تاملات جميلة

تاملات جميلة – 9

81 طيف المحبة

المرآة الداخلية
كل انسان يرى كل ما حوله، بمنظور مرآته الداخلية، فداخل الانسان ينضح الى خارجه : فالذي يرى كل شيء من جانبه السيئ فقط، فهذا يعكس داخل سيئ.. والذي يرى كل شيء من جانبه الطيب المشرق، فهو يعكس داخل جميل ونظيف, ويعكس حسن نية تدل على نيته هو تجاه الاشياء.
احياناً تجد شيء جميل جدا، وفعل راق ويدعو الى الخير, وتجد تعليق أحدهم عليه على الشيء الناقص فيه, وكأنه هو قد قام بإكمال كل شيء في حياته، ولا ينقصه شيء!..
والحقيقة انك تجد هذه النوعية من الناس مليئة بالنواقص والمتناقضات, ويهتم فقط بشكله الخارجي امام الناس، فهو يعكس شخصية مريضة ومهزوزة.
وتجد مثل هؤلاء لم ولن يقدموا اي شيء للبشرية، او حتى لمن حولهم, فهو فقط ينقض هذا وذاك، ولا يفعل اي شيء يستحق المدح, لذلك يريد كل الناس مثله, لشعوره انه خاو داخلياً.. صحيح هو يحاول الظهور بالمظهر الكامل من وجهة نظره، ولكنه مظهر ينطوي على داخل فارغ، ولا يصل الى شيء نافع له او للمجتمع حوله.
هذه النوعيه من البشر تنتشر على كافة المستويات, واذا بحثنا عن ماضيها تجد ان السبب غالبا : نقص حاد في العواطف والحب في الطفولة, او نقص في التعليم او الثقافة.
في الحقيقة المجتمع يعاني من هذه النوعية التي تثبط الهمم وتفرق الامم، ولا فائدة منها على الاطلاق الا المزيد من الفشل، وانعاكس ذلك على من حولها.
وتجده فقط يظهر عندما يشعر بنجاح احد ما، فيُظهر انه يساند هذا الشخص، ويحاول الحصول على ثمرة نجاح غيره زورا وبهتانا.
نسأل الله العفو والعافية والتوفيق وان نكون من الذين يعكس خارجهم داخل نظيف وممن ينفعون البشرية.

82 طيف المحبة

من هم أمراء القلوب..؟
من هم أمراء القلوب؟
ليس الأمراء الذين فتحوا أعينهم فوجدوا ملاعق الذهب في افواههم، ولا الذين يتوارثون الامارة اب عن جدّ، ولا الذين نصّبتهم ظروف معينة فصاروا امراء على الناس.. ان الأمراء هم أمراء القلوب : ايْ الذين أحبهم الناس, وملكوا قلوب الناس..
نعم، فأنت أيّها الفقير الأعزل المستضعف، الذي لا تملك الثروة والجاه, والسلطان, يمكن ان تكون أميرا، فهذا امير المؤمنين (ع) يخبرنا قائلا : (طلبت الرئاسة، فوجدتها في النصيحة لعباد الله)..
والنصيحة هي : الاخلاص في الخدمة لعباد الله, فإذا أردتَ عزا بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، فاخرج من ذلّ معصية الله الى عزّ طاعته.
هنالك تجد امارة غير قابلة للخلع والإقالة والتنحية, اللهم إلاّ إذا قرّرتَ بنفسك الاستغناء عنها بالعزوف عن خدمة الناس، وإلا فليس هناك قوة على وجه الأرض قادرة على أن تطيح بإمارتك.

83 مولاتي فاطمة

خدام المهدي.. المجد مع البلاء
من بين ملايين المسلمين في ذلك الحين ؛ لم يندفع لنصرة سيد شباب أهل الجنة (عليه الصلاة والسلام) إلا ما يقارب الألف منهم في بداية رحلته إلى كربلاء. وفي طريق تلك الرحلة ؛ لم يصمد من هؤلاء حتى ليلة العاشر سوى ثلاثة وسبعين رجلا هم أنصار الحسين المستشهدين معه، عليهم جميعا سلام الله ورضوانه.

وسواء الذين تخلفوا عن نصرة أبي عبد الله عليه السلام، أو الذين هربوا وانشقوا عن جيشه تباعا ؛ فإن العار قد لحق بهم أينما حلوا وحيثما ذُكِروا، وقد باء وا بالخسران المبين في الدارين، فلا مكانة لهم في الدنيا، ولا جاها لهم في الآخرة!

في حين حظي أولئك القلة الذين آثروا نصرة سيد الشهداء (عليه الصلاة والسلام) وبذلوا مهجهم دونه ؛ بالمجد والخلود في الدنيا، والمقام الرفيع عند الله سبحانه في جنة عدن. ذلك المجد وذلك الخلود الذي يجعل أهل الدنيا جيلا بعد جيل يتذاكرون أسماء هم وينظرون إليهم نظرة تعظيم لا نظير لها. وذلك المقام الرفيع الذي جعلهم سادة الخلق بعد الأئمة والأنبياء والأوصياء، فأضحوا بذلك ينزلون إلى جوار الحسين وأهل بيته (عليهم السلام) في أعلى عليين. وكفى مجدا وعظمة لهم أن صادق أهل البيت (عليه الصلاة والسلام) خاطبهم بقوله : ” بأبي أنتم وأمي.. طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم، وفزتم والله فوزا عظيما “!

وقد اختار هؤلاء الأبرار طريق المجد والخلود مع إدراكهم بما سيستتبعه ذلك من بلاء وشقاء ومصائب ومكاره. كانوا يعلمون سلفا أن المعركة مع الخصم الشيطاني السفياني غير متكافئة القوة، وأنهم لا محالة مقتولون وسيقطعون إربا إربا! إلا أنهم تيقنوا بأن النصر المعنوي سيكون حليفهم مستقبلا، حينما تبقى عقيدة آل محمد (عليهم السلام) وتُحفظ من الانطماس والاندراس، وعندما يظل الصوت المحمدي العلوي مدويا مسموعا يبعث كل جيل على الثورة والنهضة والإصلاح. وإلى جانب ذلك ؛ فإن أنفس هؤلاء الفرسان الشجعان استيقنت أن الجنة مأواهم وأن رضوان الله الأكبر ينتظرهم. وأي شيء أعظم من ذلك؟!

أما أولئك التعساء الحقراء من أهل الخذلان والنذالة ؛ فما كانوا على استعداد للتضحية والبذل وتحمل المكاره في سبيل الحق والعدل، فتخلوا عن إمامهم وتركوه غريبا، وانزووا عن نصرته والاستشهاد في سبيله، وانكفئوا في ديارهم يأكلون ويشربون وينامون كالبهائم لا هدفا لهم ولا معنى لحياتهم! ثم ما لبثت الدنيا أن أدارت ظهرها لهم فجعلتهم في أحط قدر وأسوأ حال إذ يوصمون بالجبن والوضاعة! وهم اليوم في قبورهم يتجرعون ألوان العذاب، لينتظرهم عذاب أكبر يوم الحساب!

ويظل التاريخ يجدد نفسه في كل موقف يتصارع فيه الحق والباطل، والخير والشر. فتجد ثلة قليلة من المؤمنين الشجعان يهبون لتلبية نداء الله ويذرون ما سواه ويسترخصون كل ما يملكون من أجله، وتجد عامة البشر يصمون آذانهم ويعمون أبصارهم ويعقدون ألسنتهم لئلا يصيبهم البلاء والمكروه في سبيل مقارعة الباطل والظلم والطغيان وإعادة الحق إلى نصابه!

وينجلي ستار زماننا هذا عن واقع مماثل جديد، حيث يهب الخدام الذين نذروا أنفسهم في سبيل إمامهم المهدي المفدى (صلوات الله وسلامه عليه) للسعي في تحقيق الوعد الإلهي بالظهور، حاملين رسالتهم الإصلاحية العظمى لإعادة البشر إلى عقيدة آل محمد عليهم الصلاة والسلام، وهم يدركون ما سيستوقفهم في طريقهم من مصاعب ومطبات، وما سيوضع أمام تقدمهم من حواجز وسدود، وما سيُفتح قبالهم من جبهات وقتال، لأنهم أصحاب رسالة تغييرية مهدوية تصطدم مع الذين يريدون لهذا العالم أن يبقى هكذا على حاله ؛ بين شركٍ ونصبٍ ونفاق وفساد وجهل وتخلف!

إلا أن هذا هو طريق المجد والخلود والمقام الرفيع والجاه العظيم، وهذه هي تبعاته واستحقاقاته التي يجب تحملها والصبر عليها، حتى وإن كان في ذلك استنزافا للدماء، وفناء للأرواح، فإن الله جل قدسه – كما قال مولانا جعفر بن محمد صلوات الله عليهما – إذا أحب قوما أو أحب عبدا صبّ عليه البلاء صبا، فلا يخرج من غمٍ إلا وقع في غم!

إن أمام خدام المهدي (عليه الصلاة والسلام) دربا محفوفة بالمخاطر والمصاعب، وتلك ضريبة الإصرار على نصرة الحق، والإصرار على نصرة أهل البيت الأطهار عليهم الصلاة والسلام، فإن مولانا حيدر (عليه السلام) أكد ذلك قائلا : ” من أحبنا أهل البيت فليستعد للبلاء “!

وإنْ لم يكن الخدام كذلك، فإنهم لا يستحقون هذا اللقب العظيم، وخيرٌ لهم أن يتركوه لمن هم أجدر بحمله منهم، فإن أناسا من الشيعة جاء وا إلى سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي (عليهما الصلاة والسلام) وشكوا إليه ما يتعرضون له من البلاء والمحن، فأقسم قسما عظيما بالله وأجابهم قائلا : ” والله! البلاء والفقر والقتل أسرع إلى من أحبنا من ركض البراذين، ومن السيل إلى صمره.. ولولا أن تكونوا كذلك لرأينا أنكم لستم منا “!!

فحاشى أن لا تكون هذه الكوكبة الطاهرة من المؤمنين من الخدام حقا، وحاشى لهم أن يتراجعوا يوما أو يخلدوا إلى الراحة ما دام مهدينا المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) غائبا عن الأنظار ينتظر أنصارا ينصرونه كما نُصِر جده أبو عبد الله الحسين عليه السلام.

إنه العهد على البقاء ومواصلة الدرب الوعرة.. درب المجد مع البلاء! درب العظمة مع التضحية! درب العلو مع الألم!

تلك هي دربنا وذلك هو هدفنا إلى حين نحقق ما نريد أو أن يرزقنا الله الشهادة دونه ليكون ذلك وقودا لثورات ونهضات تأتي في ما بعد من الأيام.. حين يتذاكر الناس هذه التضحيات والجهود فتكون – ربما – نموذجا لهم إن شاء الله تعالى.

أما هذه الراية العظيمة ؛ راية خدام المهدي أرواحنا لتراب مقدمه الفداء ؛ فستظل تخفق بحول الله تعالى دائما وأبدا، إلى أن يتسلمها مولانا صاحب العصر (عليه الصلاة والسلام) ويتقبل التضحيات التي بُذِلت من أجل المحافظة عليها. فيا مولانا يا أبا صالح.. من أجلك فقط نتحمل ما نتحمل، ونشكر الله على هذا البلاء!

84 طيف المحبة

السكون
في السكون حياة أبدية فياضة لا تفتأ تعمل بالسلب والإيجاب، كأن هذا الكون العظيم يتحول في كل لحظة ليخلق، فهو في كل لحظة صورة جديدة، وما كان فيه سلبا فهو الذي يجذب في مذاهبه وتصاريفه، وهو مبعث القوة المبدعة، وهو الذي يحقق أشكال الحكمة في جلالها.

85 سراجي

الخبائث الباطنيّة
يقسّم السيد عبد الحسين دستغيب – رحمة الله عليه – في كتابه (صلاة الخاشعين) اصول الخبائث الباطنية الى خمسة أمور، ويرينا كيفية تطهير انفسنا من هذه الخبائث :
1 – الكبر والتفاخر والهوى :
المطهر :
– التواضع لعباد الله، والتضرع والتذلل بين يدي الله تعالى، ومقت النفس، لاكتساب رضا الله تعالى : (جعلت رضاي في سخط النفس).

2 – الحقد والحسد والعداوة :
المطهر :
– تقوية الايمان واليقين بالله تعالى وبان يعتقد اعتقادا جازما بأنه لا ضار ولا نافع سوى الله تعالى، وبأنه لا إرادة فوق إرادة الله.

3 – الظلم :
المطهر :
– الخوف من العذاب الالهي الذي وعد به الظالمين، وذكره في القرآن الكريم.

4 – اتباع الشهوات : كما قال ارسول الأكرم (ص): (ما ملأ ابن آدم وعاء شرّاً من بطنه).
المطهر :
– الجوع، والتفكر في فناء الّلذات الدنيوية، وأول مراتبه : ان لا يأكل شيئا حتى يجوع، ويقوم عن الطعام وهو يشتهيه.
– السعي في إصلاح النية في الأكل والشرب، بأن لا يأكل لغرض اللذات الماديّة بل بنية :
تقوية البدن للعبادات، خدمة الأهل، السعي في حاجات المؤمنين، الاتيان بالواجبات الإلهية.

5 – حب الدنيا :
المطهر :
– ذكر الموت والقيامة ولقاء الله سبحانه وتعالى.
– التقليل من الطموحات والأماني.
– التفكّر في زوال الدنيا وتقلّبها.

86 طيف المحبة

كون الحب والجمال..
الكون بما فيه من أثر الخالق هو إتساق واحد منسجم لا شذوذ فيه ولا تنافر ولا قبح ولا بغض، ولكننا نحن بما فينا من قوة الخلق، نتمرد على الإنسجام والإتساف، إذ لا نملك من ضعفنا إلا خلق هذا التمرد، وتتطلع شهواتنا ورغباتنا الى شيء ما فيكون جميلآ وحبيبآ، وتنصرف عن شيء ما فيكون قبيحآ وبغيضآ.
ومن هذا فليس في الكون إلا الحب والجمال والخير إذ سقطت الشهوات، إذ كل شيء حينئذ يكون مقصورآ على حقيقته التي لم نفسدها بتغييرها، ولأن قبح شيء من الأشياء إنما هو صورة أنحرافنا عن إدراك لا حقيقة وجهلنا بناحية إندماجه في قانون الإتساق الإلهي..

87 أبو حوراء

تابع لتأملات مهدوية (العمل الاسلامي)
العمل الاسلامي للمؤمن أو المؤمنة مثل لوحة الفنان البيضاء
يمزج بها الألوان ينسق تدرجاتها ويفصل في زواياها يعطيها البعد الجميل من كل جهة ويتفنن بأدق تفاصيل اللوحة لأن جودتها وسحر جمالها يعتمد على إتقان أجزاء فكرته التي يود إيصالها لمحبيه وعاشقي هذا الفنان…

فتجد جمهرة الناس بمعارض الفن على اللوحة الأكثر تنسيقا لونياً والأبهى منظرا بفكرتها العامة والمهتم صاحبها بخفايا تفاصيلها والتي لا يلحظها إلا قلة قليلة من النقاد فتدار لها الأعناق وتدهش الناظر لها كما لو كانت ستقدم لملك أو سلطان…

بعكس ذلك الفنان الذي لم يحسن مزج الألوان ولم يختر فكرة جيدة ولم يهتم بالتفاصيل فستجد القلة يحوم حول لوحته ويمر عليها مرور الكرام ولا تبقى في ذاكرته منها شيئا…

فأعمال المؤمنين والمؤمنات الإسلامية في عرضها على الإمام صلوات ربي وسلامه عليه مثل هذه اللوحات الفنية والتي تتفاوت في جمالها واتقانها فمن ذا السعيد ومن ذا المخلص ومن ذا الصابر الذي يحظى عمله بعناية وأهتمام ورعاية بقية الله في أرضه؟

الصبر والإخلاص والإتقان بالعمل الإسلامي هو من مقومات نجاح العمل

88 طيف المحبة

تأمل ..
عندما أنظر الى أزدهاء الشفق بألوانه وأصباغه كأنه صورة جديدة في الخلق عرضت ليراها أهل الأرض، أحسبني على مرمى السهم من جنة في السماء فتحت أبوابها ولاحت أطراف أشجارها..

وعندما أتأمل أنبثاق الفجر، يخيل إلي من جماله و روعته أن الوجود في سكونه وخشوعه نفس كبرى تستمع مصغية الى كلمة من كلمات الله لم تجيء في صوت ولكن في نور..

89 مولاتي فاطمة

الحذر من الأهواء
الحذر من الأهواء
قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (احذروا أهواء كم كما تحذرون أعداء كم! فليس شيء أعدى للرجال من إتباع أهوائهم وحصائد ألسنتهم).
شرح موجز :
لا شك أنّ الأعداء في الداخل أخطر من أعداء الخارج، ومن هنا فإنّ الأهواء الطائشة في باطن الإنسان التي تهدد يانه، هي أعظم خطراً عليه من أي عدو آخر!
فالأهواء تصم آذان الإنسان، وتعمي عينه، وتسلب العقل لبه، وتقلب له الحقائق، وبالتالي تقذف به في مطبات الفساد.
إنّ إطلاق العنان للسان، ومن دون ضابطة، من شأنه أن يوقع الإنسان في دوّامة من الذنوب والعداوات والأحقاد.

90 مولاتي فاطمة

كيف نجعل الموت حياة ؟
فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين
ما هو الهدف الهامّ الذي يجب البحث عنه في عملية الصراع بين الحق والباطل وبين جبهة الإسلام وجبهة الكفر؟ أيهما نرجّح إذا ما نتج عن انتصار الحق شهادة بعض الأشخاص؟ وأيهما يُقدَّم إذا ما أدَّى البقاء على الحياة إلى خسارة وانهيار الحق؟

* النّصر مع الموت حياة
هنا ينهض الإمام أمير المؤمنين (ع) إمام القلم والسيف ليوضح لأتباعه المعنى الحقيقي للموت والحياة، إذ يعتقد الإمام (ع) أنّ الحياة الحقيقيَّة تختلف عن الحياة الحيوانيَّة. إذا كان ثمن البقاء على قيد الحياة سقوط الحقّ فإنّ هذه الحياة هي بمثابة الموت، لأنَّه لا قيمة لحياة في ظلال الكفر وسلطة الباطل. أمّا الحياة الحقيقية فتتحقق في ظل الإسلام، حتى لو بذل بعض الناس نفسه في سبيل إعلاء الأهداف الإيمانية الإلهية فإن موته ليس موتاً حقيقياً، بل وصول إلى الحياة.
إذاً، فالحياة الحقيقية تتحقق حتى عند الموت الذي يؤدي إلى النصر والرفعة.

* الحياة بغاياتها
فالحياة نوعان : أحدهما الحياة الظاهرية والحيوانية التي تعني مجرد التنفس والأكل والشرب وجميع الحركات الطبيعية التي تصدر عن الموجود. هنا تصبح الحياة شكلاً مما يعيشه باقي الحيوانات وتصبح علامات الحياة هي نفسها الموجودة عند باقي الموجودات الحية. والثاني الحياة المعنوية، هذه الحياة التي تمتلك مفهوماً خاصاً عند الإنسان غير موجود عند الحيوانات الأخرى. ملاك ومعيار هذه الحياة هو الحركة المستمرة في سبيل أهداف الحياة الإنسانية. لماذا يعيش الإنسان صاحب الهدف؟ هل حياته من أجل المأكل والملبس والنوم…؟ أم أن هذه الأمور مقدمة للوصول إلى السعادة الدائمة؟

إذا تجاوزنا التعريف العادي والحيواني للحياة، يمكننا أن نشاهد أن الموت الشريف هو الحياة الحقيقية. وكل شهادة في سبيل الله تعالى هي موت عزيز، لأن الشهادة إحياء الدين وللهدف الإلهي. وعندما يصل الإنسان إلى مرتبة الشهادة فإنه بذلك يكون قد وصل إلى الحياة الخالدة والرزق الإلهي ورضوان الله الأكبر. من هنا نفهم لماذا كان إمام الأتقياء علي بن أبي طالب (ع) يتمنى الشهادة مراراً ومراراً حيث كان يعتبر الشهادة كرامة من الله لا يصل إليها إلا ذو الحظ العظيم.

* طريق الأولياء والصالحين
ومن النتائج الأخرى والهامة للموت والشهادة في سبيل الله إحياء الدين الإلهي، الذي هو كالمشعل المضيء الذي ينير للسالكين طريق الحق. وهذا طريق سلكه الأولياء والصالحون. وإذا ما قُدِّر لدين الله أن يستمر بكل عظمته منذ أول البعثة وحتى يومنا هذا فما ذلك إلا لتضحيات الأولياء والصالحين. ولو لم تكن هناك عاشوراء فماذا كان ليبقى من الإسلام المحمدي الأصيل؟!

ويظهر في كلام الإمام علي (ع) أن الجهاد إنما هو لأجل إعلاء كلمة الله وإنارة طريق الحق والهداية أمام البشرية كافة. فللجهاد في سبيل الله ثمار عديدة تبدأ من إزالة العوامل التي تمنع السعادة عن البشر، والقضاء على الظلم والفساد والحصول على الحياة المعنوية. وعليه من المهم التضحية بالحياة المادية من أجل الحياة المعنوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى