طرائف وحكايات

طرائف وحكايات – 25

241 سراجي

عقـل راجــح
عقـل راجــح
تحدث أحدهم، وكان يتلقى الأدب على ” المبرد ” فقال : خرجت ذات مساء بعد أن انتهى الدرس من بيت المبرد فرأيت إنساناً أشعث، في أسمال بالية، ولما أن كدت أتجاوزه، أومأ إليَّ وبادرني بقوله.. ” أنت تلميذ المبرد، وإنني أعلم أنه عقب إلقاء درسه اليومي، يختتم حديثه ببيتين من الشعر… فماذا كانا اليوم؟ فقلت بسرعة لأتخلص منه. لقد ختم حديثه بهذين البيتين :
أعــار الغيـثَ نائلــه *** إذا مـا مــاؤه نَفِــدا
وإن أسـد شكـا جُبنـا *** أعـار فـؤاده الأسـدا
وما إن انتهيت، حتى أسرع هذا بقوله : لو أعار نائله للغيث، لأصبح بلا نائل، أي بخيل، ولو أعار الأسد فؤاده، لأصبح بلا فؤاد، فهل هذا مديح أم هجاء؟ فدهشت وقلت : ” إذاً ماذا كان يقول؟” وكنت أريد إحراجه، فأجاب بعد تمعن وببطء :
علم الغيث الندى حتى إذا *** ما وعاه علم البأس الأسد
فـإذا الغيـث مقـرٌّ بالكرم *** وإذا الليــث مقـرٌّ بالجلــد
وتركني مشدوهاً ومشى.

242 سراجي

أتـدري مـا الدّرهـم ؟
أتـدري مـا الدّرهـم؟
قال سلم بن أبي المعافى : كان أبي شديد البخل. وكان إلى جنب داره مزرعة فيها قـِثـّاء. وقد حدث وأنا صبيّ أن جاء ني صـِبيان أقران لي، فطلبت من أبي أن يهب لي درهمـًا أشتري لهم به قثاء. فقال لي : أتعرف حال الدرهم؟ كان في حجر في جبل، فضـُرب بالمعاول حتى استـُخرج، ثم طـُحن، ثم أُدْخـِل القـِدْرَ وصـُبَّ عليه الماء، وجـُمع بالزئبق، ثم صـُفـّي من رَقّ، ثم أدخلَ النار فسـُبك، ثم أخرج فضـُرب، وكـُتب في أحد شـِقـَّيه : لا إله إلا الله، وفي الآخر : محمد رسول الله. ثم حـُمل إلى أمير المؤمنين، فأمر بإدخاله بيت ماله ووكـّل به من يحرسه… وأنت والله أقبح من قـِرد، هوّنت الدرهم وهو طابع الله في أرضه. هو ويحك عـُشر العشرة، والعشرة عـُشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف عشر دِية المسلم.. ألا ترى كيف انتهى الدرهم الذي هوّنتـَه؟ وهـَل بيوت الأموال إلا درهم على درهم؟

243 سراجي

كـرم يزيد بـن المهلـّب
كـرم يزيد بـن المهلـّب
أجمع علماء التاريخ على أنه لم يكن في دولة بني أمية أكرم من بني المهلـّب ابن أبي صفرة، كما لم يكن في دولة بني العباس أكرم من البرامكة. ويُروَى عن يزيد بن المهلب أمير البصرة أنه طلب أثناء حجه حلاقـًا. فجاء فحلق رأسه. فأمر له يزيد بألف درهم. فتحيـّر الحلاق ودُهش، وقال : هذا الألف أمضي أشتري أمي من مالكها. فقال يزيد : أعطوه ألفـًا آخر. فقال : امرأتي طالق إن حلقتُ رأس أحد بعدك! فقال يزيد : أعطوه ألفين آخرين. وذكر الحافظ ابن عساكر أن يزيد بن المهلب لما هرب من الحجاج، اجتاز في طريقه بالشام على أبيات عرب. فقال يزيد لغلامه : اطلب لنا من هؤلاء لبنا. فأتاه بلبنٍ فشربه، ثم قال : أعطهم ألف درهم. فقال الغلام : إن هؤلاء لا يعرفونك. قال : لكني أعرف نفسي. أعطهم ألف درهم. فأعطاهم.

244 سراجي

فخر الدِّين الرازي وتلميذه العلويّ
فخر الدِّين الرازي وتلميذه العلويّ
حدّث النسّابة إسماعيل بن الحسين العلوي، قال : ورد فخر الدين الرازي إلى مَرْو. وكان من جلالة القدر، وعِظَم الذِّكر، وضخامة الهيبة، بحيث لا يُراجَع في كلامه، ولا يتنفّس أحد بين يديه. فتردّدتُ للقراء ة عليه. فقال لي يومًا : أُحبُّ أن تُصنِّفَ لي كتابًا لطيفًا في أنساب الطالبين لأنظر فيه وأحفظَه. فصنّفتُ له المصنَّف الفَخْري. فلما ناولته إياه، نزل عن مقعده وجلس على الحصير، وقال لي : اجلس على هذا المقعد! فأعظمتُ ذلك وأبيت، فانتهرني نهرة ً عظيمة مزعجة، وزعق عليّ وقال : اجلس حيث أقول لك! فتداخلني من هيبته ما لم أتمالك إلا أن جلست حيث أمرني. ثم أخذ يقرأ في كتابي وهو جالس بين يديّ، ويستفهمني عما استغلق عليه، إلى أن أنهاه قراء ة. فلما فرغ منه قال : اجلس الآن حيث شئت، فإن هذا عِلمٌ أنت أستاذي فيه، وأنا أستفيد منك وأُتلمذ لك. وليس من الأدب إلا أن يجلس التلميذ بين يدي الأستاذ.

245 سراجي

أتدري بماذا غفرتُ لك؟
أتدري بماذا غفرتُ لك؟
يروى أن بعض أصحاب الشبلي رآه في النوم بعد موته، فقال له : ماذا فعل الله بك؟ قال الشبلي : أوقفني الله بين يديه وقال : يا أبا بكر، أتدري بماذا غفرت لك؟ قلت : بصالح عملي؟ قال : لا. قلت : بإخلاصي في عبوديتي؟ قال : لا. قلت : بحجي وصومي وصلاتي؟ قال : لا. لم أغفر لك بذلك. قلت : بهجرتي إلى الصالحين و إدامة أسفاري في طلب العلوم؟ قال : لا. قلت : فهذه يا رب هي المنجيات التي كنت أعقد عليها خنصري وظني أنك تعفو عني وترحمني. قال : كل هذه لم أغفر لك بها. قلت : فَبِمَ يا رب؟ قال : أتذكر حين كنت تمشي في دروب بغداد، فوجدت هرة صغيرة قد أضعفها البرد، وهي تنزوي من جدار إلى جدار من شدة البرد والثلج، فأخذتها رحمة لها، وأدخلتها في فروٍ كان عليك وقاية لها؟ قلت : نعم! قال : برحمتك لتلك الهرة رحمتك.

246 سراجي

كُتُب المُبَشـِّر بن فاتـِك
كُتُب المُبَشـِّر بن فاتـِك
كان الأمير المبشر بن فاتك من أعيان أمراء مصر، وأفاضل علمائها، دائم الاشتغال، محبّ للاجتماع بالعلماء من أمثال ابن الهيثم وابن رضوان الطبيب. وقد اقتنى المبشـّر كتبًا كثيرة جدًا، فكان في أكثر أوقاته لا يفارقها، وليس له دأب إلا المطالعة والكتابة، ويرى أن ذلك أهم ما عنده. وكانت له زوجة كبيرة القدر أيضًا من أرباب الدولة. فلما توفـّى، رحمه الله، نهضت هي وجواريها إلى خزائن كتبه، وفي قلبها الحقد على الكتب لأنه كان يشتغل بها عنها، فجعلت تندبه، وفي أثناء ذلك ترمي الكتب في بركة ماء كبيرة في وسط الدار، وجواريها يساعدنها!

247 سراجي

زهـد وإيثــار
زهـد وإيثــار
بينما كان أمير المؤمنين علي عليه السلام، ماراً بسوق البصرة، وكان معه غلامه (قنبر)، فوقف أمام غلام يبيع أثواباً. فقال : يا غلام، عندك ثوبان بخمسة دراهم؟ فقال : نعم، فأعطى غلامه ثوباً بثلاثة دراهم، وأخذ لنفسه الثوب ذي الدرهمين. فقال له الغلام : خذ هذا أنت، فإنك تعلو المنبر وتخطب الناس. فقال له أمير المؤمنين : وأنت شاب، ولك بشرة الشباب، وأنا أستحي من ربي، أن أتفضل عليك، فإني سمعت رسول اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، يقول : ” ألبسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تأكلون “.

248 سراجي

شيرلـوك هولمـز العـرب
شيرلـوك هولمـز العـرب
نظر إياس بن معاوية، قاضي البصرة، يومـًا إلى رجل لم يره قط، فقال : هذا غريبٌ، من بلدة واسط، معلـّم كتـّاب، هرب له غلام. فلما وجدوا الأمر كذلك، سئل عن ذلك، فقال : رأيتُه يمشي ويلتفت في الأماكن والطرق، فعلمتُ أنه غريب. ورأيت على ثوبه حـُمرة تراب واسط، فعلمت من أهلها. ورأيته يمرّ بالصبيان فيسلـّم عليهم ولا يسلـّم على الرجال، فعلمت أنه معلم. ورأيته إذا مرّ بذي هيئة لم يلتفت إليه، وإذا مرّ بأسود ذي أسـْمال تأمـّله، فعلمت أنه يطلب عبدًا هاربـًا.

249 سراجي

تقـويم الكـلام
تقـويم الكـلام
كان بسجستان شيخ يتعاطى النّحو. فقال يومًا لابنه : إذا أردت أن تتكلم بشيء فاعرضه على عقلك، وفكّر فيه بجهدك حتى تقوّمه، ثم أخرج الكلمة مقوّمة. فبينما هما جالسان في بعض الأيام في الشتاء، والنار تتـّقد، وقعت شرارة في جُبـَّة خزّ كانت على الأب، وهو غافل والابن يراه. فسكت الابن ساعة يفكـِّر ثم قال : يا أبت، أريد أن أقول شيئًا، فتأذن لي فيه؟ قال أبوه : إنْ حقـّا فتكلم. قال : أراه حقـّا. فقال : قل. قال : إني أرى شيئًا أحمر. قال : وما هو؟ قال : شرارة وقعت في جُبـَّتك. فنظر الأب إلى جُبـَّته وقد احترق منها قطعة. فقال للابن : لِمَ لَمْ تُعْلِمْني سريعًا؟ قال : فكرت فيه كما أمرتني، ثم قـوَّمت الكلام وتكلمت فيه. فحلف أبوه بالطلاق أن لا يتكلم بالنحو أبدًا.

250 سراجي

أطباق الفستق
أطباق الفستق
شكا الحجاجُ إلى تياذوق الطبيب تعباً في معدته وكبده. فوصف له العبثَ بالفستق. فذكر الحجاجُ ذلك لجواريه، فلم يبق له جارية إلا قشرت له طبقاً عظيماً من الفستق وبعثت به إليه. وجلس الحجاج مع مسامريه، فأقبل يستفّ الفستق سفَّاً، فأصابه إسهال كاد يأتي على نفسه فشكا ذلك إلى تياذوق، فقال : إنما أمرتك أن تعبث بالفستق، وأردتُ بذلك الفستقَ الذي بقشره لتتولى أنت كسرَ الواحدة بعد الواحدة. ومصُّ قشر الفستق يُصلح معدة مثلك من الشباب الممرورين، وأكل بعض الفستق نفسه يصلح الكبد. وكان قصدي أنك إذا أكلت ما في الفستقة وحاولت كسر أخرى، لم يتم لك كسرها إلا وقد هضمت الفستقة التي قبلها. فأما ما فعلته أنت فليس بعجيب أن ينالك معه أكثر مما أنت فيه!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى