الكلمات القصار

بَابُ المُخْتَارِ مِنْ حِكَمِ أَمِيرالمؤمنين(عليه السلام) * ٣٩١-٤٢٠

٣٩١. وقال(عليه السلام): مُقَارَبَةُ النَّاسِ فِي أَخْلاَقِهِمْ أَمْنٌ مِنْ غَوَائِلِهِمْ[١].

٣٩٢. وقال(عليه السلام) لبعض مخاطبيه، وقد تكلم بكلمة يُسْتَصْغَرُ مثلُه عن قول مثلها: لَقَدْ طِرْتَ شَكيِراً،هَدَرْتَ سَقْباً.

والشكير هاهنا: أول ما ينبت من ريش الطائر قبل أن يقوى ويستحصف، والسقب: الصغير من الابل ولا يهدر إلا بعد أن يستفحل.

٣٩٣. وقال(عليه السلام): مَنْ أَوْمَأَ[٢] إِلَى مُتَفَاوِت[٣] خَذَلَتْهُ الْحِيَلُ[٤].

٣٩٤. وقال(عليه السلام)وَقَدْ سُئِلَ عن معنى قولهم: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ:

إِنَّا لاَ نَمَلِكُ مَعَ اللهِ شَيْئاً، وَلاَ نَمْلِكُ إِلاَّ مَا مَلَّكَنَا، فَمَتَى مَلَّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنَّا[٥] كَلَّفَنَا، وَمَتى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا.

٣٩٥. وقال(عليه السلام)لعمار بن ياسر رحمه الله، وقد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة كلاماً: دَعْهُ يَا عَمَّارُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الدِّينِ إِلاَّ مَا قَارَبَتْهُ الدُّنْيَا، وَعَلَى عَمد لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ[٦]، لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِهِ.

٣٩٦. وقال(عليه السلام): مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ الاَْغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ طَلَباً لِمَا عِنْدَ اللهِ! وأَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ الْفُقَرَاءِ عَلَى الاَْغْنِيَاءِ اتِّكَالاً عَلَى الله.

٣٩٧. وقال(عليه السلام): مَا اسْتَوْدَعَ اللهُ امْرَأً عَقْلاً إِلاَّ اسْتَنْقَذَهُ[٧] بِهِ يَوْماً مَا!

٣٩٨. وقال(عليه السلام): مَنْ صَارَعَ الْحَقَّ صَرَعَهُ.

٣٩٩. وقال(عليه السلام): الْقَلْبُ مُصْحَفُ الْبَصَرِ[٨].

٤٠٠. وقال(عليه السلام): التُّقَى رَئِيسُ الاَْخْلاَقِ.

٤٠١. وقال(عليه السلام): لاَ تَجْعَلَنَّ ذَرَبَ[٩] لِسَانِكَ عَلَى مَنْ أَنْطَقَكَ، وَبَلاَغَةَ قَوْلِكَ عَلَى مَنْ سَدَّدَكَ‌[١٠].

٤٠٢. وقال(عليه السلام): كَفَاكَ أَدَباً لِنَفْسِكَ اجْتِنَابُ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَ.

٤٠٣. وقال(عليه السلام): مَنْ صَبَرَ صَبْرَ الاَْحْرَارِ، وَإِلاَّ سَلاَ[١١] سُلُوَّ الاَْغْمَارِ[١٢].

٤٠٤. وفي خبر آخر أنّه(عليه السلام) قال للاشعث بن قيس معزياً: إِنْ صَبَرْتَ صَبْرَ الاَْكَارِمِ، وَإِلاَّ سَلَوْتَ سُلُوَّ الْبَهَائِمِ.

٤٠٥. وقال(عليه السلام) في صفة الدنيا: تَغُرُّ وَتَضُرُّ وَتَمُرُّ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَهَا ثَوَاباً لاَِوْلِيَائِهِ، وَلاَ عِقَاباً لاَِعْدَائِهِ، وَإِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا كَرَكْب بَيْنَا هُمْ حَلُّوا إِذْ صَاحَ بِهِمْ سَائِقُهُمْ فَارْتَحَلُوا[١٣].

٤٠٦. وقال لابنه الحسن(عليهما السلام): يا بُنَيَّ لاَ تُخَلِّفَنَّ وَرَاءَكَ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، فَإِنَّكَ تُخَلِّفُهُ لاَِحَدِ رَجُلَيْنِ: إِمَّا رَجُل عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ، وَإِمَّا رَجُل عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللهِ [فَشَقِيَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ] فَكُنْتَ عَوْناً لَهُ عَلى مَعْصِيَتِهِ، وَلَيْسَ أَحَدُ هذَيْنِ حَقِيقاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَىُ نَفْسِكَ.

و يروى هذا الكلام على وجه آخر، وهو:

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الَّذِي فِي يَدِكَ مِنَ الدُّنْيَا قَدْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ قَبْلَكَ، وَهُوَ صَائِرٌ إِلَى أَهْل بَعْدَكَ، وَإِنَّمَا أَنْتَ جَامعٌ لاَِحَدِ رَجُلَيْنِ: رَجُل عَمِلَ فِيَما جَمَعْتَهُ بِطَاعَةِ اللهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ، أَوْ رَجُل عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَشَقِيَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ، وَلَيْسَ أَحَدُ هذَيْنِ أَهْلاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ تَحْمِلَ لَهُ عَلَى ظَهْرِكَ، فارْجُ لِمَنْ مَضَى رَحْمَةَ اللهِ،لِمَنْ بَقِيَ رِزْقَ الله.

٤٠٧. وقال (عليه السلام)لقائل قال بحضرته: أَسْتَغْفِرُ اللهَ.

ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، أَتَدْرِي مَا الاِْسْتِغْفَارُ؟ إنَّ الاْسْتِغْفَارَ دَرَجَةُ الْعِلِّيِّينَ، وَهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَان:

أَوَّلُهَا: النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى.

وَالثَّانِي: الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً.

وَالثَّالِثُ: أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْـمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللهَ عزّوجلّ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ.

وَالرَّابِعُ: أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَة عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا.

وَالْخَامِسُ: أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ[١٤] فَتُذِيبَهُ بالاَْحْزَانِ، حَتَّى يَلْصِقَ الْجِلْدُ بِالْعَظْمِ، وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ.

وَالسَّادِسُ: أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ الْمَعْصِيَةِ.

فَعِنْدَ ذلِكَ تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُاللهَ.

٤٠٨. وقال(عليه السلام): الْحِلْمُ عَشِيرَةٌ[١٥].

٤٠٩. وقال(عليه السلام): مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ: مَكْتُومُ الاَْجَلِ، مَكْنُونُ[١٦] الْعِلَلِ، مَحْفُوظُ الْعَمَلِ، تَؤْلِمُهُ الْبَقَّةُ، وَتَقْتُلُهُ الشَّرْقَةُ[١٧]، وَتُنْتِنُهُ[١٨] الْعَرْقَةُ[١٩].

٤١٠. وروي أنه(عليه السلام) كان جالساً في أصحابه، فمرّت بهم امرأة جميلة، فرمقها القوم بأبصارهم.

فقال(عليه السلام): إِنَّ أَبْصَار هذِهِ الْفُحُولِ طَوَامِحُ[٢٠]، وَإِنَّ ذلِكَ سَبَبُ هَبَابِهَا[٢١]، فإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى امْرَأَة تُعْجِبُهُ فَلْيُلاَمِسْ أَهْلَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَهٌ كَامْرَأَة.

فقال رجل من الخوارج: قاتله الله كافراً ما أفقهه.

فوثب القوم لِيقتلوه.

فقال(عليه السلام): رُوَيْداً[٢٢]، إِنَّمَا هُوَ سَبٌّ بِسَبٍّ، أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنْب!

٤١١. وقال(عليه السلام): كَفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ مَا أَوْضَحَ لَكَ سَبِيلَ غَيِّكَ مِنْ رُشْدِكَ.

٤١٢. وقال(عليه السلام): افْعَلُوا الْخَيْرَ وَلاَ تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئاً، فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ وَقَلِيلَهُ كَثِيرٌ، وَلا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنَّ أَحَداً أَوْلَى بِفِعْلِ الْخَيْرِ مِنِّي فَيَكُونَ وَاللهِ كَذلِكَ، إِنَّ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَهْلاً، فَمَهْمَا تَرَكْتُمُوهُ مِنْهُمَا كَفَاكُمُوهُ أَهْلُهُ[٢٣].

٤١٣. وقال(عليه السلام): مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللهُ عَلاَنِيَتَهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِدِينِهِ كَفَاهُ اللهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِيَما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ كَفَاهُ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ.

٤١٤. وقال(عليه السلام): الْحِلْمُ غِطَاءٌ سَاتِرٌ، وَالْعَقْلُ حُسَامٌ قَاطِعٌ، فَاسْتُرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِحِلْمِكَ، وَقَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ.

٤١٥. وقال(عليه السلام): إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً يَخْتَصُّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، فَيُقِرُّهَا[٢٤] فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ حَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ.

٤١٦. وقال(عليه السلام): لاَ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَثِقَ بِخَصْلَتَيْنِ: الْعَافِيَةِ، وَالْغِنَى: بَيْنَا تَرَاهُ مُعَافىً إِذْ سَقِمَ، وَغَنِيّاً إِذِ افْتَقَرَ.

٤١٧. وقال(عليه السلام): مَنْ شَكَا الْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِن فَكَأَنَّمَا شَكَاهَا إِلَى اللهِ، وَمَنْ شَكَاهَا إلَى كَافِر فَكَأَنَّمَا شَكَااللهَ.

٤١٨. وقال(عليه السلام) في بعض الاَعيَاد: إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبلَ اللهُ صِيَامَهُ وَشَكَرَ قِيَامَهُ، وَكُلُّ يَوْم لاَ يُعْصَى اللهُ فِيهِ فَهُوَ يَوْمَ عِيد.

٤١٩. وقال(عليه السلام): إِنَّ أَعْظَمَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسْرَةُ رَجُل كَسَبَ مَالاً فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ، فَوَرَّثَهُ رَجُلاً فَأنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، فَدَخَلَ بِهِ الْجَنَّةَ، وَدَخَلَ الاَْوَّلُ بِهِ النَّارَ.

٤٢٠. وقال(عليه السلام): إِنَّ أَخْسَرَ النَّاسِ صَفْقَةً[٢٥]، وَأَخْيَبَهُمْ سَعْياً، رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنَهُ[٢٦] فِي طَلَبِ آمَالِهِ، وَلَمْ تُسَاعِدْهُ الْمَقَادِيرُ عَلَى إِرَادَتِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا بِحَسْرَتِهِ، وَقَدِمَ عَلَى الاْخِرَةِ بِتَبِعَتِهِ[٢٧].
——————————————
[١] . غوَائِل: جمع غائلة، وهي العداوة وما تجلبه من الشرور.
[٢] . أوْمَأ: أشار، والمراد طلب وأراد.
[٣] . المُتَفاوِت: المتباعد.
[٤] . خَذَلَتْه الحِيلَ: تخلّت عنه عند حاجته إليها.
[٥] . أَمْلَكُ به مِنّا: أي فوق طاقتنا.
[٦] . على عمْد: متعلق بلَبّس، أي أوقع نفسه في اللَّبْس وهو ـ الشُبْهة ـ عامداً لتكون الشبهة عذراً له في زَلاّته.
[٧] . ما اسْتَوْدَع الله امرءاً عَقْلاً إلا اسْتَنْقَذَه: أي إن الله لا يهب العقل، إلاّ حيث يريد النجاة، فمتى أَعطى شخصاً عقلاً خلّصه به من شقاء الدَارَيْن.
[٨] . القلب مُصْحَفُ البصر أي: ما يتناوله البصر يحفظ في القلب كأنه يكتب فيه.
[٩] . الذَرَب: الحِدّة.
[١٠] . التَسْدِيد: التقويم والتثقيف.
[١١] . سَلا: نسيَ.
[١٢] . الاغْمَار: جمع غِمْر مثلّث الاول، وهو الجاهل لم يجرّب الامور.
[١٣] . صاح بهم سائقهم فارتحلوا أي: بينما هم قد حلّوا فاجأهم صائح الاجل وهو سائقهم بالرحيل فارتحلوا.
[١٤] . السُحْت ـ بالضم ـ: المال من كسب حرام.
[١٥] . خُلُق الحِلْم يجمع إليك من معاونة الناس لك ما يجتمع لك بالعَشيرة، لانه يُوليك محبّةَ الناس فكأنه عشيرة.
[١٦] . مَكْنُون أي: مستور العِلَل والامراض لا يعلم من أين تأتيه.
[١٧] . الشَرْقة: الغَصّة بالرّيق.
[١٨] . تُنْتِنُ ريحه: تُوسِخها.
[١٩] . العَرْقَة: الواحد من العَرَق يتصبّب من الانسان.
[٢٠] . طَوَامِح: جمع طامح أو طامحة، وتقول: طمح البصر إذا ارتفع، وطَمَحَ: أَبعد في الطلب.
[٢١] . هَبَابها ـ بالفتح ـ أي: هَيَجان هذه الفحول لملامسة الانثى.
[٢٢] . رُوَيْداً أي: مَهْلاً.
[٢٣] . إنّ للخير والشرّ أهلاً…: أي ما تركتموه من الخير يقوم أهله بفعله بدلكم، وما تركتموه من الشر يؤديه عنكم أهله، فلا تختاروا أن تكونوا للشر أهلاً ولا أن يكون عنكم في الخير بدلاً.
[٢٤] . يُقِرّها: أي يبقيها ويحفظها مدة بَذْلِهِمْ لها.
[٢٥] . الصَفْقَة أي: البيعة، أي أخسرهم بيعاً وأشدهم خيبة في سعيه.
[٢٦] . أخْلَقَ بدنَهُ أي: أبلاه ونَهَكَهُ في طلب المال ولم يحصّله.
[٢٧] . التَبِعَة ـ بفتح فكسر ـ: حقّ الله وحقّ الناس عنده يطالب بِه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى