش كان من خاصيته دَفْعُ هذه الحية المُهْلِكَة. وكان لأبيه في الوصية بالحشيش غرضان : أحدهما انتفاع الولد برائحته، وذلك قد أدركه الولد بعقله، والثاني أن تَرُّدَّ الرائحة ُ الحيات المهلكة، وذلك مما قَصَّرَتْ عن إدراكه بصيرة ُ الولد، فاغترّ الولد بما عنده من العلم، وظنّ أنه لا سرَّ وراء معلومه ومعقوله. قد وقع لأبي حنيفة مثلُ هذا الظن في الفقهيات، فقال : أوجب اللهُ في كل أربعين شاة ً شاة ً، وقصد به إزالة الفقر، والشاة ُ آلة ٌ في الإزالة فإذا حصلت الإزالة ُ بمال آخر غير الشاة فقد حصل تمامُ المقصود. فقال الشافعي : صدقتَ بقولك أن هذا مقصود، وأخطأت في حُكْمِك بأنه لا مقصودَ سواه، إذ كيف تأمن أن يُقال يوم القيامة : قد كان لنا سرٌّ آخر في إشراك الغنيِّ الفقير مع نفسه في جِنس ماله؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى