Uncategorized

إطلالة على سورة الجُمعة (4)

التأمل..
إن المؤمن لَهُ أنسٌ بسورة “الجمعة” في ثلاث محطات: ليلة الجُمعة، وصبيحة الجُمعة، وظهيرة الجُمعة.. وبالتالي، فإن من يقرأ سورة الجُمعة ثلاثَ مرات على الأقل في الأسبوع؛ لابدَ أن يتأملَ في مضامينها.. وهذهِ السورة تقريباً من السور التي ليست فيها ألفاظ مُشكِلة، كتلك التعابير غير المأنوسة في بعض السور، مثل: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾، أو ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾؛ ومع ذلك فإن التدبر في هذهِ الآيات أمر مُهم!..

التفسير والتدبر..
إن هناك فرقاً بينَ التفسير وبين التدبر:

1. التفسير: إن التفسير عمل تخصصي، والمفسرون هم الذين لهم الحقّ في تفسير القرآن الكريم؛ فكل له تخصصه، ولا يجوز لكل إنسان أن يدلي بدلوه، وهذه مسألة خطيرة جداً، فقد روي عن النبي () أنه قال: (من فسّر القرآن برأيه؛ فليتبوأ مقعده من النار).

2. التدبر: إن التدبر حق لكل إنسان، ولكن مع عدم الجزم!.. فكون التفسير عملاً تخصصياً لا ينافي أبداً أن يكون للمؤمن تأملّه الخاص في هذا المجال، حيث أن التفكر في المضامين دون التلفظ بها، ليس تفسيراً للقرآن أبداً!.. والذين يمتلكون الدقة في فهم الأمور كأولئك الذين لهم عقلية محللة مُتميزة، ويقومون بتحليل الأحداث السياسية والاقتصادية؛ ما المانع أن يحللوا هذهِ الآيات من كتاب اللهِ عزَ وجل؟!.. فهؤلاء إذا أعملوا فكرهم فإنهم أقدر من غيرهم في فهم هذه الأسرار، لأن الفَهم هو الفَهم، والذكاء هو الذكاء، ومع ذلك فإن البعض في الرياضيات البَحتة يُبدع، ولكن في كلامِ اللهِ عزَ وجل لا يُفكر؟!.. إلى درجة أن البعض وصل إلى مقامات علمية عالية، ومع ذلك معلوماته عن القُرآن الكريم، وما فهمه من الآيات هيَّ نفسها التي تعلمها أيام المدرسة!..

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾..

-﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾.. هل هذا النداء من قِبل المعصوم، أو أنَّ المُراد: إذا أذنَ المؤذن لصلاةِ يومِ الجُمعة؛ أقيموا صلاةَ الجُمعة؟.. هُناكَ بَحثٌ فقهي مُفصل حولَ إقامةِ صلاةِ الجُمعة، وهل هيَّ واجبة في زمان الغيبة أو غير واجبة؟.. وهل هيَّ مُجزية عن الظُهر أو غير مُجزية؟..

-﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾..
أولاً: إن الآية لم تقل: فاسعوا إلى صلاة الجُمعة التي هي عبارة عن ركعتين، ولكنها قالت: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.. أي أن الذي يَسمع نداء الجُمعة، ويحضر للمسجد، ويُصلي الركعات الأربع التي هي صلاة الظهر المُتعارفة؛ أيضاً هذا سعي إلى ذِكرِ اللهِ تعالى.

ثانياً: إن الآية لم تقل: اذهبوا، وإنما ﴿فَاسْعَوْا﴾!.. وهناك فرقٌ بينَ المشي في أحد الأماكن للرياضة، وبين السعي بينَ الصفا والمروة.. فالحاج في السعي بينَ الصفا والمروة له حالة من حالات العبادة، وفي الشوط الأخير يسعى وهو فَرح؛ لأنه على وشك إنجاز المُهمة، وبعدَ قليل يُقصر ويخرج من الإحرام.. والبعضُ عندما يُقصر، يسجد في المروة شاكراً للهِ عزَ وجل أنّهُ أنهى حجتهُ أو عُمرته!..

فإذن، إن المؤمن عندما يخرج من البيت إلى المسجد، ينبغي أن يكون فرحاً مستبشراً، وكأنّهُ يسعى بينَ الصفا والمروة!.. بينما البعض عندما يذهب للمنتزه أو للمُخيم؛ يخرج وهو مُستبشر فَرِح، ولكن عندما يأتي إلى المسجد يكون مُتثاقلاً، ويعدّ الوقت بالثواني والدقائق.. فهو في اللقاءِ بينَ يدي اللهِ عزَ وجل يشغل العداد، ويحسب حساب الوقت.. أما في الجلوسِ معَ الغافلين، وفي الدواوين اللاهية، وفي السفرات الباطلة؛ فإنه يمضي الساعات الطويلة ولا يشعر بالوقت!..

ثالثاً: إن الصلاة هي ذِكرُ اللهِ عزَ وجل، لذا إن صلى الإنسان من الصباحِ إلى الليل وهو ساهٍ لاهٍ؛ هذه ليست صلاة!.. هناك آية في القرآن الكريم، تعتبر من أروع الآيات في فلسفة الصلاة، يقول تعالى آمراً موسى (عليه السلام): ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾؛ أي أن إقامة الصلاة هي مقدمة لذكر الله عز وجل.. مثلاً: لو أن هناك إنساناً استأجر فلاحاً وطلب منه أن يبذر البذور كي تعطي ثماراً، فإن عَمِلَ ذاك الفلاح لسنوات، ولم يُعطيه الثَمرة؛ فهذا المزارع ولم يحقق له أمنيته.. فهو هدفه الحصول على الثَمرة، لا عملية الزراعة في حَدِ نفسِها!..

فإذن، إن الصَلاة مطلوبةٌ لذكر الله عزَ وجل، بَل أحدُنا يَذكرُ في الصلاةِ كُلَّ شَيء: طعامه وشرابه، ومشكلته معَ زوجته، وأنسه، ولكنه لا يُفكِر بالذي وقفَ من أجله.. ولهذا لا يُرفعُ من صلاة العَبد، إلا ما أقبلَ فيها بقلبه، فقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: (إن العبد ليرفع له من صلاته نصفها وثلثها وربعها وخمسها، فما يرفع له إلا ما أقبل عليه بقلبه.. وإنما أمروا بالنوافل، ليتم لهم ما نقصوا من الفريضة).. من الممكن أن يُقال للبعض يومَ القيامة: لم نَقبل منكَ ركعةً واحدة، ولكن لا نُعذبكَ عذابَ تاركي الصلاة، لأنك صَليت.. فالصلاة التي تتجاذبها الأوهام والخواطر، قد تكون مجزية، ومسقطة للعقاب؛ ولكنها غير مقبولة، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ لقد جعلَّ الله عز وجل التقوى شرطاً للقبول، وهناك فرقٌ بين الإجزاء وبينَ القبول!.. فرقٌ بين من يأتي يوم القيامة، ولا يُجعل في خانة تاركي الصلاة، وبينَ من تكون صلاتهُ معراجاً إلى الله عز وجل!.. فالذي لا يُقبِلُ في صلاتهِ على اللهِ عزَ وجل؛ رَب العالمين لا يُقبِلُ عليه؛ لأن رَب العالمين أعز من كُل عزيز!.. أحدُنا لا يتحمل التحدث مع إنسان مُعرض عنه، فكيف برَب العالمين إذا رأى العبد مًدبِراً عنه، وهو لهُ ما لهُ من الملائكة المُقربين، وأرواح الأنبياء والمرسلين الذين هم ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾.. فما وزن العبد حتى يلتفت إليه رب العالمين؟.. رَب العالمين لَهُ من يُناجيه في عالم البَرزخ، وعلى رأس المناجين مُحمد المصطفى ().

﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾..

-﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًاَ﴾.. روى مقاتل بن سليمان قال: (بينا رسول الله () يخطب يوم الجمعة، إذ قدم دحية الكلبي من الشام بتجارة، وكان إذا قدم لم يبق في المدينة عاتق إلا أتته.. وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه الناس من دقيق وبر وغيره، ثم ضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه، فيخرج الناس فيبتاعون منه.. فقدم ذات جمعة، وكان قبل أن يسلم، ورسول الله () يخطب على المنبر، فخرج الناس فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر فقال النبي (): “لولا هؤلاء لسومت عليهم الحجارة من السماء وأنزل الله الآية في سورة الجمعة”).. والبضائع تلك الأيام ليست كبضائعنا هذهِ الأيام، بل كانت أشياء متواضعة، ومع ذلك معظم القوم تركوا رَسولَ الله () وذَهبوا وراءَ تلك الأصوات، ولم يتبق إلا القليل، وقد جاء في تفسير الميزان: “والقصة مروية بطرق كثيرة من طرق الشيعة وأهل السنة، واختلفت الأخبار في عدد من بقي منهم في المسجد بين سبعة إلى أربعين”.. وما يثير الانتباه هو أن النَبي () له خطب كثيرة في مَكة وفي المدينة، فقد كانَ يخطب في يوم الجُمعة وغير الجُمعة؛ ولكن القُرآن الكريم لم يخلد إلا هذهِ الخُطبة اليتيمة التي ظُلِمَ فيها رسولَ الله ()، وخَلَدَ ذكرى النبي في هذهِ الواقعة، وذكرى أولئك الذين تركوه؛ لأنّهم ما عرفوا قَدرَ هذا النبي () الذي وعده رب العالمين برفع ذكره، حيث يقول تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾.

-﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾..
أولاً: إن التجارة عَديلُ اللهو، وأي أمر يشغل الإنسان عن اللهِ عزَ وجل؛ هو لَهو.. قد يكون ظاهرهُ اجتماعاً مهماً، وشركة عالمية كُبرى، ولكن الحقيقة هي أن الإنسان في حالِ لهو.. فهذه التجارة المُشغِلة؛ هي في حُكم اللعب: الطِفل يلعبُ بألعابه، وهذا يلعبُ بشركاته.. هذا طفل لا عَقلَ له، وهذا أيضاً طِفلٌ ولكنهُ على رأسِ شركة كُبرى؛ فهو يلهو أيضاً!..

ثانياً: إن المال الذي لا يكونُ مُقدمة للآخرة، هو لهو ولغو؛ ولهذا القُرآن الكريم يقول: ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ ولم يَقل: من اللهو والتجارة؛ أي هذا شَيءٌ وهذا شيء؛ ولكنهما في حُكمٍ واحد.

ثالثاً: إن البعض في ساعة الموت قد يكتشف أنهُ أمضى عُمرهُ باللهوِ واللعب، وإن كانَ يعمل، ويُتاجر، ويُسافر.. ولكن العَمل الذي لا يُعد زاداً للآخرة؛ هذا العَمل فانٍ لا وزنَ له.

وعليه، فإن المؤمن يحاول أن يغتنم الفرصة، ويحد من خسارته؛ لأن إيقاف الخسارة في أي وقت، هو ربح في حد نفسه.. لذا، فإنه يحاول أن يربط الفاني بالباقي؛ أي كُل ما يقوم به يجعله لوجه الله تعالى، كما في شهرِ رمضان المُبارك عندما يشرب ويأكل في ساعة السَحر، تكون النية هي صيام اليوم التالي، وكي لا يضعف عن الصيام.. كذلك هذه السنّة يجعلها في كل أكله وشربه طوال السنة، مثلاً:

1. يشرب الماء بنية التقوي به على طاعة الله تعالى، لأنه لو لم يشرب الماء قبلَ الصلاة؛ فإنه قد يصلي وفكره في الماء.
2. يأكل الطعام بنية التقوي به على العمل، والعمل أيضاً عبادة، فقد روي عن رسول الله () أنه قال: (الكاد على عياله، كالمجاهد في سبيل الله).
3. ينام مبكراً النوم كي يَضمنُ سَحراً معَ نشاط، لأنه لو نام متأخراً فإنه: إما لا يقوم الليل، أو يقوم الليل وهو كاره لصلاة الليل.

فإذن، إن الذي ينام مُبكراً شَوقاً لقيام الليل؛ هذا النوم أليسَ عبادة؟.. والذي يتركُ الجلوس مع أقرانه، ولا يذهب إلى الولائم، كي لا يكون ذلك على حساب قيام الليل؛ أليس هذا عبادة؟!.. ما قيمة الذهاب إلى وليمة، حيث يأكل ويشرب وينتهي، ثمَّ يَذهب إلى البيت وينام إلى طلوع الشَمس؟.. وهناك من يقطع المسافات الطويلة حيث المزارع البعيدة، ليأكل وجبة ويرجِع؛ فأينَ الوليمة، وأينَ قيام الليل؟..

إن المؤمن يجعل كُلَّ نشاطهِ في خانة من خانات عالم الغَيب، هذا الإنسان بكلمة واحدة يُصبِحُ عابداً في ليلهِ ونهاره، وتصبح كُلُّ تقلباتهِ عبادة.. فكما أن نومنا في شهرِ رمضان عبادة، وأنفاسنا تسبيح؛ لأنّنا في ضيافة اللهِ عزَ وجل.. فإن المؤمن ليس في شهر رمضان فقط، بل طِوالَ السَنة هو في ضيافة اللهِ عزَ وجل -من شهر شوال إلى شهرِ شعبان- ولهذا طوال العام: نفسهُ تسبيح، ونومهُ عبادة، ودُعاءهُ مُستجاب.

الدرس العملي:
إن من يقرأ سورة الجُمعة في: ليلة الجُمعة، وفي صلاة الفجر يوم الجُمعة، وفي صلاةِ الظُهرِ من يومِ الجُمعة؛ هل ينسى:

1. أن قراءة سورة “الجمعة” ليلة الجمعة؛ هي كفارةٌ للذنوب من الجُمعة إلى الجُمعة!..

2. أن هناك تسبيحاً عالمياً تكوينياً!..

3. أن الموت هو اللقاء لا الفناء!..

4. أن الصلاة يجب أن تكونَ سَعياً إلى اللهِ عزَ وجل، لا حركة ولقلقة!..

5. أن يجعل كُلَّ ما عنده مرتبطاً بالباقي؛ لأن الفاني إذا ارتبطَ بالباقي صارَ باقياً!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى