تذكرة المتقين

الوصية الثانية للسيد أحمد الموسوى الحائري لتلميذه

إن الطالب للقاء المولى ، عليه أن يحاسب نفسه عند النوم ، ليرى ما عمله في يقظته ، وليستحضر ما خالف فيه مولاه ، مع الندم والعزم على عدم العود ، بل التدارك في الاستقبال ..

وليعلم أن النوم أخو الموت ، إذ أن { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها } .

ولذا يحسن عند النوم أن يجدد عهده بالشهادتين ، ويستقبل القبلة متطهّراً ، متذكراً وضع الميت في قبره ، ومنشغلاً بذكر ربه ، مراقباً رؤية الحق له ، إلى أن يستغرق في نومه .. وليعلم أنه – حين منامه – في قبضة الحق المتعال ، بحيث لو اراد المولى ان يبقيه عنده لتوفاه إليه ، لقوله تعالى : { فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمى } . زمر/42

فكم من نائم لم يستيقظ من رقدته إلى يوم لقائه .. وعليه لا أمل في العودة إلى الدنيا إلا بتفضل جديد منه على عبده ، وكأنه استجاب له دعاءه بلسان حاله :
{ رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت } .

ومن هنا لزم – عند الاستيقاظ – أن يتذكر نعمة عودة الروح إليه ثانيـة ، فهي بمنـزلة حياة جديدة ، تستحق سجدة الشكر – كما كان يفعلها النبي (ص) عند استيقاظه – إذ أن الكثيرين طلبوا العودة إلى الدنيا ، فكان الجواب : { كلا إنها كلمة هو قائلها }..
ومن هنا أيضا لزم أن يغتنم هذه الحياة الجديدة ، ويبذل قصارى همته في تجارة رابحة مع الله رب العالمين .

واعلم أن كل ما في الوجود سبيله الى الفناء والزوال .. فالممكن – بما هو ممكن – لا يجلب لك نفعاً ولا يدفع عنك ضراً ، لأنه محتاج من جميع الجهات ، وفي قبضة قدرة الحق المتعال .. ومن هنا لا يستحق شيء في الوجود سواه أن يلتفت إليه العبد ولو كان كبيراً في نظره القاصر .. ولو طلب العاقل شيئاً من غير مولاه ضرورة ، فإنه يطلبه لا لذاته – لما قلنا من فنائه واضمحلاله – بل لأن المولى أمره بذلك ..

فتحصّل مما ذكر : أن من أقبح القبائح ، أن يصرف العبد همّته إلى شهوة بطنه وفرجه ، بل ينبغي له عدم الالتفات إلى ذلك بقلبه ، وأن أضطر إليها ببدنه ..
وليعلم أن خير ما يصلح للعبد ، هو تفويض الأمر إلى الحكيم الخبير ، وليكن بعدها فارغ البال من كل همّ وغمّ ، حتى همّ رزقه ومعاشه .. كما ينبغي أن يعلم أنه إنما يتوجه إلى المولى بقلبه ، ومن هنا كان التجلي الإلهي على القلب أيضاً ، إذ ما من شيء أشد استعداداً لظهور التجليات الإلهية من قلب المؤمن ..

وقد ورد أنه : لا يسعني أرضي ولا سمائي ، بل يسعني قلب عبدي المؤمن. عوالي اللئالئ ج4/ص7

وأفضل ما يلتفت إليه السالك بعد التوجّه إلى الحق ، هو التوجّه إلى النفس ومعرفة عيوبها.. إذ من عرف نفسه فقد عرف ربه ، وقد قال الحكيم : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } .الذاريات /21..

وما قلته لك يكفيك إن كنت عاملاً به ، وإلا فلا داعي للعبث واللغو بإظهار ما لا يـؤول إلى العمل .

السيد احمد الكربلائي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى