الكلمات القصار

بَابُ المُخْتَارِ مِنْ حِكَمِ أَمِيرالمؤمنين(عليه السلام) * ٢٤١-٢٧٠

٢٤١. وقال (عليه السلام): عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ[١]، وَحَلِّ الْعُقُودِ[٢].

٢٤٢. وقال (عليه السلام): مَرَارَةُ الدُّنْيَا حَلاَوَةُ الاْخِرَةِ، وَحَلاَوَةُ الدُّنْيَا مَرَارَةُ الاْخِرَةِ.

٢٤٣. وقال (عليه السلام): فَرَضَ اللهُ الاِْيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاَةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبْرِ، وَالزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ، وَالصِّيَامَ ابْتِلاَءً لاِِخْلاَصِ الْخَلْقِ، وَالْحَجَّ تَقْرِبَةً لِلدِّينِ[٣]، وَالْجِهَادَ عِزّاً لِلاْسْلاَمِ، وَالاَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَوَامِّ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ رَدْعاً لِلسُّفَهَاءِ، وَصِلَةَ الاَْرْحَامِ مَنْماةً[٤] لِلْعَدَدِ، وَالْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ إِعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ، وَتَرْكَ شُرْبِ الْخَمْرِ تَحْصِيناً لِلْعَقْلِ، وَمُجَانَبَةَ السَّرِقَةِ إِيجاباً لِلْعِفَّةِ، وَتَرْكَ الزِّنَى تَحْصِيناً لِلنَّسَبِ، وَتَرْكَ اللِّوَاطِ تَكْثِيراً لِلنَّسْلِ، وَالشَّهَادَاتِ[٥] اسْتِظهَاراً[٦] عَلَى الْـمُجَاحَدَاتِ[٧]، وَتَرْكَ الْكَذِبِ تَشْرِيفاً لِلصِّدْقِ، وَالسَّلاَمَ أَمَاناً مِنَ الْـمَخَاوِفِ، وَالاْمَامَةَ[٨] نِظَاماً لِلاُْمَّةِ، وَالطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِلاِْمَامَةِ.

٢٤٤. وكان(عليه السلام) يقول: أَحْلِفُوا الظَّالِمَ. إِذَا أَرَدْتُمْ يَمِينَهُ. بِأَنَّهُ بَرِىءٌ مِنْ حَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِهَا كَاذِباً عُوجِلَ الْعُقُوبَةَ، وَإِذَا حَلَفَ بِاللهِ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَمْ يُعَاجَلْ، لاَِنَّهُ قَدْ وَحَّدَهُ سُبْحَانَهُ.

٢٤٥. وقال (عليه السلام): يَابْنَ آدَمَ، كُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ، وَاعْمَلْ فِي مَالِكَ مَا تُؤْثِرُ[٩] أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ مِنْ بَعْدِكَ.

٢٤٦. وقال (عليه السلام): الْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ، لاَِنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكِمٌ.

٢٤٧. وقال (عليه السلام): صِحَّةُ الْجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ الْحَسَدِ.

٢٤٨. وقال (عليه السلام) لِكُمَيْل بن زياد النخعي: يَا كُمَيْلُ، مُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَرُوحُوا[١٠] في كَسْبِ الْمَكَارِمِ، وَيُدْلِجُوا[١١] فِي حَاجَةِ مَنْ هُوَ نائِمٌ، فَوَالَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الاَْصْوَاتَ مَا مِنْ أَحَد أَوْدَعَ قَلْباً سُرُوراً إِلاَّ وَخَلَقَ اللهُ لَهُ مِنْ ذلِكَ السُّرُورِ لُطْفاً، فَإِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَائِبَةٌ[١٢] جَرَى إلَيْهَا كَالْمَاءِ فِي انْحِدَارِهِ حَتَّى يَطْرُدَهَا عَنْهُ كَمَا تُطْرَدُ غَرِيبَةُ الاِْبلِ.

٢٤٩. وقال (عليه السلام): إِذَا أَمْلَقْتُمْ[١٣] فَتَاجرُِوا اللهَ بِالصَّدَقَةِ.

٢٥٠. وقال (عليه السلام): الْوَفَاءُ لاَِهْلِ الْغَدْرِ غَدْرٌ عِنْدَ اللهِ، وَالْغَدْرُ بَأَهْلِ الْغَدْرِ وَفَاءٌ عِنْدَ اللهِ.

٢٥١. وقال (عليه السلام): كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَج بِالاِْحْسَانِ إِلَيْهِ، وَمَغْرُور بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ،مَا ابْتَلَى اللهُ سُبْحَانَهُ أَحَداً بِمِثْلِ الاِْمْلاَءِ لَهُ.

و قد مَضى هذا الكلام فيما تقدم، إلاّ أن فيه هاهنا زيادة مفيدة.
فصل نذكر فيه شيئاً من اختيار غريب كلامه المحتاج إلى التفسير

١. في حديثه (عليه السلام): فَإِذَا كَانَ ذلِكَ ضَرَبَ يَعْسُوبُ الدِّينِ بِذَنَبِهِ، فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ كَمَا يَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ.

يعسوب الدين: السيد العظيم المالك لامور الناس يومئذ، والقزع: قطع الغيم التي لا ماء فيها.

٢. وفي حديثه (عليه السلام): هذَا الْخَطِيبُ الشَّحْشَحُ.

يريد: الماهر بالخطبة الماضي فيها، وكل ماض في كلام أو سير فهو شحشح، والشحشح في غير هذاالموضع: البخيل الممسك.

٣. وفي حديثه (عليه السلام): إنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَماً.

يريد بالقحم المهالك، لانها تُقِحمُ أصحابَها في المهالك والمتالف في الاكثر، ومن ذلك قُحْمَةُ الاعراب،هو أن تصيبهم السَّنةُ فتتعرّق أموالهم[١٤]، فذلك تقحّمها فيهم.

و قيل فيه وجهٌ آخر: وهو أنها تُقْحِمُهُمْ بلادَ الريف، أي تحوجهم إلى دخول الحضر عند مُحول البَدْوِ.

٤. وفي حديثه (عليه السلام): إِذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْحِقَاقِ فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى[١٥].

والنص: منتهى الاشياء ومبلغ أقصاها كالنص في السير، لانه أقصى ما تقدر عليه الدابة، وتقول: نصصت الرجل عن الامر، إذا استقصيت مسألته عنه لتستخرج ما عنده فيه، فنص الحقائق يريد به الادراك، لانه منتهى الصغر،.

والوقت الذي يخرج منه الصغير إلى حد الكبير، وهو من أفصح الكنايات عن هذا الامر وأغربها.

يقول: فاذا بلغ النساء ذلك فالعَصَبَةُ أولى بالمرأة من أمها، إذا كانوا مَحْرَماً، مثل الاخوة والاعمام،بتزويجها إن أَرادوا ذلك.

والحِقاق: مُحاقّةُ الام للعصبةِ في المرأة، وهو الجدال والخصومة، وقول كلّ واحد منهما للاخر: أنا أحق منك بهذا، ويقال منه: حاققته حقاقاً، مثل جادلته جدالاً.

و قد قيل: إن نصّ الحقاق بلوغ العقل، وهو الادراك، لانه(عليه السلام) إنما أراد منتهى الامر الذي تجب فيه الحقوق والاحكام، ومَن رواه: «نص الحقائق» فإنماأراد جَمْعَ حَقيقة.

هذا معنى ما ذكره أبو عُبيد القاسم بن سلام.

والذي عندي: أن المراد بنص الحِقاق ها هنا بلوغ المرأة إلى الحد الذي يجوز فيه تزويجها وتصرّفها في حقوقها، تشبيهاً بالِحقاق من الابل، وهي جمع حِقّة وحِقّ، وهو الذي استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة، وعند ذلك يبلغ إلى الحد الذي يُتمكّن فيه من ركوب ظهره، وَنَصِّهِ في السير، والحقائقُ أيضاً: جمع حِقّة.

فالروايتان جميعاً ترجعان إلى معنىً واحد، وهذا أشبه بطريقة العرب من المعنى المذكور أولاً. ٥. وفي حديثه (عليه السلام): إنَّ الاِْيمَانَ يَبْدُو لُمْظَةً فِي الْقَلْبِ، كُلَّمَا ازْدَاد الاْيمَانُ ازْدَادَتِ الُّلمْظَةُ.

الُّلمْظَةُ مثل النكتة أو نحوها من البياض، ومنه قيل فرس ألمظ: إذا كان بجحفلته[١٦] شيء من البياض.

٦. وفي حديثه (عليه السلام): إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ الدَّيْنُ الظَّنُونُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ لِمَا مَضَى إِذَا قَبَضَهُ.

فالظَّنُونُ: الذي لايَعْلَمُ صاحبُهُ أيقبضُه من الذي هو عليه أم لا، فكأنّه الذي يُظَنُّ به، فمرة يرجوه مرة لا يرجوه.

و هو من أفصح الكلام، وكذلك كلّ أمر تطلبه ولا تدري على أي شيء أنت منه فهو ظَنون، وعلى ذلك قول الاعشى:

مَا يُجْعَلُ الْجُدُّ الظَّنُونُ الَّذِي * جُنِّبَ صَوْبَ اللَّجِبِ الْمَاطِرِ

مِثْلَ الْفُرَاتِيِّ إِذَا مَا طَمَا * يَقْذِفُ بِالْبُوصِيِّ وَالْمَاهِرِ

والجُدّ: البئر، والظنون: التي لا يُدرى هل فيها ماء أم لا.

٧. وفي حديثه (عليه السلام): أَنه شيّع جيشاً يغْزِيهِ فقال: اعْذِبُوا[١٧] عَنِ النِّسَاءِ مَا اسْتَطَعْتُمْ.

و معناه: اصدِفوا عن ذكر النساء وشُغُلِ القلب بهن، وامتنعُوا من المقاربة لهنّ، لان ذلك يَفُتُّ[١٨] في عضُد الحميّة، ويقدح في معاقد العزيمة[١٩]، ويكسِر عن[٢٠] العَدْوِ[٢١]، وَيلفِتُ عن الابعاد في الغزو، وكلُّ من امتنع من شيء فقد أعْذَبَ عنه، والعاذبُ والعَذُوب: الممتنع من الاكل والشرب.

٨. وفي حديثه (عليه السلام): كَالْيَاسِرِ الْفَالِجِ يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزة مِنْ قِدَاحِهِ.

الياسرون[٢٢]: هم الذين يتضاربون بالقِداح[٢٣] على الجَزُورِ[٢٤]، والفالجُ: القاهرُ الغالبُ، يقال: قد فلج[٢٥] عليهم وفَلَجَهُم، وقال الراجز: لمّا رأيتُ فالجاً قد فَلَجَا

٩. وفي حديثه (عليه السلام): كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله)، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ.

ومعنى ذلك: أنه إذا عَظُم الخوفُ من العدو واشتد عِضَاضُ الحربِ[٢٦]، فَزِعَ المسلمون[٢٧] إلى قتال رسول الله(صلى الله عليه وآله) بنفسه، فيُنزِلُ الله تعالى النصر عليهم، ويأمنون ما كانوا يخافونه بمكانه.

و قوله (عليه السلام): «إذَا احمّر البأس» كناية عن اشتداد الامر، وقد قيل في ذلك أقوال أحسَنُها: أنه شبّه حَمْيَ[٢٨] الحرب بالنار التي تجمع الحرارة والحمرة بفعلِها ولونها، وممّا يقوي ذلك قول الرسول(صلى الله عليه وآله)، وقد رأى مُجْتَلَدَ[٢٩] الناس يوم حُنين وهي حرب هوازنَ: «الان حَمِيَ الوَطِيسُ» فالوطيسُ: مستوقَدُ النار، فشبه رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما استحرّ من جلاد[٣٠] القوم باحتدامِ النار وشدةِ التهابها.

انقضى هذا الفصل، ورجعنا إلى سنن الغرض الاول في هذا الباب.

٢٥٢. وقال (عليه السلام) لما بلغه إغارةُ أصحاب معاويةَ على الانبار، فخرج بنفسه ماشياً حتى أتى النُّخَيْلَةَ[٣١]، فأدركه الناسُ وقالوا: يا أميرالمؤمنين نحن نكفيكَهُمْ.

فقال(عليه السلام): وَاللهِ مَا تَكْفُونَنِي أَنْفُسَكُمْ، فَكَيْفَ تَكْفُونَنِي غَيْرَكُمْ؟ إِنْ كَانَتِ الرَّعَايَا قَبْلِي لَتَشْكُوا حَيْفَ رُعَاتِهَا، وَإِنَّنِي الْيَوْمَ لاََشْكُو حَيْفَ رَعِيَّتِي، كَأَنَّنِيَ الْمَقُودُ[٣٢] وَهُمُ الْقَادَةُ، أَوِ ألْمَوْزُوعُ وَهُمُ الْوَزَعَةُ[٣٣]!

فلما قال(عليه السلام) هذا القول، في كلام طويل قد ذكرنا مختارَه في جملةِ الخُطَب، تقدّم إليه رجلان من أصحابه فقال أحدهما: إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي، فَمُرْنا بأمرك يا أميرالمؤمنين نُنْفِد له.

فقال(عليه السلام): وأَيْنَ تَقَعَانِ مِمَّا أُريدُ[٣٤]؟

٢٥٣. وقيل: إنّ الحارث بن حَوْط أتاه(عليه السلام) فقال: أتُراني[٣٥] أظنّ أصحابَ الجمل كانوا على ضلالة؟

فقال(عليه السلام): يَا حَارِ، إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ وَلَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ[٣٦]! إِنَّكَ لَمْ

تَعْرِفِ الْحَقَّ فَتَعْرِفَ مَنْ أَبَاهُ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ.

فقال الحارث: فإنّي أَعتزل مع سعيد بن مالك وعبد الله بن عمر.

فقال(عليه السلام): إِنَّ سَعِيداً وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَنْصُرَا الْحَقَّ، وَلَمْ يَخْذُلاَ الْبَاطِلَ.

٢٥٤. وقال (عليه السلام): صَاحِبُ السُّلْطَانِ كَرَاكِبِ الاَْسَدِ: يُغْبَطُ[٣٧] بِمَوْقِعِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَوْضِعِهِ.

٢٥٥. وقال (عليه السلام): أَحْسِنُوا فِي عَقِبِ غَيْرِكُمْ تُحْفَظُوا فِي عَقِبِكُمْ[٣٨].

٢٥٦. وقال (عليه السلام): إِنَّ كَلاَمَ الْحُكَمَاءِ إذَا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاءً، وَإِذَا كَانَ خَطَأً كَانَ دَاءً.

٢٥٧. وسأَله (عليه السلام) رجل أَن يعرّفه ما الايمان.

فقال: إِذَا كَانَ غَدٌ فَأْتِنِي حَتَّى أُخْبِرَكَ عَلَى أَسْمَاعِ النَّاسِ، فإِنْ نَسِيتَ مَقَالَتِي حَفِظَهَا عَلَيْكَ غَيْرُكَ، فَإِنَّ الْكَلاَمَ كَالشَّارِدَةِ، يَنْقُفُهَا[٣٩] هذَا وَيُخْطِئُهَا هذَا.

وقد ذكرنا ما أجابه به(عليه السلام) فيما تقدم من هذا الباب، وهو قوله: الايمان على أربع شعب.

٢٥٨. وقال (عليه السلام): يَابْنَ آدَمَ، لاَ تَحْمِلْ هَمَّ يَوْمِكَ الَّذِي لَمْ يَأْتِكَ عَلَى يَوْمِكَ الَّذِي قَدْ أَتَاكَ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ مِنْ عُمُرِكَ يَأْتِ اللهُ فِيهِ بِرِزْقِكَ.

٢٥٩. وقال (عليه السلام): أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً[٤٠] مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا.

٢٦٠. وقال (عليه السلام): النَّاسُ فِي الدُّنْيَا عَامِلاَنِ:

عَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا، قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ، يَخْشَى عَلَى مَنْ يَخْلُفُهُ الْفَقْرَ، وَيأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَيُفْنِي عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ.

وَعَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا، فَجَاءَهُ الَّذِي لَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ عَمَل، فَأَحْرَزَ الْحَظَّيْنِ مَعاً، وَمَلَكَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً، فَأَصْبَحَ وَجِيهاً[٤١] عِنْدَاللهِ، لاَ يَسْأَلُ اللهَ حَاجَةً فَيَمْنَعَهُ.

٢٦١. وروي أنه ذكر عند عمر بن الخطاب في أيامه حَلْي الكعبةِ وكثرتُهُ، فقال قوم: لو أخذته فجهزتَ به جيوش المسلمين كان أَعظم للاجر، وما تصنع الكعبةُ بالْحَلْي؟

فهمّ عمر بذلك، وسأل عنه أميرالمؤمنين(عليه السلام).

فقال: إِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله) وَالاَْمْوَالُ أَرْبَعَةٌ: أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْفَرَائِضِ، وَالْفَيْءُ فَقَسَّمَهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ، وَالْخُمُسُ فَوَضَعَهُ اللهُ حَيْثُ وَضَعَهُ، وَالصَّدَقَاتُ فَجَعَلَهَا اللهُ حَيْثُ جَعَلَهَا. وَكَانَ حَلْيُ الْكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمَئِذ، فَتَرَكَهُ اللهُ عَلَى حَالِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ نِسْيَاناً، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ[٤٢] مَكَاناً، فَأَقِرَّهُ حَيْثُ أَقَرَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.

فقال له عمر: لولاك لافتضحنا. وترك الحَلْي بحاله.

٢٦٢. وروي أنه(عليه السلام) رُفع إليه رجلان سرقا من مال الله، أحدهما عبد من مال الله، والاخر من عُرُوضِ[٤٣] الناس.

فقال(عليه السلام): أَمَّا هذَا فَهُوَ مِنْ مَالِ اللهِ وَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، مَالُ اللهِ أَكَلَ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَأَمَّا الاْخَرُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، فقطع يده.

٢٦٣. وقال (عليه السلام): لَوْ قَدِ اسْتَوَتْ قَدَمَايَ مِنْ هذِهِ الْمَدَاحِضِ[٤٤] لَغَيَّرْتُ أَشْيَاءَ.

٢٦٤. وقال (عليه السلام): اعْلَمُوا عِلْماً يَقِيناً أَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ ـ وَإِنْ عَظُمَتْ حِيلَتُهُ، وَاشْتَدَّتْ طِلْبَتُهُ، وَقَوِيَتْ مَكِيْدَتُهُ ـ أَكْثَرَ مِمَّا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ[٤٥]، وَلَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْعَبْدِ فِي ضَعْفِهِ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ مَا سُّمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَالْعَارِفُ لِهذَا الْعَامِلُ بِهِ أَعْظَمُ النَّاسِ رَاحَةً فِي مَنْفَعَة، وَالتَّارِكُ لَهُ الشَّاكُّ فِيهِ أَعْظَمُ النَّاسِ شُغُلاً فِي مَضَرَّة. وَرُبَّ مُنْعَم عَلَيْهِ مُسْتَدْرَجٌ[٤٦] بِالنُّعْمَى، وَرُبَّ مُبْتَلىً[٤٧] مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى ! فَزِدْ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ فِي شُكْرِكَ، وَقَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ، وَقِفْ عِنْدَ مُنتَهَى رِزْقِكَ.

٢٦٥. وقال (عليه السلام): لاَ تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلاً، وَيَقِينَكُمْ شَكّاً، إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا، وَإِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا.

٢٦٦. وقال (عليه السلام): إِنَّ الطَّمَعَ مُورِدٌ غَيْرُ مُصْدِر[٤٨]، وَضَامِنٌ غَيْرُ وَفِيّ. وَرُبَّمَا شَرِقَ[٤٩] شَارِبُ الْمَاءِ قَبْلَ رِيِّهِ،كُلَّمَا عَظُمَ قَدْرُ الشَّيْءِ الْمُتَنَافَسِ فِيهِ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ لِفَقْدِهِ، وَالاَْمَانِيُّ تُعْمِي أَعْيُنَ الْبَصَائِرِ، وَالْحَظُّ يَأتِي مَنْ لاَ يَأْتِيهِ.

٢٦٧. وقال (عليه السلام): اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَحْسُنَ فِي لاَمِعَةِ الْعُيُونِ عَلاَنِيَتِي، وَتَقْبُحَ فِيَما أُبْطِنُ لَكَ سَرِيرَتيِ، مُحَافِظاً عَلَى رِيَاءِ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي بِجَمِيعِ مَا أَنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مِنِّي، فَأُبْدِيَ لِلنَّاسِ حُسْنَ ظَاهِرِي، وَأُفْضِيَ إِلَيْكَ بِسُوءِ عَمَلِي، تَقَرُّباً إلَى عِبَادِكَ، وَتَبَاعُداً مِنْ مَرْضَاتِكَ.

٢٦٨. وقال (عليه السلام): لاَ وَالَّذِي أَمْسَيْنَا مِنْهُ فِي غُبْرِ لَيْلَة[٥٠] دَهْمَاءَ[٥١]، تَكْشِرُ[٥٢]عَنْ يَوْم أَغَرَّ[٥٣]، مَا كَان كَذَاكَذا.

٢٦٩. وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ أَرْجَى مِنْ كَثِير مَمْلُول[٥٤].

٢٧٠. وقال (عليه السلام): إذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ بالْفَرَائِضِ فَارْفُضُ ٠ وهَا.

———————————————-
[١] . العَزَائم: جمع عزيمة، وهي ما يصمم الانسان على فعله. وفسخ العزائم: نقضها.
[٢] . العُقُود: جمع عَقْد، بمعنى النية تنعقد على فعل أمر.
[٣] . تَقْرِبَةً أي: سبباً لتقرّب أهل الدين بعضهم من بعض، إذ يجتمعون من جميع الاقطار في مقام واحد لغرض واحد.
وفي بعض النسخ: تقويةً للدين.
[٤] . مَنْماة: إكثار وتنمية.
[٥] . الشهادات: هي ما يدلي به الشهداء على حقوق الناس.
[٦] . استظهاراً: إسناداً وتقويةً.
[٧] . المُجاحَدَات: جمع مُجَاحَدة، وهي الانكار والجحود.
[٨] . في أكثر النسخ المطبوعة: «والامانة»، وما أثبتناه هو الموافق للنسخ الخطية، ولكن الايدي غير الامينة تلاعبت بالنصّ وغيرت كلمة الامامة بالامانة، لاغراض لا تخفى [المصحّح].
[٩] . تُؤثِرُ أي: تحب.
[١٠] . الرَوَاح: السير من بعد الظهر.
[١١] . الادْلاج: السير من أول الليل.
[١٢] . نائبة: مصيبة.
[١٣] . أمْلقتم: افتقرتم.
[١٤] . تَتَعَرّق أموالهم، من قولهم تَعَرّقَ فلان العظمَ: أي أكل جميع ما عليه من اللحم.
[١٥] . في بعض النسخ: «إذا بلغ النساء نصّ الحقائق فالعصبة أولى، ويُروى: نصّ الحقاق».
[١٦] . الجَحْفَلَة ـ بتقديم الجيم المفتوحة على الحاء الساكنة ـ: للخيل والبغال والحمير بمنزلة الشَفَة للانسان.
[١٧] . اعْذِبُوا أي: أَعرضوا واتركوا.
[١٨] . الفَتّ: الدق والكَسر، وفَتّ في ساعده ـ من باب نصر ـ أي: أضعفه كأنه كسره.
[١٩] . مَعَاقِدُ العزيمة: مواضع انعقادها وهي القلوب، وقدح فيها: بمعنى خرقها كناية عن أوْهَنَها.
[٢٠] . يكسر عنه: يؤخّر عنه.
[٢١] . العَدْو ـ بفتح فسكون ـ: الجَرْي.
[٢٢] . الياسِرُون: اللاعِبون بالميْسِر، وهو القمار.
[٢٣] . يتضاربون بالقِداح: أي يقامرون بالسهام على النصيب من الناقة.
[٢٤] . الجَزُور ـ بفتح الجيم ـ: الناقة المجزورة، أي المنحورة.
[٢٥] . فَلَجَ ـ من باب ضرب و نصر ـ: فاز و انتصر.
[٢٦] . العِضاض ـ بكسر العين ـ: أصله عضّ الفرس، مجاز عن إهلاكها للمتحاربين.
[٢٧] . فَزِع المسلمون: لجأوا إلى طلب رسول الله ليقاتل بنفسه.
[٢٨] . الحَمْيُ ـ بفتح فسكون ـ: مصدر حَمِيَت النار: اشتدّ حرّها.
[٢٩] . مُجْتَلَد ـ مصدر ميمي من الاجتلاد ـ أي: الاقتتال.
[٣٠] . اسْتَحرّ: اشتدّ، والجِلاد: القتال.
[٣١] . النُخَيْلَة ـ بضم ففتح ـ: موضع بالعراق اقتتل فيه الامام مع الخوارج بعد صفّين.
[٣٢] . المَقوُد: اسم مفعول، والقادة: جمع قائد.
[٣٣] . الوَزَعَة ـ محرّكة ـ: جمع وازع بمعنى الحاكم، والمَوْزُوع: المحكوم.
[٣٤] . أين تَقَعَانِ مما أُريد أي: أين أنتما وما هي منزلتكما من الامر الذي أريده وهو يحتاج إلى قوة عظيمة؟ فلا موقع لكما منه.
[٣٥] . أتُراني ـ بضم التاء، مبني للمجهول ـ أي: أتظنني.
[٣٦] . حِرْت: من حار أي تحير. وفي بعض النسخ: فَجُرْتَ.
[٣٧] . يُغْبَط ـ مبني للمجهول ـ أي: يغبطه الناس ويتمنون منزلته لعزّته.
[٣٨] . أحْسِنُوا في عَقِب غيركم… أي: كونوا رحماء بأبناء غيركم يرحم غيركم أبناءكم، فالعقب هنا يُراد به النسل والابناء.
[٣٩] . نَقَفَهُ: ضربه.
وفي بعض النسخ: يَثْقَفُها.
[٤٠] . الهَوْن ـ بالفتح ـ: الحقير، والمراد منه ـ هنا ـ الخفيف لا مبالغة فيه.
[٤١] . وَجِيهاً: أي ذا منزلة عَلِيّة من القرب إليه سبحانه.
[٤٢] . لم يَخْفَ عليه: لم يَغِبْ عنه.
[٤٣] . عُروُضهم: جمع عَرْض ـ بفتح فسكون ـ وهو المتاع غير الذهب والفضة.
[٤٤] . المَدَاحِض: المَزَالِقُ، يريد بها الفتن التي ثارت عليه.
[٤٥] . الذكر الحكيم: القرآن.
[٤٦] . المستدرج: الذي يُمْهلهُ الله ويمدّ له في النعمة مدّاً.
[٤٧] . المُبْتَلى: المُمْتَحَن بالبلايا.
[٤٨] . مُورِدٌ غير مُصْدِر أي: من ورده هلك فيه، ولم يصدر عنه.
[٤٩] . شَرِقَ ـ كتعب ـ أي: غصّ.
[٥٠] . غُبْر الليلة ـ بضم الغين وسكون الباء ـ: بقيّتها.
[٥١] . الدَهْماء: السوداء.
[٥٢] . كَشّرَ عن أسنانه ـ كضرب ـ: أَبداها في الضحك ونحوه.
[٥٣] . الاغَرّ: أبيض الوجه.
[٥٤] . مَمْلُول: يُسْأم منه ويُتَضَجّر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى