تذكرة المتقين

المراسلة الثامنة للشيخ البهاري

روي عن مولانا أمير المؤمنين (ع) : من ابتُلى بالفقر فقد ابتُلى بأربع خصال : الضعف في يقينه ، والنقصان في عقله ، والرقة في دينه ، وقلة الحياء في وجهه. البحار 69/47..

أما إذا توجه الفقر لعبد من العباد ، فعليه الالتفات إلى الأمور التالية:

الاول: أن لا يكره الفقر فيما لو نزل به ، بل يقول : مرحباً بشعار الصالحين حيث أن العالم بالأصلح – جلت حكمته – قدّر ذلك الفقر له ، ولازم ذلك أنه – لو كان شاكياً – لا يشكو إلا إليه في ظلم الليالي.
فلو أظهر فقره لغيره كان ذلك كاشفاً عن عدم رضاه به ، فكانه يرى مصلحته في غير ذلك ، وخاصة فيما لو كان عند من لا تفيد الشكوى لديه .. فإن قلت :
إن هذه الشكوى هل هو كفر أو فسق أو مباح ؟.. قلت :
إن هذا إنما يكون بحسب الشاكي والمشتكى إليه .. وقد أوكلت الاجتهاد فيه إليك.

الثاني:أن يقنع بالكفاف والاقتصاد على قدر الحاجة ، ويشكر ربه على أنه لم يُعط له الزيادة ، فإن الزيادة فتنة وامتحان لعبده ، لينظر ما يفعل بها ، فإن عصى الله بها عذّبه وإلا حاسبه ، نستجير بالله منه.

الثالث: أن يكون متوكلاً على مولاه ، آيساً مما في أيدي الناس ، وأن لا يتملق لغني أبداً بدعوى أن ذلك من التواضع ، فإن تواضع الفقير هو التكبر عليهم من حيث أنهم أغنياء.

الرابع: أن لا يداهنهم في خوضهم في الباطل طمعاً لما في أيديهم من حطام الدنيا ، فلا يدخل فيما يدخلون فيه ، ولا يتكلم بما يتكلمون به ، ولا يبرّر لهم ما يعملون.

الخامس: أن لا يكون الفقر من دواعي الوهن في العبادة ، بل يستغل الفقر المقدر له ليكون ادعى له للعمل بالطاعات ، إذ الوصول إلى السعادة الأبدية بالفقر أيسر وأسهل .

السادس: أن ينفق شيئاً من ماله فيما يرضي ربه ، فإنه أفضل عند الله تعالى من بذل الأغنياء من وجوه لا مجال لتفصيلها والله العالم.

السابع: أنّ ما يعطيه غيره من المال إن علم أنه حرام وجب عليه الامتناع .. وإنْ علم أنه مشتبه أو حلال فيه منّة رجح له ردّه .. وإن علم أنه هدية محللة بغير منّة ، استحب له القبول تأسياً بالنبي والأئمة عليهم السلام ، وإن كان من الصدقات وهو مستحق له ، فإن علم أنه يعطي رياء وسمعة ، فإنه يمكن أن يقال بعدم جواز الأخذ ، إذا صدق أنه أعانه على الإثم ، وينبغي له التعفف عن السؤال ما استطاع ، فإنه فقر معجّل وحساب طويل ، لعدم خلوه من الآفات غالباً ، إذ هو متضمن على الشكوى وذهاب ماء الوجه ، والذل عند غير الله تعالى ، وإيذاء المسؤول وإجباره على العطاء ، استحياء أو رياء ، أو يورث شتم السائل وإيذائه إلى غير ذلك من الآفات ..

ولذا روي أن مسألة الناس من الفواحش ، نعم لو كان في مقام الاضطرار فله ذلك بل قد يجب ، إلا أنّ تشخيص درجات هذه المقامات ، في غاية الاشكال والصعوبة.

(محمد البهاري الهمداني )

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى