تاملات جميلة

تاملات جميلة – 25

241 زهراء

الصبر مفتاح الفرج
سأل شاب رجل أعمال عن السبب في نجاحه؟..
فقال له : الصبر هو سرّ نجاحي، إنّ أيَّ شيء في الدنيا يمكن عمله، إذا تذرع الإنسان بالصبر.
فقال الشاب : ولكنّ هناك أمورا لا يمكن عملها، مهما كان الإنسان صبورا!..
فقال رجل الأعمال : وما هي؟!..
قال الشاب : مثلاً : نقلُ الماء في المنخل!..
فردَّ عليه رجل الأعمال في الحال : حتى هذا يمكن عملُه بالصبر، إذا انتظر الإنسانُ الماء حتى يجمدَ ويكون ثلجا.

242 مشكاة الأنوار

الشجرة من منظور قرآني
لا يعيش الإنسان في هذه الحياة بمعزل عن الكائنات الحية الأخرى، وعلى الرغم من كونه يمثل محور هذه الحياة، وقطب الكون الذي خلق كل شيء لأجله، غير أنها تشاطره العيش في هذه الحياة، تؤثر فيه وتتأثر به، في ظاهرة هي سبب استمرار الحياة وديمومتها.. فالحيوانات والطيور والنباتات بشتى أصنافها، تكوّن حلقة متكاملة جنبا إلى جنب مع الإنسان ؛ لتصنع دورة الحياة.. والشجرة مثال رائع للتفاعل مع الحياة الإنسانية، فاستحقت تلك المكانة البارزة التي أولاها لها الإسلام.
فمنذ اليوم الأول الذي سكن فيه آدم (ع) الجنة، تكونت علاقته بالشجرة، فتلقى الإرشاد الإلهي الأول {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين}؛ فكانت محلا للإمتحان الإلهي.. ولكن الشيطان الرجيم استغل الشجرة ليوسوس لآدم وزوجه (ع)، فقال : {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} فلما قربا الشجرة شعرا بالذنب، وسيطر عليهما الحياء، ولم يجدا مفرّاً إلاّ إلى الشجرة مرة أخرى، وكأنهما يؤكدان هذه العلاقة الحميمية {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة}.
وإن الشجرة مثال للخير، كما هي مثال للشر أحيانا، فالقول الجميل، والكلمة الطيبة {كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء}، وعلى نقيضها نجد الكلمة الخبيثة {كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار}، وكما استحق {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} استحق الكافرون في المقابل شجرة الزقوم والتي هي {شجرة تخرج في أصل الجحيم} ـ الله جميعا منها ـ {شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء}، أو تكون مثالا سيئا منبوذا، يسوء النبي (ص) حين يخبره الله تعالى {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن}، إلى حد لم يُر بعد ذاك اليوم مبتسما.
وتتعدد أغراض الشجرة ونوعية هباتها للإنسان، فهذه شجرة تظل النبي يونس (ع) {وأنبتنا عليه شجرة من يقطين}، وشجرة أخرى هي مثال العطاء {تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين}، وأخرى نودي منها النبي موسى (ع) {من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة}، وأخرى شريكة في الرضا الإلهي حين {رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}.. ولكن تبقى شجرة النبوة والإمامة، هي الأسمى وهي الأعلى بقول النبي (ص) لعلي (ع) (أنا وأنت من شجرة واحدة، وسائر الناس من شجر شتى)، ليتلقفها شاعر أهل البيت (ع):
يا دوحة في الخلـــد نابتـــة ما مثلها نبتت في الخلد من شجر
المصطفى أصلـها والفرع فاطـمة ثم اللقاح علــي سيـد البشـر
والهاشميان سبطـاه لهـا ثمــر والشيعة الورق الملتف بالثــمر

243 ابن الإسلام

المحبوب الحقيقي
سيتخلى عنك كل أحد في هذه الدنيا، وأنت في أمس الحاجة لوقوف أحد بجانبك.. سيتخلى عنك أحب الناس إليك : أصدقاؤك، والديك.. وذلك عندما تكون في القبر وحدك، ولكنّ هناك محبوبا لم ولن يتخلى عنك ويتركك في ذلك الموقف الصعب، أعرفت من هو؟.. هو الله
إلهي!.. لو عصيتُ أمي، وقيل لها : سنضع ابنك في النار ؛ فإنها حتما ستمانع رأفة بي ورحمة.. فكيف بك يا أرحم الراحمين؟!..

244 بنت السادة

لحظات تنزف من دم فيها العين دموع من ندم.
لحظات تنزف فيها العين دموع من دم!..

عندما تفلت أيادي المحبين من بعضهم البعض..
وعندما نسأل : لماذا؟.. يقال لنا : قسمة ونصيـب..

لحظات تنزف فيها العين دموع من دم!..

عندما يخرج لنا فاسق أو فاسقة، وتوطي أقدامهم الطعام..
وفي افريقيا يموت أطفال بالملايين جوع وفقر..

لحظات تنزف فيها العين دموع من دم!..

عندما يسقط كبار السن تحت أقدام كبار الشخصيات..
يطلبه شيء معين، يواصل مسيرته إلى لقمة العيـش..

لحظات تنزف فيها العين دموع من دم!..

عندما أصلي في المسجد الفلاني لكي يراني الشخص الفلاني..
ولا أصلي لكي يراني خالقني وخالق كل ما على الكون..

لحظات تنزف فيها العين دموع من دم!..

عندما يجر المظلوم إلى ساحة القصاص..
فكم من القهر والذل والحزن الذي يراود صدره، وصدر من يعرفون الحق!..

لحظات تنزف فيها العين دموع من دم!..

عندما يتخلى أقرب الناس لك، ويقترب منك أبعد الناس لك..
فكم من الرحم سوف تفتقده، وكم من القساوة سوف تنالك؟..

لحظات تنزف فيها العين دموع من دم!..

عندما يصرخ الأب الفلسطيني ويقول : الولد الولد.. ويصرخ العرب القدس القدس..
وتصرخ إسرائيل فتقول : انتصر الباطل على الحـق!..

لحظات تنزف فيها العين دموع من دم!..

عندما ينتقل الأب والأم إلى مقابر الأموات وطفلهما ينشر
البسمة على هذه الدنيا التعيسة.. فكم من الحنان قد يفقد؟..

لحظات تنزف فيها العين دموع من دم!..

عندما نحلم أحلامنا ونتمنى أمنياتنا، وعندما نكبر ونعيش..
تصبح هذه الأحلام والأمنيات مجرد ذاكرة لم تحدث أصلا..

لحظات تنزف من دم فيها العين دموع من ندم!..

عندما تقف أمام بيتك، ويأتي أحد المارين ويسألك عن بيت أحمد..
فتقول له : ليس في هذا الحي، وبعدها تكتشف أنه جارك.. الجدار على الجدار!..

245 بنت السادة

إذا وجدت صورتك بين هذه الصور فاحذفها
الصورة الأولى :
حب الدنيا، ونسيان الآخرة، والانكباب على هذه الدار الفانية
صورة عارية من الفهم الصحيح، لما يجب أن يكون عليه المسلم..
{كلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ {17} وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ {18} وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً {19} وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً}.

الصورة الثانية :
نسيان الوالدين في زحمة هذه الحياة، وعدم المبالاة بأحزانهم وأفراحهم وعقوقهم
صورة عارية من الوفاء ورد الجميل، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان..
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً {23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَة ِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرا}.

الصورة الثالثة :
السعي في الفساد والإفساد ليلا ونهارا سرا وجهارا
صورة عارية من مخافة الله، والحذر من عظيم سطوته وشديد انتقامه..
{الَّذِينَ طَغَوْا فِي البلادِ {11} فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ {12} فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ {13} إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}.
فهل من توبة قبل نزول العذاب؟..

الصورة الرابعة :
ترك الصلاة، وعدم التعبد لله بها
صورة عارية من الإسلام الصحيح..
{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ {42} قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ {43} وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ {44} وَكُنَّانَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ {45} وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ {46} حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ}.

همسة :
إن كنت وجدت صورتك بينهم فبادر / ي بتغيير معالمها..
حاول / ي أن تعيدها إلى حشمتها وزينتها قبل فوات الأوان..

246 بنت السادة

أجمل لحظات عمرك
أجـمـل لـحـظـات عـمـرك !..
حـيـن تـعـيـش وسـط أفـئـدة الـنـاس بـشـفـافـيـة ، بـدون نـفـاق أو مـجـامـلات خـبـيـثـة .

أجـمـل لـحـظـات عـمـرك !..
حـيـن تـعـانـد الـشـيـطـان وتـغـلـبـه ، وتـرجـع إلـى ربـك مـن بـعـد طـول غـيـاب ، فـتـطـرق بـابـه ويـفـتـحـه لـك ويـقـبـل تـوبـتـك .

أجـمـل لـحـظـات عـمـرك !..
حـيـن يـفـهـمـك مـن حـولـك ، فـيـداوون جـروحـك ، أو يـجـعـلـونـك تـسـتـنـد إلـيـهـم فـي مـصـائـبـك .

أجـمـل لـحـظـات عـمـرك !..
حـيـن تـقـتـرن بـنـصـفـك الآخـر (شـريـك الـحـيـاة ) حـيـن تـتـحـد مـع إنـسـان آخـر يـشـاركـك كـل شـيء .

أجـمـل لـحـظـات عـمـرك !..
حـيـن تـنـاجـي ربـك بـخـضـوع وذل ودمـوع كـالأنـهـار ، وبـقـلـب مـلـؤه الـشـوق إلـى رؤيـاه .

أجـمـل لـحـظـات عـمـرك !..
حـيـن تـسـمـع بـكـاء أول طـفـل لـك ، فـتـحـضـنـه بـقـوه تـمـنـحـه الـحـنـان والآمـان وتـقـبـلـه .. لا يـوجـد أروع مـن هـذه الـلـحـظـة !..

أجـمـل لـحـظـات عـمـرك !..

حـيـن تـحـزن بـصـدق عـلـى مـافـاتـك مـن عـمـرك ، مـن دون أن تـسـتـفـيـد مـنـه ؛ فـتـبـادر إلـى الـتـعـويـض .

أجـمـل لـحـظـات عـمـرك !..
حـيـن تـسـتـيـقـظ فـي الـصـبـاح ، وقـد مـحـا الله ذنـوبـك بـالأمـس .

247 بنت السادة

عش وابتسم وسامح وإذا لم تستطع حاول
عش وابتسم، وسامح.. وإذا لم تستطع حاول!..

عش بقلب محب!..
وابتسم بقلب محب!..
وسامح بقلب محب!..
وحاول أن تعيش الحب بكل معانيه الدافئة!..
وبكل بحوره الواسعة!..
ولا تضيق رحابه، ولا تغلق أبوابه!..
ولا تستنكر أصحابه!..
فدقيقة واحدة تعيشها، وقد صفا قلبك على كل الناس
وسما فيك الإحساس
فهي دقيقة توزن بالذهب!..
ولكلمة حلوة تخرج من لسان محب
وتستقر في قلب محب
لهي أفضل من كل هدايا العالم!..
ولإنسان تشعر معه بالصدق
وتطير معه في رحاب المودة
لهو أفضل من كل ملايين البشر!..
وللحظة تحياها روحك، تنبض بالخير لكل من حولك
لهي لحظة
تشفيك من كل أمراض القلق والحسد والوحدة!..
فالحياة أوسع من أن نضيقها بالهموم والدموع!..
والقلوب أطهر من أن نلوثها بالكره والضغينة
والحب أعظم من أن ندفنه باللوم والعتاب وسوء الظن!..
الحب :
ليس بأن نعيش في أحلام الحالمين، وآهات العاشقين
فهذا ما عرف من الحب إلا قشوره
ولم يتغلغل في بحوره أو يقرأ سطوره
الحب :
أن نعيش الخير بكل مدائنه وموانئه
وأن نكره الشر بكل ألاعيبه وأكاذيبه
الحب :
أن تعيش طاهر القلب، سليم الروح
لا تعبث بقلوب المحبين
ولا تغدر بالطيبين
ولا تتجاهل قلوب الأوفياء المقربين
وعش ماتبقى لك من عمُر
طاهر القلب، سليم الروح

248 جعفر

مخاطر التبرج
ماذا يحصل عندما نهدم جدران بيت؟.. بالتأكيد، أنه يغدو مكشوفاً، وعرضة لنظرات الرائحين والغادين، بحيث تسقط حرمته، فلا يستطيع أهله أو سكانه منع الناس من التفرج عليهم.. وماذا يحصل لو أننا فتحنا شبابيك بيت جميل، وقلنا للمارة لا تنظرون من خلالها؟.. ألا يمكن أن يثير ذلك اعتراضهم، فيقولون : أغلقوا شبابيك البيت، قبل أن تطلبوا منا إغلاق عيوننا؟..
إن هذان المثالان فيهما شبه كثير، بالفتاة أو المرأة التي تخرج سافرة متبرجة، كاسيه عارية، تلبس أبهي زينتها، وأجمل ملابسها، وتضع المساحيق والعطور المثيرة، ثم تقول للشبان الذين تفور غرائزهم : لا تستثار!.. غضوا أبصاركم!.. لا تلتفتوا إلي دعوني وشأني!..
وهل هناك يا ترى متبرجة تقول ذلك؟.. أليست تخرج كذلك، لتلفت الأنظار إليها، وكأنها شاشة تلفاز تبيح للجميع التطلع إليها!..
وعلى ضوء ذلك، فإن انعكاسات التبرج بالدرجة الأولى، أن ينظر إليها من زاوية واحدة فقط, أي أنها أنثى, وأنها جسد يطمع بها الطامعون، كما يتركز هذا المعنى في ذهنيتها أيضاً؟.. فلا تلتفت إلى جوانب أخرى في شخصيتها، وإنما تصب اهتمامها على الشكل دون المضمون.. فتغرق في اقتناء الملابس الثمينة، والزينة الغالية، وتتفنن في الظهور بمظهر لافت للأنظار، مما يسبب لها متاعب مالية واجتماعية ونفسية كثيرة..
فأية جرائم اجتماعية وأخلاقية يتسببن فيها ذوات الحياء القليل، سواء شعرن بذلك أم لم يشعرن؟!.. وللأسف فإن قانون الكثير من البلدان لا يتسامح في ذلك، بل يشجع عليه، ويفتح له الأبواب على مصاريعها ؛ بغية إفساد الجيل بشبانه وشاباته!.

249 الدليل إلى طريق الجليل

أيها الأنسان أما آن لك أن تستحي من ربك
إلهي كيف أنساك، ولم تزل ذاكري؟!.. أم كيف ألهو عنك، وأنت مراقبي؟!.. أما آن لك أيها الإنسان أن تستحي من ربك؟!.. قد أوجدك نورا شامخاً من نوره، وهيأ لك أرضا، جعلها فراشا لك تحتضنك بكل ذرة فيها، وجعلها تطعمك من نباتها، وتسقيك من ماء ها، وتربيك في رحمها.. فهيأ لذلك شمسا، تبخر ماء فراشك، فينزل عليك من عنده ماء صافيا.. وجعل لك قمرا منيرا، يعلمك منازل وبروج السماء، ويعكس لك ضوء الشمس، حتى لا ينقطع عنك.. ومنحك ماء صافيا، يصل إلى جوفك، دون أن تذهب إلى جلبه.. فهو راحمك وموجدك..

ألم يهيئ لك نجوما، تحميك من زعازع الخلق؟.. ألم يهيأ لك سحابا، ينقل لك قطرات ماء نازلا من عنده؟.. ألم يحميك من حركات هذا الفراش الذي وضعك فيه؟.. ألم يغذيك ويطعمك ويسقيك؟.. وفعل ذلك معك في رحم أمك ثانيا، حيث أنزلك في أبوين مؤمنين صالحين في أصلاب طاهرة، حتى أدخلك في رحم أمك من ماء صاف كاللبن، من محل النية والمشيئة، الذي ما وسعته أرض ربك ولا سمائه، لكن وسع قلب أبويك، فخرجت من عنده؟..

ألم يربيك في عنق رحم أمك، حتى تتكون في 72 ساعة، يغذيك من نفس العنق؟.. أيها الإنسان من نقلك إلى الرحم بعد ذلك؟.. أليس هو من أرسل نطفتك إلى هناك؟.. أليس هو من كونك في رحم أمك، حتى تفجرت مضغتك في 14 يوم، حتى بدأ في تكوين آلات جسدك لينزل فيها الروح والنور، التي كونك منه في الأول؟.. ألم يعينك، ويعلمك كيف تجلس وتصلي وتسبح، وتقوم وتقعد، وتأكل وتشرب، وأنت جهاز لم يكتمل نموه في ظلمة داكنة، لا ترى ولا تبصر؟..
أما آن لك أن تستحي من خالقك؟!..

ألم يقيك من حركات أمك، حيث جعلك في فرش من ماء رحمها، حتى لا يصطدم رأسك الهش بجسدها، فكان أحن من أمك عليك؟.. حتى إذا نمت وكبرت وتعلمت، استقبلك من رحم أمك ساجدا باكيا، وضعك بين يديه، حيث لا يرغب في أحد أحدا، وسخر لك أبويك، حيث لا يرغب أحد في أحد..

ألم تكن طفلا لا تبصر محالب أمك، فأرشدك إليها، لكي يغذيك.. وحينما كبرت قليلا، علمك كيف تسير على أربع، تقضي في حركتك حاجتك؟.. ألم يعلمك ويلاعبك؟.. حفظك من شرار الدواب والهوام، والكبير والصغير، حتى إذا هم جسدك إلى الوقوع، استقبلت يداه جسدك، فهان عليك الألم بعد رؤيتك ذلك؟..

سخر لك كل شيء، وهيأ لك كل شيء، وعمل لك شيء.. أبعد ذلك تقابله بالعصيان والطغيان والجحود؟.. أبعد أن دلك على الطريق، وعلمك المسير، تقف عليه بالنكران؟!..
أما آن لك أن تستحي من ربك؟..

وبعد ذلك، حتى إذا عرضت عليك الدنيا زينتها، تبدل ربك بها!.. أذلك عدل أن تبيع من أحسن إليك بالإساء ة؟!.. فتعصيه، فينادي هذا عبدي، وأنا أولى به.. يستر فعلك عن جميع خلقه، حتى عن ملائكته، وسكان سماواته.. أبعد ذلك تجرأ عليه؟!..
يعلمك التوبة، ويسوقك إليها، لتتوب، فيرجعك إلى طريق صنعه لك، فتوقع نفسك في الجب، فيخرجك، أليس هو أحق بعبادتك؟!..
يعلمك الكلام، فتقوله لغيره!.. يعلمك معارف خلقه من جن وأنس وملائكة، فتكرس وقتك لعبادتهم، والتقرب لهم!.. أليس هو أحق منهم في ذلك؟!.. وبعد فعلك كله، يقول لك : عبدي نادني، فأجيبك وأعطيك.. وتقرب إلي، أتقرب إليك..

حتى إذا دنى أجلك، واحتضنك الموت قال له : خل عنك.. هذا عبدي وحبيبي، أنا أولى منك في احتضانه.. فآنس وحشتك، كما فعل في رحم أمك، وأنار لك برزخ من قبل نكرانك وجحدك.. فاستقبلك، وجعل لك عرسا يزفك إلى جنانه.. ويفرح بك أكثر من فرح أهلك ومحبيك بك، حين تزويجك وتخرجك، فيغفر لك، ويرحمك.. أليس أحق هو بحمدك؟.. أسكنك أرضه، وأطعمك من نباته، وأسقاك من مائها، فعصيته فغفر لك..

كيف بك، وأنت على أثقالك أكناف الذنوب تجرها؟.. وأغلال الحديد بين يديك وقدميك، تنادي : أي رب أي رب أي رب!.. يا الله!.. عبدك بين يديك.. أبعد ذلك جئت إلى ربك تستسقيه؟!.. أبعد أن تبدلت صورتك، وانمحى ذكرك؟.. أبعد أن سودت أعمالك وجهك، جئت سائلا قارعا بابه، تسأله أن يدخلك جنته، ويحظيك بقربه؟.. وهو الرؤوف بك، الرحيم لك، فيغفر لك، فينادي مناد : إني غفرت لحبيبي، قد أحسن ظنه بي، خل سبيله..
فلماذا أيها الإنسان، توالي عدوه، وتصم آذانك عنه؟!..
فرجعت إليه بعد أن خرجت من عنده!.. كان هذا سفر، بعيدا، أم قصيرا، أم أقل من طرفة عين، إلا انه زاد شوقه إليك، وحبه لك!.. فأنت بغربتك هذه، ازددت معرفة به، وحبا له.. فآن لك أن تعصيه بعد ذلك!.. أبعد أن زرع أشجار الشوق إليه، في صدرك، قلعتها!..
أما آن لك أن تستحي من ربك!..
قال الإمام الصادق (ع)- روحي وأرواح العالمين له الفداء – :
تعصي الإله وأنت تُظهر حبه *** هذا لعمرك في الفعال بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيع

250 ابوجعفر الزينبي

لفتــــــة
هل عندك مرآة؟!..
انظر في المرآة!..
فإن رأيت وجهك فقط ؛ فأنت أناني!..
وإن رأيت الناس ؛ فأنت إنسان!..
وإن رأيت حب الخير لهم، وكف الأذى عنهم ؛ فأنت مسلم!..
وإن رأيت الموت والجنة والنار ؛ فأنت مؤمن!..
وإن لم تر شيئا ؛ فأنت موحد!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى