الرسائل والکتب

الرسالة ١٠: إليه أيضاً

ومن كتاب له (عليه السلام)

إليه أيضاً

وَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ إِذَا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلاَبِيبُ[١] مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهَّجَتْ بِزِينَتِهَا[٢]، وَخَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا، دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا، وَقَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا، وَأَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا، وَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لاَ يُنْجيِكَ مِنْهُ مِجَنٌّ[٣]، فَاقْعَسْ[٤] عَنْ هذَا الاَْمْرِ، وَخُذْ أُهْبَةَ[٥] الْحِسَابِ، وَشَمِّرْ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ، وَلاَ تُمَكِّنِ الْغُوَاةَ[٦] مِنْ سَمْعِكَ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنكَ مُتْرَفٌ[٧] قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأْخَذَهُ، وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ، وَجَرَى مِنْكَ مَجْرَى الرُّوحِ وَالدَّمِ.

وَمَتَى كُنْتُمْ يَا مُعَاوِيَةُ سَاسَةَ[٨] الرَّعِيَّةِ، وَوُلاَةَ أَمْرِ الاُْمَّةِ ؟ بِغَيْرِ قَدَم سَابِق، وَلاَ شَرَف بَاسِق[٩]، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ لُزومِ سَوَابِقِ الشَّقَاءِ، وَأُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ مُتَمادِياً فِي غِرَّةِ[١٠] الاُْمْنِيَّةِ[١١]، مُخْتَلِفَ الْعَلاَنِيَةِ والسَّرِيرَةِ.

وَقَدْ دَعَوْتَ إِلَى الْحَرْبِ، فَدَعِ النَّاسَ جَانِباً وَاخْرُجْ إِلَيَّ، وَأَعْفِ الْفَرِيقَينِ مِنَ الْقِتَالِ، لِتَعْلَمَ أيُّنَا الْمَرِينُ[١٢] عَلَى قَلْبِهِ، وَالْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ! فَأَنَا أَبُو حَسَن قَاتِلُ جَدِّكَ وَخَالِكَ وأَخِيكَ شَدْخاً[١٣] يَوْمَ بَدْر،ذلكَ السَّيْفُ مَعِي، وَبِذلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي، مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيناً، وَلاَ اسْتَحْدَثْتُ نَبِيّاً، وَإنِّي لَعَلَى الْمِنْهَاجِ[١٤] الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ، وَدَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ.

وَزَعَمْتَ أَنَّكَ جِئْتَ ثَائراً بِدَمِ[١٥] عُثْمانَ، وَلَقَدْ عَلِمْتَ حَيْثُ وَقَعَ دَمُ عُثْمانَ فَاطْلُبْهُ مِنْ هُنَاكَ إِنْ كُنتَ طَالباً، فَكَأَنِّي قدْ رَأَيْتُكَ تَضِجُّ مِنَ الْحَرْبِ إِذَا عَضَّتْكَ ضَجِيجَ آلْجِمَالِ بِالاَْثْقَالِ، وَكَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعاً مِنَ الضَّرْبِ الْمُتَتَابِعِ، وَالْقَضَاءِ الْوَاقِعِ، وَمَصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ، إِلَى كِتَابِ اللهِ، وَهِيَ كَافِرةٌ جَاحِدَهٌ، أَوْ مُبَايِعَةٌ حَائِدَةٌ[١٦].

————————————–
[١] . الجلابيب ـ جمع جِلْباب ـ: وهو الثوب فوق جميع الثياب كالمِلْحَفة.
[٢] . تَبَهّجَت: تحسنت.
[٣] . المِجَنّ: التُرْس، أي: يوشك أن يطلعك الله على مهلكة لك لاتتقي منها بترس، ورويت: “مُنْج ” بدل مجنّ.
[٤] . قَعَسَ: تأخر.
[٥] . الاُهبة ـ بضم الهمزة ـ: العُدّة.
[٦] . الغُواة ـ جمع غاو ـ: قرين السوء الذي يزيّن لك الباطل ويغريك بالفساد.
[٧] . المُتْرَف: من أطْغَتْه النعمة.
[٨] . سَاسة: جمع سائس.
[٩] . الباسِق: العالي الرفيع.
[١٠] . الغِرّة ـ بالكسر ـ: الغُرور.
[١١] . الاُمْنِيَة ـ بضم الهمزة ـ: ما يتمناه الانسان ويؤمل إدراكه.
[١٢] . المَرِين ـ بفتح فكسر ـ: اسم مفعول من رانَ ذنبهُ على قلبه: غلب عليه فغطى بصيرته.
[١٣] . شدخاً: أي كسراً في الرطب.
[١٤] . المِنْهاج: هو ـ هنا ـ طريق الدين الحق.
[١٥] . ثأر به: طلب بدمه.
[١٦] . حائدة: من حاد عن الشيء إذا مال عنه وعدل عنه إلى سواه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى