تاملات جميلة

تاملات جميلة – 22

211 faten

رواية تهز من الاعماق
رواية تهز من الأعماق
وهذا نص الرواية :
عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
قد سبق إلى جنان عدن أقوام كانوا أكثر الناس عملاً، فإذا وصلوا إلى الباب ردوهم عن الدخول..

فقيل : بماذا ردّوا؟.. ألم يكونوا في دار الدنيا صلّوا وصاموا وحجّوا؟!..

فإذا النداء من قبل الملك الأعلى (جلّ وعلا): بلى قد كانوا، ليس أحد أكثر منهم صياماً ولا صلاة ولا حجّاً ولا اعتماراً، ولكنّهم غفلوا عن الله ومواعظه.

أتساء ل كيف هؤلاء الأقوام، الذين أفنوا حياتهم في العبادة، قد غفلوا عن الله؟!.. أوليست عبادتهم، وصيامهم، وتوجههم، وصلاتهم…؛ عندما يقولون : (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض).. كيف أن كل هذا لا يقبل، وأنهم قد غفلوا عن الله؟!.. مع أنهم ظنوا أنهم طوال حياتهم أفنوها وهم مع الله؟!..

إن هذه الرواية تهز من الأعماق، وتدعو للتفكر والتأمل.. هل عرفنا الله؟.. ومن هو الله الذي يجب أن لا نغفل عنه، ويجب أن نعرفه؟. وما هذه المعرفة التي يجب أن تعرف حتى تقبل الأعمال، وبدونها ترد كل الأعمال، فتكون كالبوار المحروق؟..

(اَللَّهُمَّ!.. عرفني نفسك ؛ فإنك إن لم تعرفني نفسك، لم أعرف نبيك.. اَللَّهُمَّ!.. عرفني رسولك ؛ فإنك إن لم تعرفني رسولك، لم أعرف حجتك.. اللَّهُمَّ، عرفني حجتك ؛ فإنك إن لم تعرفني حجتك، ضللت عن ديني).

فلنتذكر في ذالك اليوم الذي حدث فيه التجلي الإلهي، وخاطب الحق كل الخلق، وقال : ألست بربكم؟.. فقالوا : بلى!.. وليس هناك أي حجة، فحجة الله بالغة، فكل الخلق عرفوا من هو الله، وكل الأنبياء أتوا ليذكروا الناس من هو الله، فاطر السموات والأرض..
ولكن للأسف الأغلبية، أقوام لديهم هذا الشك!.. (أفي الله شك فاطر السموات والأرض).. نعم، لقد غفلوا عنه، غفلوا عن الله، وما عرفوه، وما اتبعوا مواعظه، التي أتى كل الأنبياء ليعرفوهم ويذكروهم!..
فلنبحث بقلب مفتوح عن الله، وعن معرفة الله، ولا نغفل عنه.. عميت عين لا تراك يا حبيبي يا ربي!.. يا الله!.. (وما قدروا الله حق قدره)..
لنفتح قلوبنا، ونتأمل في الرواية السابقة، وندعو بصدق أن نكون من العارفين.. لأن هذه الرواية خطيرة!.. إذ لا تقبل الصلاة ولا الصيام ولا… ولا…، إلا بالمعرفة، وعدم الغفلة عن الله.
فلنتلمس تلك المعرفة، ولنبحث عن كلمة (معرفة) في كل حديث، وفي كل رواية.. ولنتدبر ونتأمل ونتذكر، ذاك الجمال المتجلي، الجمال الإلهي الحنون، الذي عرف خلقه نفسه : (يا من دل على ذاته بذاته!.. وتنزه عن مجانسة مخلوقاته!).

212 باحث عن الطريق

الإنسان الكامل
– من أروع ما قرأته كتاب (الإنسان الكامل) للشهيد مطهري.. حيث قارئه يقف على حقيقة، يحاول الكاتب تقريرها، وهي أن مسعى الإنسان في حياته، يجب أن يوصله إلى شخصية الإنسان المتكامل (المتكامل من حيث التقوى، والزهد، والعمل، والورع، والأخلاق،… في جميع القيم الإنسانية).. متخذا من أمير المؤمنين – عليه السلام – مثالا، يّحتذى به.

– أيضاً يحاول الكاتب، الوصول بالقارئ إلى محطة تأمل جميلة، وهي أن من يحاول تنمية صفة أو قيمة إنسانية في حد ذاتها، على حساب باقي القيم، يضل عن مسعاه.. وكتشبيه على ذلك، تخيل إنسان تنمو جميع أجزاء جسمه، بتجانس، وآخر لا ينموا فيه سوى أنفه فقط!.. يكفي فقط أن تتخيل الفرق بين الاثنين، ليتضج لك البون الشاسع بين المسعيين!.

– وفي رائعة من روائع هذا الكتاب، يحاول الكاتب توضيح أن الإنسان في هذه الدنيا، لن يحصل على الراحة المطلقة، والمبتغى المطلق، إذا كان غير الله سبحانه.. ولتوضيح هذا، يقول مطهري : ” يسعى الإنسان دؤوبا، للحصول على كل ما تتمناه نفسه، ويحاول – في سبيل ذلك – تذليل الصعاب، وقهر المستحيل.. وما أن يكون ذلك الشيء بين يديه، ويشعر بمحدوديته، تجده لا يكتفي به، ويبحث عن شيء آخر أكمل منه، في الصفات، أو الميزات.. وفي هذا أكبر مثل، على أن الإنسان يبحث عن الكمال المطلق، وهو الله سبحانه وتعالى.. ولكنه يضل الطريق في بحثه، من حيث عدم معرفته، بأن مبتغاه هو الله سبحانه، لا شيء غيره “.

213 الفقير إلى الله

إذا ضعف الاهتمام بالصلاة.. فسلام على..
إذا ضعف اهتمامنا بالصلاة.. فسلام على وعينا.. وعلى ثقافتنا.. وعلى تديننا..

يقول أمير المؤمنين – عليه السلام – :(وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْء مِنْ عَمَلِكَ تَبَعٌ لِصَلاَتِكَ!)..
الصلاة عمود الدين، ولا يختلف اثنان أن الصلاة هي من أهم – إن لم تكن الأهم – مقومات المسلم، الذي يؤمن بالله تعالى.
والمؤمن من باب أولى اهتمامه بالصلاة، يفوق اهتمام المسلم العادي، الذي يشهد الشهادتين، وكلما زاد إيمانه، زاد ارتباطه بالصلاة، فهي قمة الارتباط بالله عز وجل، وهي رمز الإسلام.
وإذا ضعف أو قل اهتمام المؤمن بالصلاة، فلم يعد يعطيها ذلك الاهتمام الذي تستحق، فلم يحافظ على صلاة أول الوقت، ولم يراع بعض المستحبات، ولم يهتم بأدائها جماعة، ولم يجاهد في أن يصليها في المسجد، فقد خسر الكثير الكثير، وضيع الكثير!.

سلام على وعينا :
فسلام على وعينا الإسلامي، ذلك الوعي الذي به نميز الأمور، الحق من الباطل!..
أي وعي إسلامي هذا، الذي لا يدرك عظمة الصلاة بين يدي الله تعالى؟!.. وأي وعي لا يعرف أن الصلاة عمود للدين، وأن العمود لا بد أن يقام ليقام البناء كله؟!.. أي وعي ديني يحمله المتهاون بصلاته؟!.

سلام على ثقافتنا :
عندما يضيع المؤمن المثقف صلاته، ويضعف اهتمامه بها، فسلام على هذه الثقافة، التي لا تدرك أوليات الإسلام، ولا تدرك مدى اهتمام الإسلام بصلاة أول الوقت أو صلاة الجماعة!.. ألم يقرأ هذا المثقف الأحاديث، التي تشير إلى عظمة الصلاة في أول الوقت وفي المسجد وفي جماعة من المؤمنين؟..
– قال الإمام علي – عليه السلام – : (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، إلا أن يكون له عذر، أو به علة.. فقيل : ومن جار المسجد يا أمير المؤمنين؟.. قال من سمع النداء).
وروي أنه : (من مشى إلى مسجد، يطلب فيه الجماعة، له بكل خطوة سبعون ألف حسنة، ويرفع له من الدرجات مثل ذلك.. وإن مات وهو على ذلك، وكل الله به سبعون ألف ملك، يعودونه في قبره، ويؤنسونه في وحدته، ويستغفرون له حتى يبعث).
وورد : (تكبيرة يدركها المؤمن مع الإمام، خير من ستين ألف حجة وعمرة، وخير من الدنيا وما فيها بسبعين ألف مرة.. وركعة يصليها المؤمن مع الإمام، خير من ألف دينار، يتصدق بها على المساكين.. وسجدة يسجدها المؤمن مع الإمام في جماعة، خير من عتق مائة رقبة).
وقال رسول الله (ص): (صفوف أمتي كصفوف الملائكة في السماء، والركعة في الجماعة أربعة وعشرون ركعة، كل ركعة أحب إلى الله – تعالى – من عبادة أربعين سنة.. فما من مؤمن مشى إلى الصلاة الجماعة، إلا خفف الله عليه أهوال يوم القيامة، ثم يأمر به إلى الجنة).
فقد تراه لا ينفك عن قراء ة الكتب الإسلامية، والمطالعة في هذا المجال، ناسياً أو متغافلاً أن الصلاة هي الأهم من كل هذا، بل هي المكمل لثقافته، وكما أشار أمير المؤمنين – عليه السلام – في الحديث، فكل شي من ثقافتنا تابع لصلاتنا.. فما فائدة الثقافة الإسلامية، التي تبقى دون تطبيق!.

سلام على رساليتنا :
سلام على تلك الرسالية، التي قد يدعيها البعض، دون أن يملك وعياً صحيحاً لها!..
قد تراه ينشغل بعمل إسلامي رسالي، في أوقات الصلاة.. مثل هذا العمل رحماني في ظاهره، وشيطاني في باطنه.. فهل العمل الإسلامي، مجرد عمل مطلوب إنجازه كيفما كان؟!..
لو كان الأمر كذلك، لأمكن أن يقوم بالعمل الإسلامي، إنسان بعيد عن الدين، مقابل مبلغ من المال مثلا، ومن الممكن أن ينجزه بشكل أفضل من المؤمن المتدين..
فيكون بالنتيجة، أن العمل الإسلامي ليس مجرد عمل يُنجز فحسب، بل هو عمل موصل لله سبحانه، إن توافرت فيه شروط القرب والقبول منه سبحانه.
فمن الشروط : مطابقته لأوامر الله تعالى.. وما أوامره في أوقات الصلاة، إلا أداء الصلاة في وقتها، بأفضل صورها.
فيكون المنشغل بأي عمل في وقت الصلاة، حتى لو كان عملاً إسلامياً رسالياً، في خدمة الدين ؛ مخالفاً لأوامر الله تعالى.. فعمله عمل غير مقرب لله تعالى، بل مبعد عنه ؛ لأن فيه مخالفة صريحة لأوامره – جل وعلا -، من إقامة الصلاة في أول وقتها، وفي بيته، وفي جماعة المؤمنين كلما أمكن ذلك.

سلام على دنيانا :
تلك الدنيا التي نسعى من أجلها، وقد يفترض أحدنا – افتراضاً – أن سعيه في الدنيا إنما هو لله عز وجل وتقرباً له.. ولكن أليس التقرب، يكون بما أراد الله تعالى، لا بما أراد العبد؟!..
فالذي يفترض أن دراسته لله تعالى.. وعمله لله تعالى، وسعيه في الدنيا لله تعالى، هل يقدم دنياه هذه على صلاته، في موضع عليه أن لا يترك الصلاة؟..
قد يكون معذوراً في بعض الحالات، ولكن أحياناً الإنسان تسول له نفسه والشيطان، أن يترك صلاة الجماعة – مثلا – بحجة الإنشغال بالدراسة أو بغيرها، وهو قادر على إتيانها.
وإذا لم يكن السعي في الدنيا لله سبحانه، فالنتيجة هي التعب ولو حصل على بعض الملذات الفانية.. ولكن النتيجة في يوم القيامة، لا شيء سوى الحسرة والندامة..

سلام على نصرتنا لصاحب الزمان عجل الله فرجه :
فأي أنصار للإمام، لا يطيقون تحمل الأمانة الإلهية، وهي الصلاة؟!.. أي أنصار لم يجتازوا امتحان عمود الدين؟!.. فكيف بباقي فروعه وتفصيلاته؟!.. أي أنصار هم؟!..
أتكون نصرة الإمام المهدي – أرواحنا فداه – بالهتافات فقط؟!.. أيكون ذلك، بالاهتمام بجانب من الدين فقط؟!.. أتكون النصرة، بإدعاء الوعي والفهم والبصيرة، في شؤون السياسة فقط؟!.. أتكون بمجرد الحب المكنون للإمام، دون العمل؟!..
لو كان حبك صادقاً لأطعته *** إن المحب لمن أحب مطيع

سلام على تديننا :
ما هو التدين؟
هل هو بالمظهر، أم ببعض التوجهات الفكرية؟..
أم هو علم وعمل، فكر وتطبيق لهذا الفكر؟
التدين، هو الارتباط بالله عز وجل.. والصلاة هي من أهم طرق الارتباط به جل وعلا..

كخلاصة للقول..
يمكن للفرد أن يعرف مدى إيمانه الحقيقي، وتدينه الواعي غير الواهم، ووعيه الإسلامي الصحيح، وثقافته الدينية السليمة، وسعيه في الدنيا في طريق الله تعالى، واستعداده لنصرة الإمام القائم عجل الله فرجه، من خلال نظره إلى صلاته، ومدى اهتمامه بها..
فلينظر عندما تفوته فريضة الفجر، كيف حاله وهو يصليها قضاء ً قلبه، عندما لا يوفق لصلاة الجمعة والجماعة، مدة طويلة..
ولينظر إلى حاله، عندما يُؤخِر الصلاة لأول الوقت، حتى لو كان بعذر.

كانت هذه إشارات، لعلها تحرك شيئاً من نفوسنا الغافلة، التي أحاطت بها الوساوس!.. لعلنا نستفيق على واقع مرير، قد عشناه بعيداً عن الخط الصحيح، وقد كنا نظن أننا بألف خير!.. لعلنا نصحح ما كان منا، قبل أن تبلغ الروح التراقي!.. قال تعالى : (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوء ُ فَرَآهُ حَسَناً) / سورة فاطر

214 الموسوي

العدل
العدل ضد الظلم، وهو مناعة نفسية : تردع صاحبها عن الظلم، وتحفزه على العدل، وأداء الحقوق والواجبات..
وهو سيد الفضائل، ورمز المفاخر، وقوام المجتمع المتحضر، وسبيل السعادة والسلام..
وقد مجدّه الإسلام، وعنى بتركيزه، والتشويق إليه في القرآن والسنة :
قال تعالى : (إن الله يأمر بالعدل والإحسان).
وقال سبحانه : ((وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى).
وقال الصادق (ع): (العدل أحلى من الشهد وألين من الزبد، وأطيب ريحا من المسك).
وقال الراوي لعلي بن الحسين (ع):(أخبرني بجميع شرائع الدين؟.. قال : قول الحق، والحكم بالعدل، والوفاء بالعهد).
وقال الإمام الرضا (ع): (استعمال العدل والإحسان، مؤذن بدوام النعمة).

215 حواء

الإمام الكاظم ع ومحاسبة النفس
يقول الإمام الكاظم (ع): (ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم!.. فإن عمل حسناً، استزاد الله.. وإن عمل سيئاً، استغفر الله منه، وتاب إليه).
النقد والمحاسبة أداتان رئيستان، من أدوات تصحيح السلوك والفكر.. وأنّ من صفات المؤمن، هي محاسبة النفس، وإجراء التحقيق المستمر معها.. ذلك لأن المحاسبة، عبارة عن عملية تنقيح مستمرة للشخصية، وإعادة بناء الذات.
ويشخص جده المصطفى (ص) للإنسان، حقيقة أخرى، يلفت نظره إليها، ويحذره منها، حيث يقول : (ألا أُنبئكم بأكيس الكيِّسين، وأحمق الحمقاء!.. قالوا : بلى يا رسول الله، قال : أكيس الكيِّسين من حاسب نفسه، وعمل لما بعد الموت، وأحمق الحمقاء من أتبع نفسه هواه، وتمنى على الله الأماني)..
وهي : أنّ الإنسان إن لم يحاسب نفسه، على تقصيره وخطئه، فإنّ الله يحاسبه، والناس يحاسبونه، والقانون يحاسبه، ويسأله الجميع على تقصيره وإساء ته، وسيتحمل نتائج ذلك ومسؤوليته.. وعندئذ، سيجد نفسه في قفص الاتهام، يقف أمام أسئلة كثيرة، لا يملك لها جواباً مقنعاً ومقبولاً.
وإنّه لو أخضع نفسه وعمله للحساب، ووقف وقفة تأمل، وخلا بنفسه، أو بمن يثق به من الأهل والأصدقاء والناصحين له، وقيّم عمله ومواقفه، وسلوكه، لاستطاع أن يكتشف نقاط الضعف، ويشخص مواطن التقصير فيعالجها.
فالرسول (ص) يقدّم النصيحة، في مبادئ التربية، والتنظيم الدقيق، لمسيرة الإنسان، وسلوكيته، ومواقفه، عندما يقول له : (حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزنوها قبل أن تُوزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر).
ويقول النبي (ص): (عوّدوا قلوبكم الترقـب – الإحساس بالرقابة – وأكثروا التفكر والاعتبار).
ويقول الإمام علي (ع): (اجعل من نفسك على نفسك رقيباً، واجعل لآخرتك من دنياك نصيباً).
راقب نفسك وحاسبها بنفسك!.. وإذا عشت في الدنيا، فلا يكن كل ما عندك دنيا!.. بل اجعل لآخرتك نصيباً!.. لأنّك سوف تغادر الدنيا، وتصل الآخرة.. ولا بد أن تعمل، لكي يكون لك في الآخرة نصيب.
ويقول علي (ع): (ينبغي أن يكون الرجل مهيمناً على نفسه – لا أن تسيطر نفسك عليك وتوجّهك، فالله أعطاك عقلاً تعرف من خلاله الخير والشر، فحكّم عقلك واجعله يحركك في خط إيمانك بالله ومعرفتك به، واجعله يحكم على نفسك – مراقباً قلبه – أن تراقب خفقات قلبك في الحب والبغض والنيات الطيبة والخبيثة – حافظاً لسانه).

216 الكربلائي

أخلاق
أول المعرفة – يابني – الصدق!.. وإن للصدق طمأنينة في القلب، يعرفها صاحبها، ونورا في القول والعمل، يراه الناس من حوله.
وفي حياة كل إنسان بعد ذلك، مواقف تشبه مواقف الآخرة، يمتحن فيها، فيظهر معدنه، وينكشف سره.
سل قلبك، واطلب منه أن يصدقك الجواب!.. هل تريد الله واليوم الأخر؟.. فإن قال نعم، فأعد عليه السؤال.. فإن ذلك يعني أنك ترفض الدنيا الحرام, المال الحرام – قل أو كثر -، والمقام الحرام – كبر أم صغر -، واللذة الحرام بأنواعها وإغرائها!.
فإن قال نعم، فاعد السؤال.. فإن ذلك يعني أنك ترفض الدنيا الحلال، التي من شأنها أن تلهي عن ذكر الله واليوم الآخر ؛ فهل أنت كذلك؟..
فإن قال نعم، فاسأله من الناس من يريد الله تعالى ورضاه، ولكن بشرط أو شروط.. ومنهم من يريد رضاه عز وجل، بلا شروط، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :(إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي).. وكما قال جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه): (اللهم!.. إنك تعلم، لو إني أعلم أن رضاك، في أن ألقي بنفسي من شاهق، لفعلت.. اللهم!.. إنك تعلم، لو إني أعلم أن رضاك، في أن أضع سيفي في صدري، واتكئ عليه حتى أموت، لفعلت)..
فإن قال قلبك : أريد رضا الله تعالى بلا شروط، فاقبل منه، ثم امتحنه في العمل.. انظر إلى حالته عندما يقال له عن فعل، هذا حرام، لا يرضى به الله تعالى، هل يمتلئ نفرة وإشفاقا؟.. أو يقال هذا واجب، يأمر به الله تعالى؟.. هل يمتلئ تحفزا واشتياقا؟..
وانظر في أيام حياتك وشهورها وسنواتها، لم سعيك؟.. وماذا تريد من حياتك؟.. هل إن رضا الله تعالى شغلك الأول وهمك الأكبر؟.. أم يتقدم عليه شغل الدنيا وهمها؟..
سل قلبك ماذا أريد من عملي هذا.. وذاك.. وذلك؟ الآخرة أم الدنيا؟..
وسل قلبك كلما قطعت مرحلة من عمرك، ما هو الأمر أو الأمور التي تشغلني فعلا، وفي هذه الأيام، وهذه الشهور؟.. هل ما زال هدفي أن يرضى ربي عني.. أم زال؟..
فإذا رضيت عن إجابة قلبك، ثم نجحت في امتحان المواقف والمنعطفات، التي تمر بها الحياة.. فأنت صادق، ثابت على الصدق، بريء من ظلمات الحيرة والنفاق، وما أعظمها من درجة!..
إن المعرفة يا بني سلوك.. وإنما تتجمع خيوط شعلتها، من أداء هذا الواجب، وترك ذاك الحرام، وفعل المستحب، وترك المكروه.. فاطلبها عن هذا الطريق، فإن من طلبها عن غير طريق الشريعة، تاه في الظلمات!..
والمعرفة – يا بني – نتيجة، فلا تجعلها هدفا!.. فإن من جعلها هدفا، لم يصل إليها أبدا!..
—————–
نشرة جوية للأحوال الإيمانية
سجل مقياس درجة التقوى، لعصرنا الحالي، انخفاضا كبيرا في مستوى الإيمان.. وهذا يرجع إلى شدة البرودة، التي سادت جميع أرجاء ضمائر الناس!..
كما سجلت هبوب رياح محملة بالعلمانية، والانحلال، وتسرب تيارات غربية، على الوطن الإسلامي، في الأوساط الفكرية والعقائدية!.. وعن طريق الصور التي تم التقاطها من القرآن، وروايات أهل البيت (عليهم السلام)، لوحظ تشكل غيوم من الفتن، في الأوساط الفكرية والعقائدية!.. كما لوحظ نشوء زوابع من الأفكار المنحرفة عن الحق، شوهت وجه الإسلام، وأدت إلى تولد براكين من الأحقاد، وزلازل من الشحناء بين المؤمنين!..
أما توقعاتنا لغد إن شاء الله :
فإنه سيعود الصفاء، لعقول الشباب المؤمن، ما إن تمسك بكتاب الله، وأهل البيت (عليهم السلام)!.. وسينقشع الضباب من على الطريق، مما يجعل رؤية فجر الإسلام واضحة!.. وفي الصباح ستسقط بعض الأمطار الخفيفة، على القلوب المؤمنة، لتزيل بعض الأتربة الغربية الملوثة!.. وننصح الشباب المؤمن، بارتداء نظارات غض البصر، عند الخروج في الصباح!.. كما ننصح الأخوات المؤمنات، بارتداء الحجاب الشرعي (بشروطه)، نظرا لشدة الرياح المحملة بالانحلال والضلال!..
وأخيرا، تمنياتنا بقضاء إجازة سعيدة، على كوكب الأرض، خالية من الأتربة، والاستمتاع بالأيام، في ظل الإسلام المحمدي الأصيل، تحت راية مولانا الحجة بن الحسن (عجل الله فرحه الشريف)!.

217 أم زينب

وصايا
إياك والإعجاب بنفسك، والثقة بما يعجبك منها، وحب الإطراء!.. فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه، ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين.
إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التسقط فيها عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت!.. فضع كل أمر في موضعه!.. وأوقع كل عمل موقعه!..

218 نور الحسين

علاج الروح
قال بعض الأبدال :
مررت ببلاد المغرب على طبيب، والمرضى بين يديه، وهو يصف لهم علاجهم.. فتقدمت إليه، وقلت : عالج مرضي يرحمك الله!..
فتأمل في وجهي ساعة، ثم قال : خذ عروق الفقـر، وورق الصبر، مع إهليلج التواضع.. واجمع الكل في إناء اليقين، وصب عليه ماء الخشية، وأوقد تحته نار الحزن، ثم صفه بمصفاة المراقبة في جام الرضا، وامزجه بشراب التوكل، وتناوله بكف الصدق.. واشربه بكأس الاستغفار، وتمضمض بعده بماء الورع، واحتم عن الحرص والطمع.. فإن الله – سبحانه – يشفيــك إن شاء.

219 عشقي خامنائي

رشحات ملكوتية من روح الله العرفانية
من هنا وهناك جُمعت هذه المواعظ العرفانية، المنتقاه لروح الله الخميني – قدس سره الشريف – من كتبه، وخطبه، التي بعضها لم يترجم لحد الآن، تحت مسمى ” رشحات ملكوتية ” من روح الله العرفانية.

التفكر :
أيتها النفس الشقية، التي قضيت سني عمرك الطويلة في الشهوات، ولم يكن نصيبك سوى الحسرة والندامة!.. إبحثي عن الرحمة، واستحي من مالك الملوك، وسيري قليلا في طريق الهدف الأساسي المؤدي إلى حياة الخلد والسعادة السرمدية.. ولا تبيعي تلك السعادة بشهوات أيام قليلة فانية، لا تتحصل إلا مع الصعوبات المضنية الشاقة.

تحصيل العزم :
أيها العزيز!.. اجتهد لتصبح ذا عزم وإرادة، فإنك إذا رحلت عن هذه الدنيا دون أن يتحقق فيك عزم، فأنت إنسان صوري بلا لب.. ولن تحشر في عالم الآخر على هيئة إنسان ؛ لأن ذلك العالم هو محل كشف الباطن، وظهور السريرة.. إن التجرؤ على المعاصي، يفقد الإنسان تدرجيا العزم، ويختطف منه هذا الجوهر الشريف.. إذاً تجنب – يا أخي – المعاصي، واعزم على الهجرة إلى الحق تعالى، واجعل ظاهرك ظاهرا إنسانيا، وادخل في سلك أرباب الشرائع، واطلب من الله في الخلوات : أن يكون معك في الطريق إلى هذا الهدف.. واستشفع برسول الله – صل الله عليه وآله وسلم – وأهل بيته، حتى يفيض ربك عليك التوفيق، ويمسك بيدك في المزالق.

التضرع :
يا أيها العزيز!.. فكر وابحث عن سبيل نجاتك، ووسيلة خلاصك.. واستعن بالله أرحم الرحمين، واطلب من الذات المقدسة في الليالي المظلمة، بتضرع وخضوع : أن يعينك في هذا الجهاد المقدس مع النفس، لكي تنتصر – إن شاء الله – وتجعل مملكة وجودك رحمانية، وتطرد منها جنود الشيطان، وتسلم الدار إلى صحابها، حتى يفيض الله عليك السعادة والبهجة والرحمة.

معرفة الطريق :
أيها العزيز!.. إفتح سمع قلبك، وشد حزام الهمة على وسطك.. وارحم حال مسكنتك، لعلك تستطيع أن تجعل من نفسك إنسانا، وتخرج من هذا العالم بصورة آدمية، لتكون عندها من أهل الفلاح والسعادة.. وحذار من أن تتصور إن كل ما تقدم هو موعظة وخطابة، فهذا كله نتاج أدلة فلسفية، توصل إليه الحكماء والعظام، وكشف لأصحاب الرياضات، وإخبار عن الصادقين والمعصومين.

اللذات الدنيوية :
أيها العزيز!.. استعن بالله – تبارك وتعالى – في كل آن ولحظة، واستغث بحضرة معبودك، واطلب منه بعجز وإلحاح.. أنا أفترض لكم فرضية خيالية، أفترض لكم عمراً هو مائة وخمسون عاماً، مع توافر جميع أسباب الشهوة والغضب والشيطنة.. وأفترض بأنه لن يعترضكم خلاله أي شيء مرغوب فيه، ولن يحدث أي شيء يخالف هدفكم، ومع هذه الفرصة فأن هذه المدة ستنقضي وتمر مر الرياح.. فماذا ستكون عاقبتكم بعدها؟.. ماذا ادخرتم من تلك اللذات لأجل حياتكم الباقية؟.. لأجل يوم عجزكم ووحدتكم؟.. لأجل برزخكم وقيامتكم؟.. لأجل لقائكم بملائكة الله وأوليائه وأنبيائه؟.. هل ادخرتم سوى الأعمال القبيحة المنكرة، التي ستقدم صورها لكم في البرزخ والقيامة، وهي صور لا يعلم حقيقتها إلا الله تبارك وتعالى؟!..

العذاب الإلهي :
أيها العزيز!.. لقد ثبت في الحكمة المتعالية : أن درجات الشدة غير محدودة، فمهما تتصور أنت، ومهما تتصور العقول بأسرها، شدة العذاب، فوجود أشد أمر ممكن أيضا.. وإذا لم تر برهان الحكماء، ولم تصدق كشف أهل الرياضيات ؛ فأنت – بحمد الله – مؤمن، تصدق الأنبياء – صلوات الله عليهم – وتقر بصحة الأخبار الواردة في الكتب المعتبرة، التي يقبلها جميع علماء الإمامية، وتقر بصحة الأدعية والمناجاة الواردة عن الأئمة المعصومين – سلام الله عليهم – أنت الذي رأيت مناجاة مولى المتقين ؛ أميرالمؤمنين – سلام الله عليه – ورأيت مناجاة سيد الساجدين – عليه السلام – في دعاء أبي حمزة الثمالي.. فتأمل قليلا في مضمونها، وفكر شيئا ما في محتواها، وتمعن في فقراتها.. فليس ضروريا أن تقرأ دعاء طويلا دفعة واحدة وبسرعة، دون تفكر في وأنت ليس لدينا حال سيد الساجدين – عليه السلام – كي نقرأ تلك الأدعية المفضلة بشوق وإقبال.. إقرأ في الليلة ربع ذلك أو ثلثه، وفكر في فقراته، لعلك تصبح صاحب شوق، وإقبال، وتوجه.. وفوق ذلك كله فكر قليلا في القرآن، وانظر أي عذاب وعد به، بحيث أن أهل جهنم يطلبون من ملك الموكل بجهنم، أن ينتزع منهم أروحهم، ولكن هيهات فلا مجال للموت!..

التوجه إلى معاني الآيات الإلهية :
فكر يا عزيزي!.. القرآن ليس كتاب قصة، وليس بممازح أحد، أنظر ما يقول!.. أي عذاب هذا الذي يصفه الله – تبارك وتعالى – وهو العظيم الذي لا حد لعظمته، ولا انتهاء لعزته وسلطانه، يصفه بأنه شديد وعظيم.. فماذا وكيف سيكون؟!.. الله يعلم، لأن عقلي وعقول جميع البشر قاصرة عن تصوره.

الغفلة :
ويل لنا من غفلتنا!.. وويل لنا من شدة سكرات الموت!.. وويل لحالنا في البرزخ وشدائده!.. وفي القيامة وظلماتها!.. وياويل حالنا في جهنم وعذابها وعقابها!..

أثبات جهنم :
أيها العزيز!.. إن وجود جهنم والعذاب الأليم، من ضروريات جميع الأديان، ومن البراهين الواضحة.. وقد رأى نماذج لها في هذا العالم، أصحاب المكاشفة، وأرباب القلوب.. ففكر، وتدبر بدقة، فإذا احتملت الصحة إلا ينبغي لك إن كان تهيم في الصحاري، كمن أصابه المس؟.. ماذا حدث لنا لكي نبقى إلى هذا الحد في نوم الغفلة والجهالة؟.. علي بن الحسين وهو إمام معصوم، يقطع القلوب بنحيبه وتضرعه ومناجاته وعجزه وبكائه، فماذا دهانا حتى صرنا لا نستحي أبدا، فنهتك في محضر الربوبية كل هذه المحرمات، والنواميس الإلهية؟..

تهذيب النفس :
أيها العزيز!.. انهض من نومك، وتنبه من غفلتك، واشدد حيازيم الهمة، واغتنم الفرصة، مادام هناك مجال، مادام في العمر بقية، وما دامت قواك تحت تصرفك، وشبابك موجودا، ولم تتغلب عليك بعد الأخلاق الفاسدة، ولم تتأصل فيك الملكات الرذيلة.. فابحث عن العلاج، واعثر على الدواء، لإزالة تلك الأخلاق الفاسدة والقبيحة.. وتلمس سبيلا لإطفاء نائرة الشهوة والغضب.

التوجه إلى الله :
أيها العزيز!.. لا تعرض نفسك للغضب الإلهي، من أجل خيال باطل، ومحبوبية بسيطة في أعين العباد الضعاف.. ولا تبع ذلك الحب الإلهي والكرامات غير المحدودة، وتلك الألطاف والرحمات الربانية، لاتبعها بمحبة بسيطة عند مخلوق ليس له أثر.. ولا تكسب منه أية ثمرة، سوى الندامة والحسرة.. وذلك عندما تقصر يداك عن هذا العالم، وهو عالم الكسب، وينقطع عملك، ولا يكون للندم حينئذ نتيجة، ولا للإنابة من فائدة.. أيها المسكين العابد للنفس!.. والذي تركت الشيطان والجهل، يتصرفان في قلبك، ومنعت يد الحق أن تتصرف فيه أي إيمان لديك، حتى تكون محلاّ لتجلي الحق، والسلطة المطلقة؟.. اعلم إذا أنك مادامت على هذه الحال، مادامت رذيلة الغرور موجودة فيك، فأنت كافر بالله، ومحسوب من زمرة المنافقين، رغم زعمك بأنك مسلم ومؤمن بالله.

الإخلاص :
أيها العزيز!.. أطلب السمعة والذكر الحسن من الله، ألتمس قلوب من مالك القلوب، اعمل أنت لله وحده، فستجد إن الله – تعالى – فضلا عن الكرامات الأخروية، سيتفضل عليك في هذا العالم نفسه بكرامات عديدة، فيجعلك محبوبا، ويعظم مكانتك في القلوب، ويجعلك مرفوع الرأس، وجيها في كلتا الدارين.. ولكن إذا استطعت، فخلص قلبك بصورة كاملة بالمجاهدة والمشقة، من هذا الحب أيضا، وطهر باطنك كي يكون العمل خالصا من هذه الجهة، فيتوجه القلب إلى الله فقط، وتنصع الروح، وتزول أردان النفس.
فأية فائدة تجنبي من حب الناس الضعاف لك أو بعضهم، وما للشهرة والصيت عند العباد، وهم لا يملكون شيئا من دون الله تعالى؟.. وحتى لو كانت هناك فائدة من هذا الحب على سبيل الفرض، فإن هي فائدة تافهة، ولأيام معدودة.. هذا الحب قد يجعل عاقبة عمل الإنسان إلى الرياء، ويجعل الإنسان – لا سمح الله – مشركا منافقا وكافرا.
وإذا لم يفتضح الإنسان في هذا العالم، فسيفتضح في العدل الرباني، عند عباد الله الصالحين وأنبيائه العظام، وملائكته المقربين، ويهان ويصبح مسكينا.. إنها فضيحة ذلك اليوم، وما أدراك ما تلك الفضيحة!.. الله يعلم أية ظلمات تلي تلك المهانة في ذلك المحضر!.. في ذلك اليوم كما يقول الله – تعالى – في كتابه يتمنى الكافر قائلا : (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً) ولكن لا جدوى لهذا التمني أيها المسكين.. إنك ولأجل محبة بسيطة جزئية، ومنزلة عديمة الفائدة بين العباد، أغفلت تلك الكرامات، وفقدت رضا الله، وعرضت نفسك لغضبه تعالى.

مراقبة النفس :
أيها العزيز!.. استيقظ وابعد عنك الغفلة والسكرة، وزن أعمالك بميزان العقل، قبل أن توزن في ذلك العالم، وحاسب نفسك قبل أن تحاسب.
واجلِ مرآة القلب من الشرك والنفاق والتلون، ولا تدع صدأ الشرك والكفر يحيط به بمستوى لا يمكن جلاؤه حتى بنيران ذلك العالم.. لا تدع نور الفطرة يتبدل بظلمة الكفر، لا تدع هذه الآية (فطرة الله التي فطر الناس عليها) تضيع.. لا تخن هذه الأمانة الإلهية، نظف مرآة قلبك لكي يتجلى فيها نور جمال الحق، فيغنيك عن العالم وكل ما فيه، وتتوهج نار العشق الإلهي في قلبك، فتحرق الأنواع الأخرى من الحب.. فلا تستبدل حينذاك لحظة واحدة من الحب الإلهي، بجميع هذا العالم، وتعتبر جميع اللذات الحيوانية لعبا ولهوا، أمام لذة مناجاة الله وذكره.
وإذا لم تكن من أهل هذه العوالم، ورأيت هذه المعاني غريبة عجيبة لديك، فإياك أن تضيع تلك النعم الإلهية في العالم الآخر، والتي ذكرت في القرآن المجيد، وأخبر بها المعصومون – عليهم السلام – وتخسرها من أجل جذب قلوب المخلوقين.
لا تضيع كل هذا الثواب، من أجل شهرة وهمية في أيام معدودات.. لا تحرم نفسك من كل هذه الكرامات، لا تبع السعادة الأبدية بالشقاء الدائم.

الدقة في الأعمال :
أيها العزيز!.. استيقظ وافتح أذنيك، وحرّم نوم الغفلة على عينيك، واعلم أن الله خلقك لنفسه كما يقول في الحديث القدسي : ” يا بن آدم!.. خلقت الأشياء لأجلك، وخلقتك لأجلي “.. واتخذ من قلبك منزلاً له، فأنت وقلبك من النواميس والحرمات الإلهية، والله – تعالى – غيور فلا تهتك حرمته وناموسه إلى هذا الحد، ولا تدع الأيادي تمتد إلى حرمه وناموسه.. احذر غيرة الله، وإلاّ فضحك في هذا العالم بصورة لا تستطيع إصلاحا مهما حاولت.. أتُقَدم لغير الحق ما كان يشتبه به الأولياء بالحق تعالى من الأخلاق الفاضلة، وتمنح قلبك لخصم الحق؟.. وتشرك في باطن ملكوتك؟.. كن حذر من الحق تعالى ؛ فإنه مضافاً إلى هتكه لناموس مملكتك في الآخرة، وفضحه لك أمام الأنبياء العظام والملائكة المقربين، سيفضحك في هذا العالم، ويبتليك بفضيحة لا يمكن تلافيها، وبتمزيق عصمة لا يمكن ترقعيها.
إن الحق تعالى ” ستار ” ولكنه غيور أيضا.. إنه ” أرحم الراحمين ” ولكنه ” أشد المعاقبين ” أيضاً.. يستر ما لم يتجاوز الحد، فقد تؤدي هذه الفضيحة الكبرى – لا سمح الله – إلى تغليب الغيرة على الستر، كما سمعت في الحديث الشريف.
فارجع نفسك قليلاً، وعد إلى الله فإنه رحيم، وهو يبحث عن ذريعة لإفاضة الرحمة عليك. وإذا أنبت إليه، ويجعلك صاحب فضيلة، ويظهر فيك الأخلاق الكريمة، ويجعلك مرآه لصفاته تعالى، ويجعل إرادتك فعالة في ذلك العالم، كما أن إرادته نافذة في جميع العوالم.. وقد ورد في حديث منقول : أن أهل الجنة عندما يستقرون في الجنة، تبلغهم رسالة من الحق تعالى خلاصتها : ” من الحي القيوم الذي لا يموت، إلى الحي القيوم الذي لا يموت.. إني أقول للشيء : كن!.. فيكون، وقد جعلتك اليوم تقول للشيء : كن!.. فيكون “.
لا تكن محباً لنفسك، سلّم إرادتك للحق تعالى، فإن الذات المقدسة تتفضل عليك، يجعلك مظهراً لإرادتها، ومتصرفاً في الشؤون المختلفة، وتخضع لقدرتك مملكة الإيجاد في الآخرة، وهذا غير التفويض الباطل، كم هو معلوم في محله.
فيا أيها العزيز!.. أنت أعرف بنفسك، فاختر إمّا هذا أو ذاك، فالله غني عنا، وعن كل المخلوقات.. إنه غني عن إخلاصنا، وإخلاص كل الموجودات.

توبيخ النفس :
ويل لأهل الطاعة والعبادة والعلم والديانة، الذين عندما يفتحون أبصارهم، ويقيم سلطان الآخرة قدرته، يرون أنفسهم من أهل كبائر المعاصي، لا بل أهل الكفر والشرك، بحيث أن صحيفة أعمالهم تكون أشد سواداً من صحائف الكفار والمشركين.
وويل لمن يدخل بصلاته وطاعته جهنم!.. الويل لمن تكون صورة صدقته وزكاته وصلاته، أبشع مما يكون تصوره!.. أيها المسكين المرائي!.. أنت مشرك.. وأما العاصي، فقد يكون موحداً.. إن الله يرحم بفضله العاصي، فقد يكون موحدا.. إن الله يرحم بفضله العاصي إن شاء، لكنه يقول : إنه لن يرحم المشرك، إذا رحل من الدنيا دون توبة.

الإنتباه من حيل إبليس :
من مصائد إبليس الكبيرة، أنه في البداية يجر العبد إلى الغرور، ويجعله بهذه الوسيلة مطلق العنان، ويجره من المعاصي الصغيرة إلى الكبيرة، ومنها إلى الكبائر والموبقات.. فإذا لعب به مدة على هذا المنوال، جره بوهم رجاء الرحمة إلى وادي الغرور.. وفي آخر الأمر إذا رأى فيه نورانية، وظن فيه التوبة والرجوع، يجره إلى اليأس والقنوط من الرحمة ويقول له : قد قضي أمرك، ولم يعد قابلا للإصلاح.. وهذه مصيدة كبيرة، إذ يصرف العبد عن باب الله، ويقطع يده عن ذيل الرحمة الإلهية.

لا محدودية الأهواء النفسية :
قد يقدم شخص في حال الغضب، أو حب الرئاسة، على إبادة مئات الآلاف من العوائل، ويزعزع بنيان المجتمع من أساسه.. وليس لنار غضب أيّ من الحيوانات هذا اللهيب، ولا لتنور شهوته حد محدود، ولا شئ يخمد حرصه وطمعه.. هذا الإنسان بمغالطته، وشيطنته، ومكره، وخدعه، يرتكب أبشع الجرائم ؛ فيهلك الحرث والنسل.. ولو جعلت السماوات والأرض لقمة لهذا الحيوان، لما خمدت نار حرصه وطمعه.. ولو سخرت له ممالك العالم، لما نقص من أهوائه النفسية شيء.. إن الإنسان غير الحيوان، فالأخير إذا وصل إلى لقمته خمدت نار شهوته.

العجب :
أيها الممكن المسكين الجاهل بنفسك وبعلاقتك بالله!.. أيها الممكن السيء الحظ الغافل عن واجباتك إزاء مالك الملوك!.. إن هذا الجهل هو سبب جميع ما يلحقك من سوء التوفيق، وهو الذي ابتلانا بجميع الظلمات والمكدرات.. إن فساد الأعمال يكون من الأساس التي نشأت منه أن الماء قد يتلوث من المنبع، إن عيون معارفنا عمياء، وقلوبنا ميتة.. وهذا سبب جميع المصائب، وبالرغم من كل ذلك لسنا حتى بصدد إصلاح أنفسنا!..
الويل لمن يعامله الباري تعالى بعدله، فإن التعامل بالعدل لا ينجي أحداً من الأولين والآخرين.. أي كمال يملكه ” الممكن ” بنفسه لكي يتظاهر بالكمال؟.. وأية قدرة يمتلكها لكي يتاجر بها؟.. نحن المساكين الذين قد ران حجاب الجهل والغفلة والعجب والمعاصي على قلوبنا وقوالبنا، وغشيت أبصارنا واسماعنا وعقولنا وكافة قوانا المدركة، أخذنا نستعرض عضلاتنا في مقابل قدرة الله القاهرة، ونعتقد أن لنا استغلال وشيئية بذواتنا!..

الغرور :
بنيّتي!.. العجب والغرور نتيجتان لغاية الجهل بحقارة النفس، وعظمة الخالق.. إذا فكّر الإنسان قليلا في عظمة الخلقة، بالمقدار اليسير الذي وصل البشر، رغم كل هذا التقدم العلمي، يدرك حقارة وضآلة نفسه، وكل المنظومات الشمسية والمجرات، ويفهم قليلا من عظمة خالقها، ويخجل من عجبه وأنانيته وغروره، ويشعر بالجهل.

الكبر :
يا أيها العزيز!.. ما يحتوي عليه رأسك من دماغ، تحتويه رؤوس الآخرين أيضاً.. إذا كنت متواضعاً احترمك الناس قهراً، واعتبروك كبيراً.. وإذا تكبرت على الناس، لم تنل منهم شيئاً من الاحترام.. بل إذا استطاعوا أن يذلوك لأذلوك، ولم يكترثوا بك.. وإن لم يستطيعوا إذلالك، لكنت وضيعاً في قلوبهم، وذليلاً في عينهم، ولا مقام لك عندهم.. افتح قلوب الناس بالتواضع.. لا أعرف إذا أذلّ الله شخصاً ماذا يصنع به؟.. وبماذا يبتليه؟.. فأمور الآخرة تختلف عن أمور الدنيا كثيراً.. إن الذل في الدنيا يغاير الذل في الآخرة.. كما أن نعم الآخرة وعذابها، لا تتناسب مع هذا العالم أن نعمها تفوق تصورنا، والذل فيها يختلف عن الذل والهوان الذي نعرفه، وتكون عاقبة المتكبر النار.

العصبية :
أعلم أيها العزيز!.. أن هذا الخصلة الخبيثة من الشيطان، وأنها من مغالطات ذلك الملعون ومعاييره الباطلة.. إنه يغالط عن الطريق هذا الحجاب السميك، الذي يخفي كل الحقائق عن النظر، بل يظهر كل رذائل النفس محاسن، وجميع الآخرين رذائل.. ومعروف مصير الإنسان الذي يرى الأشياء على غير حقيقتها وواقعيتها.. فما عليه إلا أن يتصدى لعلاج نفسه من هذه السجية، وأن يطهر قلبه ولو من حبة خردل منها، حتى يكون طاهرا عند عند الانتقال من هذه الدنيا إلى العالم الآخر، فينتقل بنفس صافية.. إن على الإنسان أن يدرك أن الفرصة محدودة، والوقت قصير جدا ؛ لأنه لا يعلم متى يحين موعد رحيله.

ترك النفاق :
إعلم أيها العزيز!.. إن مراتب النفاق وحالة ذي اللسانين والوجهين، النفاق مع الله، والتوجه إلى مالك الملوك، وولي النعم بوجهين، وقد من المبتلين به في هذا العالم، ونحن غافلون عنه.. لأن أستار الجهل الكثيفة، وحجب الأنانية المظلمة، وحب الدنيا، وحب النفس مسدولة عليه، ومخفية عنا.. ومن الصعب جدا أن ننتبه له، قبل انكشاف السرائر، ورفع الحجب والظعن عن دنيا الطبيعة، وشد الرحال عن دار الغرور، والجهل والغفلة.. إننا الآن غارقون في نوم الغفلة، محكمون لسكر الطبيعة والميول والرغبات التي تزين لنا كل قبائح الأخلاق وفساد الأعمال.. وإذا ما استيقظنا وصحونا من هذه السكرة العميقة، يكون قد فات الأوان، إذ نجد أنفسنا قد صرنا في زمرة المنافقين، وحشرنا بلسانين من نار من بوجهين مشوهين بشعين!.. فقد قضينا كل عمرنا بالتلون، نظهر التمسك بكلمة التوحيد، وندعي الإسلام والإيمان.. بل المحبة والمحبوبية، وغير ذلك من الإدعاء ات على قدر ما نشتهي ونحب.

220 الصولان

هاوية الطبيعة والانشغال بالشهد رغم آلاف
كان شخص يجتاز الصحراء، فهوى في بئر هناك.. وكانت تتوسط البئر قطعة خشبية، فتمسك بها تفاديا للسقوط إلى قعر البئر.. وكان هناك في القعر ثعبان كبير، وقد فغر فاه ينتظر سقوطه ليبتلعه.. أما القطعة الخشبية، فكان في أحد طرفيها فأر أبيض، وفي طرفها الآخر أسود، وهما يقضمانها من الجهتين، والقطعة ترق وتضعف.. فغمره رعب قاتل، وإذ وقع نظره في ركن من أركان البئر على مقدار من العسل، وقد اختلط بالتراب والزنابير تحوم فوقه.
نسي صاحبنا الثعبان والفأرين، وراح يلعق العسل سعيدا، متحملا لسع الزنابير، مسرورا لحسن سعده : أن وفق إلى العسل ؛ غافلا عن الخطر المحدق به من كل جانب.
نستخلص من هذا المثال :
أن البئر تمثل الطبيعة، والدنيا بالهاوية، وتمثل الموت بالثعبان، وتمثل عمر الإنسان بقطعة الخشب، والليل والنهار بالفأرين الأبيض والأسود اللذين يقضمان العمر شيئا فشيئا، حتى ينتهي إلى الموت.. أما العسل فهو شهوات الدنيا وملذاتها، التي يصحب كل لعقة منه ألف لسعة وغصة.
إن الشهد الصافي، والسرور المحض لا وجود لهما في هذه الحياة الدنيا : لا في مأكل، ولا في ملبس، ولا في إشباع الرغبات الجنسية.
إن السعادة المطلقة، هي في العالم الآخر.. حيث الشهد دون لسعات الإبر، شرط أن يترك الإنسان هذه الدنيا، ومعه نور التقوى والولاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى