طرائف وحكايات

طرائف وحكايات – 23

221 سراجي

طـالـوت الفقـيه
طـالـوت الفقـيه
في أيام الحكم بن هشام، أمير الأندلس، ائتمر العلماء ليخلعوه، ثم جَيـَّشـُوا لقتاله. فأخذ الحكم في جمع الجنود، وهزم الثوار في وقعة هائلة شنيعة، وقبض على عدد من العلماء فضـُربت أعناقهم، ولاذ عدد آخر بالفرار. وكان ممن فرّ طالوت بن عبد الجبار المعافري. اختفى سنة عند يهوديّ، ثم خرج وقصد الوزير أبا البسـّام ليختفي عنده. فما كان من الوزير إلا أن توجـّه إلى الحكم بن هشام ليخبره بشأنه. قال : ما رأي الأمير في كبش سمين؟ فقال الحكم : ما الخبر؟ قال : طالوت عندي. فأمر الحكم بالقبض عليه وإحضاره من دار الوزير. فلما أُحضر قال له الحكم : يا طالوت، لو أن أباك أو ابنك مـَلـَك هذه الدار، أكنتَ فيها في الإكرام والبرّ على ما كنتُ أفعلُ معك؟ ألم أفعل كذا؟ ألم أَمـْشِ في جـِنازة امرأتك، ورجعت معك بعدها إلى دارك؟ أفما رضيتَ إلا بسفك دمي؟ فقال الفقيه في نفسه : لا أجد أنفعَ من الصدق. ثم قال : لقد أبغضتـُكَ لله فلم يـُجـْدِ ما صنعتَ معي لغير الله. فوجـَم الخليفة ساعة ثم قال : انصرف في حفظ الله، ولستُ بتاركٍ بـِرَّك. ولكن، أين ظـَفـِر بك الوزير أبو البسـّام؟ قال طالوت : أنا أَظـْفـَرْتـُه بنفسي. قصدتـُه لأختفي عنده. قال الحكم : فأين كنتَ قبل ذلك؟ قال : في دار يهوديّ أخفاني لله مدة سنة. فأطرق الخليفة مليـّا، ثم رفع رأسه إلى أبي البسـّام وقال : حفظه يهوديّ وستر عليه لمكانه من العلم والدين، وغدرتَ به أنت حين قصدك للاختفاء عندك. لا أرانا الله لك وجهـًا. ثم طرد الوزير، وزاد في إحسانه لليهودي.

222 سراجي

ضميـر ناقـد
ضميـر ناقـد
لما عزم الفتح بن خاقان الأندلسي على تصنيف كتاب ” قلائد العقيان “، أرسل إلى كل واحد من أهل الأدب والشعر والبلاغة في الأندلس يعرّفُه عَزْمَه، ويسأله أن يرسل إليه شيئا من شعره ونثره ليذكره في كتابه وكان الأدباء يعرفون شَرَّه وبذاء ة لسانه ويخافونه، فأرسلوا إليه مع شعرهم أو نثرهم صُرَرَ الدنانير. فكلُّ من أَرْضَتْهُ صلته أحسن في كتابه وصفَه وصِفَته وأثنى على أدبه، وكل من تغافل عن بِرِّه هجاه وثَلَبهُ. وكان ابن الصائغ أحد أركان العلم والبيان، شديد العناية بعلم الأوائل وكانوا يشبِّهونه بالمغرب بابن سينا بالمشرق. فلما وصلتْه رسالة ابن خاقان تهاون بها ولم يعرها اهتماما لاحتقاره شأن صاحبها. فما كان من ابن خاقان إلا أن كتب عنه في ” قلائد العقيان “: ” وأما ابن الصائغ فهو رَمَدُ جَفْن الدين، وكَمَدُ نفوس المهتدين، فكر في أجرام الأفلاك و حدود الأقاليم، ورفض كتاب الله العليّ العظيم ونبذه وراء ظهره ثاني عِطْفِه، وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن تكون إلى الله الرجعة ُ والفيئة، مع مَنْشَأٍ ذميم ولؤم أصل وخيم، وصورة ٍ شوّهها الله وقبحها، وطَلْعَة ٍ إذا أبصرها الكلبُ نبحها.” مع كلام طويل من هذا النوع. فلما بلغ ابن الصائغ ما كتبه عنه ابن خاقان، بادر فأرسل إليه مالا طائلا. وإذ ألّف ابن خاقان بعد ذلك كتابه ” ذيل شعراء الأندلس “، افتتحه بذكر ابن الصائغ، وأثنى عليه فيه ثناء جميلا فقال : ” أبو بكر بن الصائغ، بَدْرُ فَهْمٍ طالع، وبرهان علم قاطع، تَفَرَّحت بعِطرِه الأعصار، وتطيّبتْ بذكره الأمصار، مع نزاهة النفس وصَوْنها، وبُعْدِ الفساد من كَوْنها، والتحقيق الذي هو للإيمان بالله شقيق، والجِدُّ الذي يَخْلُقُ العُمرُ وهو مُسْتَجِدّ، قد جرى في كل ميدان فأحسن كل الإحسان، له أدبٌ يودّ عُطارِدُ أن يَلْتَحِفَه، يزيل من النفس حُزنَها وكَمَدَها..” مع كلام طويل من هذا النوع!

223 سراجي

تأديب أحمد بن طولون لولده
تأديب أحمد بن طولون لولده
قال عبد اللّه بن القاسم كاتب العباس بن أحمد بن طولون : بعث إليّ أحمد بن طولون بعد أن مضى من الليل نصفـُه، فوافيتـُه وأنا منه خائف مذعور. ودخل الحاجب بين يديّ وأنا في أثره، حتى أدخلني إلى بيت مظلم، فقال لي : سلـِّم على الأمير! فسلـَّمت. فقال لي ابن طولون من داخل البيت وهو في الظلام : لأي شيء يصلح هذا البيت؟ قلت : للفكر. قال : ولم؟ قلت : لأنه ليس فيه شيء يشغل الطرف بالنظر فيه. قال : أحسنت! امض إلى ابني العباس، فقل له : يقول لك الأمير اغدُ عليّ. وامنعه من أن يأكل شيئًا من الطعام إلى أن يجيئني فيأكل معي. فقلت : السمع والطاعة. وانصرفت، وفعلتُ ما أمرني به، ومنعته من أن يأكل شيئًا. وكان العباس قليل الصبر على الجوع، فرام أن يأكل شيئًا يسيرًا قبل ذهابه إلى أبيه، فمنعته. فركب إليه، وجلس بين يديه. وأطال أحمد بن طولون عمدًا، حتى علم أن العباس قد اشتدَّ جوعه. وأُحضرت مائدة ليس عليها إلا البوارد من البقول المطبوخة، فانهمك العباس في أكلها لشدَّة جوعه، حتى شبع من ذلك الطعام، وأبوه متوقف عن الانبساط في الأكل. فلما علم بأنه قد امتلأ من ذلك الطعام، أمرهم بنقل المائدة، وأُحضر كل لون طيـّب من الدجاج والبط والجدي والخروف، فانبسط أبوه في جميع ذلك فأكل، وأقبل يضع بين يدي ابنه منه، فلا يمكنه الأكل لشبعه. قال له أبوه : إنني أردت تأديبك في يومك هذا بما امتحنتك به. لا تـُلق بهمـَّتك على صغار الأمور بأن تسهـِّل على نفسك تناول يسيرها فيمنعك ذلك من كبارها، ولا تشتغل بما يقلّ قدرُه فلا يكون فيك فضلٌ لما يعظم قدرُه.

224 سراجي

الشَّعْبـِيّ وملك الروم
الشَّعْبـِيّ وملك الروم
كان الشعبي، نديم الخليفة عبد الملك بن مروان، كوفيا تابعيا جليل القدر، وافر العلم. حكى الشعبيّ قال : أنفذني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم. فلما وصلتُ إليه جعل لا يسألني عن شيء إلا أجبته. وكانت الرسل لا تُطيل الإقامة عنده، غير أنه استبقاني أياماً كثيرة، حتى استحثثتُ خروجي. فلما أردت الانصراف قال لي : من أهل بيت الخليفة أنت؟ قلت : لا، ولكني رجل من عامة العرب. فهمس لأصحابه بشيء، فدُفعتْ إليّ رقعة، وقال لي : إذا أدّيتَ الرسائل إلى الخليفة فأوصلْ إليه هذه الرقعة. فأديت الرسائل عند وصولي إلى عبد الملك، ونسيت الرقعة. فلما خرجت من قصره تذكّرتها، فرجعتُ فأوصلتُها إليه. فلما قرأها قال لي : أقال لك شيئاً قبل أن يدفعها إليك؟ قلت : نعم، قال لي : من أهل بيت الخليفة أنت؟ قلت لا، ولكني رجل من عامة العرب. ثم خرجت من عند عبد الملك، فلما بلغتُ الباب ردّني، فلما مثلت بين يديه قال لي : أتدري ما في الرقعة؟ قلت : لا. قال : اقرأها. فقرأتها، فإذا فيها : ” عجبتُ من قوم فيهم مثل هذا كيف ملّكوا غيرَه!” فقلت له : والله لو علمتُ ما فيها ما حَمَلتُها، وإنما قال هذا لأنه لم يَرَك. قال عبد الملك : أفتدري لم كتبها؟ قلت : لا. قال : حسدني عليك، وأراد أن يُغريني بقتلك. فلما بلغت القصة مسامع ملك الروم قال : ما أردت إلا ما قال!

225 سراجي

صبر وحكمة
صبر وحكمة
حكى اليافعي عن أبي الحسن السراج قال : خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام فبينما أنا أطوف، وإذا بامرأة قد أضاء حسن وجهها، فقلت : والله ما رأيت كاليوم قط نضارة وحسناً مثل هذه المرأة، وما ذلك، إلا لقلة الهم والحزن، فسمعت ذلك القول مني. فقالت : كيف قلت هذا يا رجل؟ والله إني لوثيقة بالأحزان، مكلومة الفؤاد بالهموم والأشجان، فقلت لها : وكيف ذلك؟ قالت : ذبح زوجي شاة ضحـَّى بها، ولي ولدان صغيران يلعبان وعلى ثديي طفل يرضع، فقمت لأصنع طعاماً فقال ابني الكبير لأخيه الصغير : ألا أريك كيف صنع أبي بالشاة؟ قال : بلى، فأضجعه وذبحه وخرج هارباً نحو الجبل، فأكله الذئب، فانطلق أبوه في طلبه فأدركه العطش فمات، فوضعت الطفل وخرجت إلى الباب أنظر ما فعل أبوه، فدب الطفل إلى البرمة وهي على النار، فألقى يده فيها، وصبها على نفسه وهي تغلي، فانتثر لحمه على عظمه، فبلغ ذلك ابنة لي كانت عند زوجها. فرمت بنفسها على الأرض فوافقت أجلها. فأفردني الدهر من بينهم. فقلت لها : فكيف صبرك على هذه المصائب؟ فقالت : ما من أحد ميـّز الصبر والجزع إلا وجد بينهما منهاجاً متفاوتاً، فأما الصبر بحسن العلانية، فمحمود العاقبة. وأما الجزع فصاحبه غير مـُعوَّض. فقلت لها : لقد صبرت فأجملت ونعم عقبى الصابرين.

226 سراجي

فأيّ عذرٍ لك اليـوم ؟
فأيّ عذرٍ لك اليـوم؟
كان الخليفة المهدي قد أكره شريكـاً النـّخعي على أن يليَ القضاء بالكوفة، وبعث معه جماعة ً من الشـُّرط يحفظونه حتى لا يهرب. ثم طابت نفسُ شريك بالمنصب فصار يقعد للقضاء من نفسه دون شـُرط يحفظونه. فلما بلغ سفيانَ الثوري أن شريكـاً قعد من نفسه، جاء إليه. فلما رآه شريك قام إليه فعظـّمه وأكرمه. ثم قال : يا أبا عبد الله، هل من حاجة أقضيها لك؟ قال سفيان : نعم. مسألة. قال : أو ليس عندك من العلم ما يكفيك؟ قال : أحببتُ أن أذكـّرك بها. قال : قل. قال سفيان : ما تقول في امرأة جاء ت فجلست على باب رجل فاحتملها ففجر بها. لمن تحدُّ منهما؟ قال شريك : الرجلُ دونها لأنها مغصوبة. قال سفيان : فلما كان من الغد جاء ت فتزيـّنت وتبخـّرت وجلست على ذلك الباب، ففتح الرجل فرآها، فاحتملها ففجر بها. لمن تحدّ؟ قال : أحدّهما جميعـاً لأنها جاء ت من نفسها بعد ما علمت الخبر بالأمس. قال سفيان : وأنت، كان عذرك بالأمس أن الشرط يحفظونك، فأيّ عذر لك اليوم؟ قال : يا أبا عبد الله، أكلـّمك. قال : ما كان الله ليراني أكلـّمك حتى تتوب. ووثب خارجـاً فلم يكلمه حتى مات. وكان إذا ذكره قال : أي رجل كان لو لم يفسدوه!

227 سراجي

فطانة
فطانة
روى الحسن بن إدريس الحلواني قال : سمعت الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه يقول : الشحم لا ينعقد مع الغم، ثم قال : وكان بعض ملوك الأرض قديماً، كثير الشحم لا ينتفع بنفسه، فجمع الأطباء وقال لهم : احتالوا بحيلة يخف بها لحمي هذا قليلاً، فما قدروا على شيء فجاء ه رجل عاقل متطبب، فقال له : عالجني ولك الغنى. قال : أصلح الله الملك، أنا طبيب منجم، فدعني حتى أنظر الليلة في طالعك، لأرى أي دواء يوافقك. فلما أصبح، قال له : أيها الملك، أعطني الأمان. فلما أمـَّنه قال : رأيت طالعك يدل على أنه لم يبق من عمرك غير شهر واحد، فإن اخترت عالجتك، وإن أردت أن تستوثق من ذلك، فاحبسني عندك، فإن كان لقولي حقيقة فحلّ عني، وإلا فاقتص مني، قال : فحبسه، ثم رفع الملاهي، واحتجب عن الناس، وخلا وحده مغتماً كئيباً حزيناً وكلما انسلخ يوم ازداد هماً وغماً وكمداً، حتى هزل وخف لحمه، وبعد ثمانية وعشرين يوماً بعث إليه وأخرجه، وقال : ما ترى؟ فقال : أعز الله الملك، أنا أهون على الله من علم الغيب، والله إني لا أعلم عمري، فكيف أعلم عمرك؟ ولكن لم يكن عندي دواء إلا الغم، فلم أقدر أجلب إليك الغم إلا بهذه الحيلة، فإن الغم يذيب الشحم، فأجازه على ذلك وأحسن إليه الإحسان كله، وذاق حلاوة الفرح، وانتفع بحياته الانتفاع كله.

228 سراجي

في هذه الدنيا مَن هو أجود منك
في هذه الدنيا مَن هو أجود منك
قال معن بن زائدة : لما انتقلت الدولة إلى بني العباس، جَدَّ المنصورُ في طلبي، وجعل لمن يحملني إليه مالاً. فاضطررت لشدّة الطلب إلى أن تعرّضت للشمس حتى لوحت وجهي، وخَفَّـفتُ عارضي، ولبست جبـّة صوف، وركبت جملاً، وخرجت متوجهًا إلى البادية لأقيم بها. فلما خرجتُ من باب حرب، وهو أحد أبواب بغداد، تبعني أَسود متقلـِّد بسيف، حتى إذا غبت عن الحرس، قبض على خطام الجمل فأناخه، وقبض على يدي. فقلت له : ما بك؟ فقال : أنت طلبة أمير المؤمنين. فقلت : ومن أنا حتى أُطلب. قال : أنت معن بن زائدة. فقلت له : يا هذا، اتّق اللّه، وأين أنا من معن؟ فقال : دع هذا، فواللّه إني لأَعـْرَفُ بك منك. فلما رأيت منه الجد، قلت له : هذا جوهر قد حملته معي بأضعاف ما جعله المنصور لمن يجيئه بي. فخذه ولا تكن سببًا في سفك دمي. قال : هاته. فأخرجته إليه، فنظر فيه ساعة وقال : صدقتَ في قيمته، ولستُ قابلَه حتى أسألك عن شيء، فإن صَدَقتني أطلقتك. فقلت : قل. قال : إن الناس قد وصفوك بالجود. فأخبرني : هل وهبتَ مالك كله قط؟ قلت : لا. قال : فنصفه؟ قلت : لا. قال : فثلثه؟ قلت : لا. حتى بلغ العُشر، فاستحييت وقلت : أظن أني فعلتُ هذا. قال : وما ذاك بعظيم. أما عني فرزقي من الخليفة كل شهر عشرون درهمًا. وهذا الجوهر قيمته ألوف الدنانير. وقد وهبتـُه لك، ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور بين الناس، ولتعلم أن في هذه الدنيا من هو أجود منك. فلا تُعجبك نفسك، ولتحقر بعد هذا كلَّ جود فعلتَه، ولا تتوقَّف عن مكرمة. ثم رمى العقد في حِجري، وترك خطام الجمل، وولّى منصرفًا. فقلت : يا هذا، قد واللّه فضحتني، ولَسَفْكُ دمي أهونُ عليّ مما فعلتَ. فخذ ما دفعتُه لك فإني غنيّ عنه. فضحك وقال : أردتَ أن تكذبني في مقالي هذا؟ واللّه لا أخذتُه ولا آخذ لمعروف ثمنًا أبدًا. ومضى سبيله. فواللّه لقد طلبتُه بعد أن أمنت ووليت بلاد اليمن، وبذلت لمن يجيء به ما شاء، فما عرفتُ له خبرًا، وكأنّ الأرضَ ابتلعته.

229 سراجي

وفاء زوجة
وفاء زوجة
رجل من بني أسد قال : أضللت إبلاً لي، فخرجت في طلبهن، فهبطت وادياً، وإذا أنا بفتاة، أعشى نورُ وجهها نورَ بصري، فقالت لي : يا فتى، مالي أراك مولـَّها (ساهي القلب ذاهل العقل) فقلت : أضللت إبلاً لي فأنا في طلبها، فقالت : أفأدلك على من هي عنده وإن شاء أعطاكها؟ قلت : نعم، ولك أفضلهن، قالت : الذي أعطاكهن أخذها، وإن شاء ردهن، فسله عن طريق اليقين، لا من طريق الاختيار، فأعجبني ما رأيت من جمالها وحسن كمالها، فقلت : ألك بعل؟ قالت : قد كان، ودُعـِيَ فأجاب، فأعيد إلى ما خـُلق منه، قلت فما بالك في بعل تـُؤمن بوائقه (شروره) ولا تـُذم خلائقه؟ فرفعت رأسها وتنفست وقالت :
كنا كغصنيـن فـي أصـل غذاؤهمـا *** ماء الجداول فـي روضـات جنات
فاجتثّ خيرهمـا من جنـب صاحبه *** دهــر يكِــرُّ بترْحــات وفرْحــات
وكان عـاهدنـي إن خـاننـي زمـن *** ألاَّ يُضـاجـع أنثــى بعـد مثْـواتـي
وكـنت عاهدتــه إن خانـه زمـــن *** ألا أبــوء ببعـــل طـول مَحْيـاتـي
فلـم نـزل هكـذا والـوصل شـيمتنـا *** حـتى تـوفـى قريبـاً مـذ سِـنيـات
فاقبض عِنانك عمَّـن ليس يردعـه *** عـن الوفــاء خِـلاف بالتحيـــات

230 سراجي

هكذا تفعل الأمانة
هكذا تفعل الأمانة
قال أبو المظفر الوزير، عون الدين بن يحيى بن هبيرة : كان سبب ولايتي الوزارة، أنني ضاق ما بيدي، حتى فقدت القوت أياماً، فأشار عليّ بعض أهلي، أن أمضي إلى قبر معروف الكرخي رضي الله عنه، فأسأل الله تعالى عنده، فإن الدعاء عنده مستجاب، قال : فأتيت قبر معروف فصليت عنده، ودعوت ثم خرجت لأقصد بغداد، فمررت بعطفاء (محلة من محال بغداد) قال : فرأيت مسجداً مهجوراً، فدخلت لأصلي فيه ركعتين، وإذا أنا بمريض مقعد على بارية، فقعدت عند رأسه فقلت : ما تشتهي؟ قال : سفرجلة. قال : فخرجت إلى بقال هناك، فرهنت عنده مئزري على سفرجلتين وتفاحة، وأتيته بذلك، فأكل من السفرجلة ثم قال : أغلق باب المسجد فأغلقته فتنحى عن البارية وقال : احفر هاههنا، فحفرت وإذا بكوز، فقال : خذ هذا فأنت أحق به. فقلت : أما لك وارث؟ قال : لا، وإنما كان لي أخ وعهدي به بعيد، وبلغني أنه مات، ونحن من الرصافة. قال : فبينما هو يحدثني إذ قضى نحبه، فغسلته وكفنته ودفنته، ثم أخذت الكوز وفيه مقدار خمسمائة دينار، وأتيت إلى دجلة لأعبرها، وإذا ملاح في سفينه عتيقة، وعليه ثياب رثة، فقال : معي معي، فنزلت معه، وإذا به من أكثر الناس شبهاً بذلك الرجل، فقلت : من أين أنت؟ فقال : من الرصافة، ولي بنات، وأنا صعلوك، فقلت : فما لك أحد، قال : لا، كان لي أخ ولـّى منذ زمان ما أدري ما فعل الله به، فقلت : أبسط حجرك، فبسطه فصببت المال فيه فبهت، فحدثته الحديث فسألني أن آخذ نصفه فقلت لا والله ولا حبة، ثم صعدت إلى دار الخلافة وكتبت رقعة، فخرج عليها أشراف المخزن، ثم تدرجت إلى الوزارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى