عرفانيات

عرفانيات – 10

91 سامر المولى

[أسرار وآثار تسبيح الزهراء] – الابتعاد عن الشقاوة والوصول إلى السعادة
المدوامة على تسبيح فاطمة الزهراء يوجب للإنسان السعادة وحسن العاقبة.. إذن من الجدير بنا حفظه والمداومة عليه وعدم تضييعه، قال الإمام الصادق : (يا أبا هارون، إنا نأمر صببياننا بتسبيح فاطمة كما نأمرهم بالصلاة، فالزمه، فإنه لم يلزمه عبد فشقي).

2 – طرد الشيطان ورضى الرحمن
الشيطان ألد أعداء الإنسان منذ أن أقسم : (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين).. بعض بني البشر مشغولون بالفرار الدائم عن الشيطان، والشيطان مشغول بمطاردتهم دائماً، فهم لا يتخلصون أبداً من الشيطان، وربما تعبوا من الفرار واستسلموا أخيراً للشيطان وخدعه.
وفئه قليلة يحاولون طرد الشيطان من أنفسهم بالمدوامة على الذكر والدعاء والعمل الصالح.. وعندما يوفق الإنسان في طرد الشيطان، والمدوامة على طاعة الله وعبادته، والتسلح بسلاح الإخلاص، يكسب رضا الله.. لأن الشيطان مانع ضخم أمام وصول الإنسان إلى أعلى مدارج الكمال.. ومن الأذكار التي تساعد الإنسان على طرد الشيطان هي : المدوامة على تسبيح فاطمة الزهراء.
قال الإمام الباقر : (من سبح تسبيح الزهراء ثم استغفر غفر له.. وهي مائة باللسان، وألف في الميزان، ويطرد الشيطان، ويرضى الرحمن).

3 – الشفاء من الأمراض
تسبيح الزهراء كما ورد في الأحاديث والروايات شفاء من بعض الأمراض البدنية :
أتى أحد أصحاب الإمام الصادق عنده وشكى من ضعفه في سمعه، فقال له الإمام : عليك بتسبيح الزهراء ما يمنعك.. ولما أنت ساه عن تسبيح فاطمة الزهراء؟..
فقال له الرجل : جعلت فداك، وما هو تسبيح الزهراء قال الإمام : (34) مرة الله أكبر و (33) مرة الحمد لله و (33) سبحان الله، فتلك مائة مرة.. قال الرجل : فما فعلت ذلك إلا يسرا حتى أذهب عني ما كنت أجده.

4 – البراء ة من النار والنفاق
تسبيح الزهراء من الذكر الكثير الذي قال الله – عزوجل – :(واذكر الله ذكراً كثيراً).
وقال الرسول : (من أكثر ذكر الله – عزوجل – أحبه الله، ومن ذكر الله كثيراً كتبت له براء تان : براء ة من النار، وبراء ة من النفاق).

5 – المغفرة
من آثار تسبيح الزهراء المغفرة.. ومغفرة من الله – سبحانه وتعالى – طهارة من الذنوب والمعاصي وأثارها السيئة. قال الإمام الصادق : (من سبح تسبيح الزهراء قبل أن يثني رجليه من صلاة الفريضة غفر الله له).

92 جعفر

تعلم من الامام الصادق
عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال لبعض تلامذته : أي شيء تعلمت مني؟.. قال له : يا مولاي ثمان مسائل، قال له عليه السلام : قصها عليَ لأعرفها، قال :
الأولى : رأيت كل محبوب يفارق عند الموت حبيبه، فصرفت همتي إلى ما لا يفارقني بل يؤنسني في وحدتي وهو فعل الخير، فقال عليه السلام : أحسنت والله.

الثانية : قال : رأيت قوما يفخرون بالحسب وآخرين بالمال والولد وإذا ذلك لا فخر، ورأيت الفخر العظيم في قوله تعالى : ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) فاجتهدت أن أكون عنده كريما، قال عليه السلام : أحسنت والله.

الثالثة : رأيت لهو الناس وطربهم، وسمعت قوله تعالى : ((وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّة َ هِيَ الْمَأْوَى)) فاجتهدت في صرف الهوى عن نفسي حتى استقرت على طاعة الله تعالى، قال عليه السلام : أحسنت والله.

الرابعة : قال : رأيت كل من وجد شيئا يكرم عنده اجتهد في حفظه، وسمعت قوله سبحانه يقول : ((مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)) فأحببت المضاعفة، ولم أر أحفظ مما يكون عنده، فكلما وجدت شيئا يكرم عندي وجَهت به إليه ليكون لي ذخرا إلى وقت حاجتي، قال عليه السلام : أحسنت والله.

الخامسة : قال : رأيت حسد الناس بعضهم للبعض في الرزق، وسمعت قوله تعالى : ((نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاة ِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)) فما حسدت أحدا ولا أسفت على ما فاتني، قال عليه السلام : أحسنت والله.

السادسة : قال : رأيت عداوة لبعض في دار الدنيا والحزازات التي في صدورهم، وسمعت قول الله تعالى : ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً)) فاشتغلت بعداوة الشيطان عن عداوة غيره، فقال : أحسنت والله.

السابعة : قال : رأيت كدح الناس واجتهادهم في طلب الرزق، وسمعت قوله تعالى : ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُـدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّة ِ الْمَتِينُ)) فعلمت أن وعده وقوله صدق، فسكنت إلى وعده، ورضيت بقوله، واشتغلت بما له علي عما لي عنده، قال عليه السلام : أحسنت والله.

الثامنة : قال : رأيت قوما يتكلون على صحة أبدانهم، وقوما على كثرة أموالهم، وقوما على خلق مثلهم، وسمعت قوله تعالى : ((وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)) فاتكلت على الله وزال اتكالي على غيره، فقال عليه السلام له : والله إن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وسائر الكتب ترجع إلى هذه الثمان مسائل.

93 ابو زين العابدين

الصوت المدوي
كلمة الإمام الكاظم – عليه السلام – لجارية بشر الحافي، رسالة وصوت، يدٌوي عبر الأجيال، بأذن العاصي، وبمن يهم بالمعصية : (لو كان عبدا لاستحى من الله).

94 المحبة لله جدا

كيف نتقرب من الله عز وجل
إن من أهم ما يتقرب العبد لربه هو النية الصادقة جدا في كل شيء، ابتداء من الاستيقاظ لصلاة الصبح في وقتها، مرورا بصلاة الظهر وصلاة المغرب.. إلى أن يتم اللقاء بين العاشق وربه وذلك في صلاة الليل، وهي قمة القرب من الله، والمناجاة بين يديه والناس نيام، فهناك يجد العبد قمة من حلاوة الذكر والأنس وما أحلاه من انس!.. فهل استطعنا أن نوفق لهذه البركات؟!.

95 ابو زين العابدين

لحظة تأمل
لو قيل لشخص انًا سنلف حول عنقك أفعى رهيبة حال صلاتك، ما أن تسهو سوف تلدغك، فكيف ستكون صلاته يا ترى؟.. والله عز ذكره يقول : (ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون).

96 سراجي

مفهوم التدين الحقيقي
مفهوم التدين الحقيقي

قال الله تعالى {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} سورة هود 112.

هذه الآية الكريمة في شطرها الأول تبين لنا مفهوم التدين الواقعي في المنظور الإلهي, و هو الاستقامة كما أمرت. و في سورة الحمد نلهج ليلا و نهاراً (اهدنا الصراط المستقيم), و لا شك أن من يسير على الطريق المستقيم دون اعوجاج يكون قد استقام. و الاستقامة لا تكون واقعية و حقيقية إلا إذا كانت كما أمر الله تعالى. والنتيجة أن المطلوب من رسول الله أن يسير وفق الصراط الذي أمره الله تعالى به. و هو الصراط الذي أوضحه لنا الرسول و أهل البيت عليهم السلام و أمرونا باتباعه و السير على وفقه.

إذن التدين الواقعي هو الإلتزام بالتعاليم و الأوامر الشرعية في كل شأن من شؤون الحياة, صغيرها و كبيرها. والتدين ذو درجات متفاوتة, و أدنى مرتبة منه هو التلبس ببعض مظاهر التدين الخارجية فقط. فبعض الناس يواظب على حمل السبحة في يده و حضور صلاة الجماعة, و لكن قلبه و روحه أبعد ما تكون عن الصلاة, ومعاملته لوالديه و أهله سيئة, و يكذب و يغش في معاملاته, و لا يدفع الديون التي في ذمته. إذن ما فائدة هذا التدين القشري. بل قد يقوم هذا المتدين القشري بتشويه صورة التدين في أنظار الناس بسبب تصرفاته القبيحة.

و أما أعلى درجات التدين فهي أن يستقيم الإنسان كما أمره الله تعالى بكل ذرة من ذرات وجوده, في قوله و في فعله, في حركاته و في سكناته.

أما ركائز التدين الواقعي فهي كالتالي :

الركيزة الأولى : النية الصادقة و الخالصة, فمن يكون هدفه الرياء و مدح الناس لا يهتم بالتدين الباطني بعيداً عن أعين الناس, بل تراه يركز على بعض المظاهر القشرية ليخدع الناس.

الركيزة الثانية : العلم و الحكمة. حتى يستطيع التمييز بين الواجبات و المحرمات و غيرها. و حتى يقدر على الترجيح و تقديم الأهم فالأهم. يجب أن تعلم بماذا أمرت ثم تستقيم عليه.

الركيزة الثالثة : المواظبة و التدرج, فعملية التغيير في الإنسان تحدث بتدرج و على مراحل. و نحن مطالبون بتحسين علاقتنا مع الله تعالى و مع أنفسنا و مع الآخرين لا سيما الوالدين و الأقربين, و علينا واجبات تجاه الطبيعة أيضاً. وتطبيق جميع ذلك يحتاج إلى صبر و مواظبة و تدرج, فكلما وفقنا الله تعالى لإصلاح جانب من جوانب حياتنا أو خصلة من أخلاقنا نشكر الله تعالى و نحمده و ننتقل إلى جانب آخر و خصلة أخرى. و لنعلم بأن الدين عميق, لذا وردت الأحاديث الشريفة في الحث على الوغول فيه برفق لئلا تنفر النفس.

الركيزة الرابعة : طلب العون من الله تعالى (و ما توفيقي إلا بالله) و التوسل إليه بأحب الخلق إليه محمد و آله صلى الله عليهم أجمعين -.

الركيزة الخامسة : عدم اليأس من رحمة الله تعالى, فعملية تهذيب النفس و تعويدها على الطاعة يحتاج إلى صبر و مجاهدة. و قد يكون لدى الإنسان ذنب متغلغل أو خصلة سيئة راسخة, فلا ييأس بل يجاهد نفسه إلى أن يتوب إلى الله تعالى توبة نصوح صادقة.

الركيزة السادسة : عد م التجاهر بالعصيان. لا قدر الله تعالى إذا ابتلي الإنسان بمعصية فعليه أن يستتر بها, و لا يجاهر, إذ المجاهرة بالعصيان تجرأ على الله تعالى و مساهمة في تجرأ الآخرين على المعصية أيضاً.

الركيزة السابعة : إذا رأيت من هو أكبر منك سناًَ فتذكر أنه عبد الله تعالى قبلك, و إذا رأيت من هو أصغر منك فتذكر أنك عصيت الله قبله. و إذا رأيت مذنباً فاحمد الله تعالى لأنه لم يبتلك بذلك, و ادع الله تعالى له بالهداية, و لا تغتر بأعمالك إذ لعله يكون لدى هذا المذنب أعمال صالحة استوجب بها رضوان الله تعالى, و لعل الله يوفقه للتوبة النصوح فيغفر الله تعالى له, و لا يغفر لك ما عملته من ذنوب.

97 سراجي

عوامل التغيير
عوامل التغيير

الإنسان في مسيرته التكاملية يمر بمراحل من النجاح والصعود, وفي بعض الأحيان يمر بانتكاسات وانحدارات. وعادة تكون هذه التغييرات نتيجة حدث ما.
على سبيل المثال قد يتجه الإنسان نحو الكمال والفضيلة نتيجة ساعة تفكير في المستقبل والحياة الأبدية, أو نتيجة سماع دعاء أو مناجاة, أو على أثر القيام ببعض العبادات كالصوم وأداء مناسك الحج أو تشييع جنازة أو غير ذلك. وفي الطرف المقابل أيضاً قد ينفعل وينكسر جرّاء ساعة غفلة, أو وسوسة صديق سوء, أو التساهل في أكل الشبهات أو غير ذلك.

قال عزّ وجلّ ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)) [الحج : 46].
إذن العوامل على قسمين :
القسم الأول : عوامل خارجية, وهي عبارة عن جميع ما تحتك به الروح, كل ذلك يؤثر على مستقبل المرئ, وأهم وسائل الاتصال بالخارج هو السمع والبصر, لذا توجب على العاقل أن يحرص على اختيار ما يسمع ويبصر.
ولهذا روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) : من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدي عن الله عزّ وجلّ فقد عبد الله، وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان.
وروي عن الإمام علي (عليه السلام) : النظر إلى البخيل يقسي القلب.
و سئل الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام – عن قوله (صلى الله عليه وآله) : النظر في وجوه العلماء عبادة “، فقال : هو العالم الذي إذا نظرت إليه ذكرك الآخرة، ومن كان خلاف ذلك فالنظر إليه فتنة.

القسم الثاني : عوامل داخلية, كالميول والأهواء, ولكن على رأس العوامل الداخلية القلب.

قال الله تعالى ((وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ)) [الملك : 10].
إذن علينا أن نسعى للحصول على الأقل على أحد خصلتين :
الخصلة الأولى : السمع.
الخصلة الثانية : العقل.
ويلاحظ أن القرآن الكريم في سورة الحج – نسب العقل إلى القلب, كما نسب العمى إلى القلب أيضاً. ونسب الوقر إلى آذان الذين لا يؤمنون بالقرآن الكريم ((… قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ)) [فصلت : 44].

ولعله قريباً – تكون لنا وقفة أكبر مع مفهوم القلب والعقل والسمع والبصر في القرآن الكريم. وما توفيقي إلا بالله.

98 سراجي

مضاعفة العذاب
مضاعفة العذاب

السؤال :
هناك طائفة في الآيات الكريمة دلّت على مقابلة السيئة بمثلها دون مضاعفة, وهناك طائفة أخرى تدّل على مضاعفة العذاب, فكيف يمكن التوفيق بين هاتين الطائفتين؟.
الطائفة الأولى :
قوله تعالى (مَن جَاء بِالْحَسَنَة ِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَة ِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) [الأنعام : 160]. وقال عزّ وجلّ (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَة ً فَلا يُجْزَى إِلا مِثلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة َ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر : 40]. وكذا سورة الشورى : 40, وفي سورة يونس : 27.
الطائفة الثانية :
قوله تعالى (أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ) [هود : 20], (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَة ِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) [الفرقان : 69].
الجواب :
هناك طائفة أخرى من الآيات الكريمة أوضحت أن زيادة العذاب إنما هو نتيجة إفسادهم الآخرين, وإضلالهم المجتمع. وبذلك يكون هذا العذاب الزائد في قبال ما قاموا به من إفساد للآخرين.
قال الله تعالى (الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ)[النحل : 88], (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَة ً يَوْمَ الْقِيَامَة ِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ) [النحل : 25] (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْء ٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) [يس : 12].
لذا, فمن سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً, وكذا من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص ذلك من وزرهم شيئاً, وقد دلّ على ذلك عدة أحاديث شريفة لدى الشيعة والسنة.
فحريّ بالعاقل أن يسعى لإيجاد السنة الحسنة في المجتمع, كإقامة المشاريع الخيرية والتنموية, وهكذا لا ينقطع عمل الإنسان الخيري بوفاته بل يستمر إلى ما شاء الله تعالى, ويثاب عليه وعلى ما ترتب على ذلك الخير – وهو في قبره -. وحريّ بالعاقل أن ينأى بكل طاقته أن يكون هو مؤسس وباذر الفساد أو السوء, فيشاركهم في الذنب والإثم والعذاب وهو في قبره -.

99 سراجي

كونوا أحراراً في دنياكم
كونوا أحراراً في دنياكم

س : ما معنى قول الإمام الحسين عليه السلام (فكونوا أحراراً في دنياكم)؟
ج / في يوم عاشوراء, وعندما أصبح الإمام الحسين عليه السلام وحيداً فريداً يقاتل أولئك الفجرة الكفرة, جاء شمر في جماعة من أصحابه فحالوا بين الإمام الحسين وبين رحله الذي فيه ثقله وعياله, فصاح الحسين عليه السلام – (ويلكم يا شيعة آل سفيان, إن لم يكن لكم دين, وكنتم لا تخافون يوم المعاد, فكونوا أحراراً في دنياكم [هذه]. وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون). فناداه شمر : ما تقول يا ابن فاطمة؟ فقال : أقول إني أقاتلكم وتقاتلونني, والنساء ليس عليهن جناح. فامنعوا عتاتكم وجهالكم وطغاتكم من التعرض لحرمي ما دمت حياً. فقال شمر : لك ذلك يا ابن فاطمة – ثم صاح – إليكم عن حرم الرجل واقصدوه بنفسه, فلعمري هو كفؤ كريم. فقصدوه بالحرب.
المصادر : أعيان الشيعة 1 : 609, بحار الأنوار 45 : 51.
توضيح المعنى : هنا أربعة مراجع للإنسان في سلوكه وتصرفاته :
المرجع الأول : الدين وأحكامه والخوف من يوم المعاد :
هنا الإنسان إذا أراد أن يقوم بأفعال لا سيما العظيمة يتجنب مخالفة أحكام الدين لئلا يعذب يوم المعاد. نعم قد يغفل الإنسان أو يتغافل عن كون بعض الأفعال معصية, ولكن عند تذكيره بالمعاد وتوضيح عظم هذا الفعل وحرمته, يرجع الإنسان عما قصده من المعصية.
قال الله تعالى (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) [النساء : 93], فكيف بمن يقتل ابن رسول الله صلى الله عليه وآله – وسيد شباب أهل الجنة؟.
لا شك أن ذلك الجيش لم يراع أبسط الأحكام الإسلامية, إذن هم ليسوا أصحاب دين, ولا يخافون يوم المعاد. فكل من يخاف يوم المعاد لا يفكر في اقتراف هذه الجريمة وبهذه الوحشية فضلاً عن تنفيذها بيده والمشاركة فيها.
ولهذا يقول عمر بن سعد لعنه الله – :
فوالله ما أدري وأني لحائر * أفكر في أمري على خطرين
أأترك ملك الري والري منيتي * أم أرجع مأثوماً بقتل حسين
حسين ابن عمي والحوادث جمة * لعمري ولي في الري قرة عين
ألا إنما الدنيا بخير معجل * فما عاقل باع الوجود بدين
وأن إله العرش يغفر زلتي * ولو كنت فيها أظلم الثقلين
يقولون إن الله خالق جنة * ونار وتعذيب وغل يدين
فإن صدقوا فيما يقولون أنني * أتوب إلى الرحمان من سنتين
وإن كذبوا فزنا بدنيا عظيمة * وملك عقيم دائم الحجلين
المرجع الثاني : العادات والتقاليد :
كثيراً ما تكون العادات والتقاليد والقوانين الاجتماعية مانعاً من اقتراف الإنسان بعض الأفعال, ومن القوانين العربية منذ زمن الجاهلية – عدم القتال في الشهر الحرام, وعدم التعرض للنساء والأطفال بالتخويف والترويع لا سيما مع حياة الرجل صاحب النساء. ولكن تلك الطغمة لم ترع حتى القوانين والأحكام العربية.
أنكر الإمام – عليه السلام – عليهم أن يكون ما ارتكبوه وأبدوه من النفسيات القاسية من شناشن ذوي الأحساب، أو مشابهاً لما يؤثر من صفات العرب من النخوة والشهامة وحماية الجار والدفاع عن النزيل والاحتفاء بالشرفاء ورعاية الحرمات وحفظ العهود وخفر الذمم.
المرجع الثالث : الشرافة والحرية الذاتية :
كثير من الأفعال أو الأقوال يتركها الإنسان الشريف حتى ولو لم ينه عنها الدين أو المجتمع -, ولهذا نرى بعض الأفراد كانت تمتنع عن شرب الخمر أو الزنا في زمن الجاهلية. إذن الإنسان هنا يفكر بحرية ليرى الحق من الباطل, ليميز بين الخير والشر, بين الصواب والخطأ, لذا نراها يترفع عن كثير من المساوئ والعيوب.
أما ذلك الجيش فلم يلتزم بأي مبدأ أو شعور إنساني, فأي إنسان يقبل منع الماء عن عدوه, فضلاً عن منع النساء والأطفال الرضع من شرب الماء. وأي إنسان يقبل بأن يطء صدر ميت برجله فضلاً عن سحقه تحت سنابك الخيل!!!!.
المرجع الرابع : العبودية للغير :
هنا يصبح الإنسان عبداً لغيره ولا يرفض له طلباً ولا يسمح لنفسه بالتفكير في صحة ما يقوم به أو خطأه, بل طمس على قلبه فلا يرى ولا يسمع ولا يعقل أي شيء ما عدا أوامر سيده, سواء كان سيده هو يزيد أو قطام أو ملك الري أو غير ذلك.
والحاصل :
إن لم يكن الإنسان ذا دين ويخاف يوم المعاد, فلا يصبح عبداً لغيره يسيره كيف يشاء ويشتهي فيفقد كل شيء حتى إنسانيته وشرفه واستقلاله, ولا أقل من تحكيم العقل والفطرة ليتخذ القرار الصحيح والنهج السليم في حياته الدنيوية, ولا أقل من المحافظة على العادات والتقاليد الحسنة القومية.

100 سراجي

عوامل استشعار لذة العبادة
عوامل استشعار لذة العبادة

قال الإمام زين العابدين عليه السلام – في مناجاة المطيعين (اللهم احملنا في سفن نجاتك, ومتعنا بلذيذ مناجاتك, وأوردنا حياض حبك, وأذقنا حلاوة ودك وقربك).
إن للمناجاة والعبادة والقرب الإلهي لذة وحلاوة وسعادة. وهذا مما تدل عليه الكثير من الأدلة الشرعية مضافاً إلى كونه من الأمور المشهودة لدى أهلها. ولكن كثيراً منا – رغم مرور سنوات عديدة على عبادته الله تعالى لم يشعر حتى الآن بتلك اللذة والحلاوة والسعادة. ونحن هنا نريد أن نذكر أربعة عوامل هامة في سبيل الالتذاذ والاستمتاع بالعبادة والمناجاة :
العامل الأول : أن يدرك العقل والقلب أهمية العبادة :
الإنسان كائن علمي, يتحرك نحو أي أمر تبعاً لما يدركه من أهمية ذلك الأمر وخطورته ودوره في حياته وفي الوصول إلى أهدافه. كلما زاد إدراكه لتلك الأهمية زاد سعيه واشتدت حركته.
فمن يدرك أهمية الشهادة العلمية في تأمين مستقبله مثلاً يتحرك نحو تحصيل تلك الشهادة, ويبذل الوقت والجهد ويسهر الليالي ليتحقق ذلك الهدف.
ومن يدرك أهمية الحصول على وظيفة يتحرك أيضاً حركة تتناسب مع ما أدركه من أهمية, فيذهب هنا وهناك, ويقف منتظراً في الصفوف الطويلة أملاً في الحصول على الوظيفة.
نحن كذلك بحاجة إلى إدراك أهمية ودور العبادة والمناجاة والشعائر الدينية في حياتنا الدنيوية, وفي تأمين الحياة الأبدية.
علماً أن الإدراك له مرحلتان : الأولى العقل, والأخرى القلب. وكل مرحلة لها مراتب متفاوتة. ونحن نريد إيصال تلك الأهمية إلى أعلى المراتب في كلتا المرحلتين. فلا يكفي أن يصدّق العقل إذا لم يؤمن القلب بذلك.

العامل الثاني : تخصيص وقت للعبادة :
من يقرأ الدعاء وهو يفكر في إنهاء الدعاء فلا يمكن أن يشعر بمعاني وروح الدعاء.
من يقرأ القرآن الكريم وهمّه إنهاء السورة لا يستطيع أن يحلق في أجواء القرآن.
من يصلي وهو يريد الانتهاء من الصلاة لا يعي أن الصلاة معراج المؤمن.
لذا علينا أن نخصص وقتاً للعبادة, بحيث نجمع فيه قوانا العقلية والجسدية وجميع الحواس في العبادة.
والحديث المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أرحنا يا بلال). الراحة بماذا؟ هل بالانتهاء من الصلاة, كلا. بل بالصلاة وبالدخول في الصلاة والتسامي معها في عالم آخر, فالصلاة قرة عين الرسول صلى الله عليه وآله كما جاء في الرواية.
إذن راحة المؤمن ليس بالانتهاء من العبادة بل في العبادة وبالعبادة, يرتاح ويسعد عندما يشتغل بذكر الله. ومن العوامل المؤثرة في ذلك عدم الانشغال بأمور أخرى في وقت العبادة حتى لا تأخذ قسطاً من تفكير واهتمام الإنسان في ذلك الوقت.

العامل الثالث : الاستعداد والتهيؤ للعبادة قبل وقتها :
عندما يريد الإنسان أن يدخل امتحاناً أو اختباراً, فهو بحاجة إلى تهيئة واستعداد نفسي وذهني وجسدي لكي يقوم بالامتحان بمستوى مقبول.
وهكذا من يريد الدخول على شخصية مهمة أو القيام بدور متميز, فإنه يجمع المعلومات التي يحتاجها ويعدّ نفسه من جميع الجهات لذلك.
العبادة أيضاً بحاجة إلى استعداد وتهيأ لها. لنذكر الآن بعض الأمثلة :
المثال الأول : الصلاة : بعض المؤمنين لا يتحرك نحو الصلاة إلا بعد دخول الوقت, يرتفع صوت الأذان والإقامة وهو ما زال مشغولاً بالحسابات والسوالف والجوّال, ومباشرة ينتقل من هذه الشواغل إلى تكبيرة الإحرام. فهو يدخل في الصلاة وجوارحه وقلبه ما زالت مشغولة بالدنيا وبالأمور المتفرقة.
أما الروايات الشريفة فقد حثت على الاستعداد للصلاة قبل دخول الوقت, وفي الحديث الشريف (ما وقرّ الصلاة من أخرّ الطهارة لها حتى يدخل وقتها).
إذن حتى تتفاعل مشاعرنا وروحنا مع الصلاة علينا أن نتهيأ للصلاة ونستعد لها قبل دخول الوقت, وقد حثت الروايات على المسارعة في دخول المسجد.
المثال الثاني : الصيام :
نحن نستعد لشهر رمضان المبارك بإحصاء جدول للمسلسلات الجديدة, وبشراء الأغذية الكثيرة حتى أن عربات التسوق في السوبرماركت تضج وتئن من ثقل البضائع. وهكذا نمضي شهر رمضان في مشاهدة المسلسلات والطبخ والأكل والشرب والتسوق حيث تزداد العروض والتخفيضات – فلا يبقى مجال للروح لكي تتذوق شيئاً من لذة الصيام.
يقول الإمام الرضا – عليه السلام – : (وأكثِر من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن, وتب إلى الله من ذنوبك ليقبل شهر الله عليك وأنت مخلص لله عزّ وجلّ).
فالاستعداد لشهر رمضان المبارك يكون بما ذكره الإمام المعصوم عليه السلام -.
المثال الثالث : ليلة القدر :
حتى نندمج وننصهر في ليلة القدر علينا أن نمّهد لذلك قبلها, ولعل من الحكمة الإلهية حيث جعلها في العشر الأواخر – هي تهيئة المؤمنين خلال الليالي السابقة لاستقبال هذه الليلة العظيمة.
أيها الأحبة,, هذا موسى الكليم عليه السلام – وهو أحد الأنبياء أولي العزم حتى يصل إلى الميقات الخاص مع الله تعالى احتاج إلى أربعين ليلة فكيف بنا نحن, قال الله تعالى (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَة ً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَة ً).
المثال الرابع : الحج :
خلال يومين أو ثلاثة نريد أن نفهم ونحفظ جميع الأحكام الفقهية للحج, والأسرار, وآداب الحج, وأخلاقيات الحج فهل يمكن كل ذلك في هذه الفترة القصيرة؟
لماذا لا نبدأ من شهر رمضان ونستعد للحج, فها هي أدعية شهر رمضان تلوّح لنا بالحج. بل في حديث الإمام الصادق عليه السلام (يا عيسى إني أحبّ أن يراك الله عزّ وجلّ فيما بين الحج إلى الحج وأنت تتهيأ للحج). هذه مرتبة عليا, حيث يبدأ المؤمن في الاستعداد على جميع المستويات ليحج حجاً محمدياً بعد أحد عشر شهراً, فيشتغل خلال هذه الأشهر وبشكل تدريجي مستمر في التفكير بالحج.

العامل الرابع : ترك الذنوب :
قال أمير المؤمنين عليه السلام (كيف يجد لذة العبادة من لا يصوم عن الهوى).
حتى تستطيع الروح أن تتذوق لذة وحلاوة العبادة يجب أن تصوم عن الهوى والذنوب والشبهات.
العبادة شراب لذيذ, فإذا خلطته بشراب الذنوب العفن النتن فلن تستطيع أن تلتذ بطعم العبادة. الحق والباطل لا يجتمعان في وعاء واحد, النور والظلمة لا تجتمعان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى