تذكرة المتقين

المراسلة السابعة للشيخ البهاري

اخواني !.. كأني أراكم وأنتم على ما كنتم عليه .. إذ لا علم ولا عمل ولا ورع ولا تقوى .
ما هذا التواني في أمر الآخرة ، والتكاسل في طاعة الذوات الطاهرة؟.. أنسيتم الموت الذي لا بد منه ، وهو الهادم لأركان اللذات ، والمخرب لبنيان الغرائز ؟.. أليس ذكره يزهّدكم في الدنيا ويرغّبكم في الآخرة ؟..

أمَا قال أصدق الصادقين : إنّ مَن تَذّكره في اليوم والليلة عشرين مرة يحشر مع شهداء أُحد . المستدرك 2/104..

أما وجدتم ذكره في غاية النفع والتأثير؟.. ولعل الذي منعكم من ذلك هو اشتغال القلب بما سواه ، وعدم التهيؤ لسفر الآخرة ، وإلا لا ريب في أن المسافر لا همّ له إلا الاستعداد له ، فمن تفكر في حال الفراعنة لا بد وأن يقلّ سروره بالدنيا وشهواتها ، وينكسر قلبه عن لذاتها ، فالعاقل من جرّد نفسه للمنية وهيأها للتنعم والتحية ، وإن شئت ذلك فتفكر في حال نظرائك الذين كانوا منهمكين في الشهوات بطول آمالهم ، كيف انتقلوا من أنس العشرة إلى وحشة الهجرة ، ومن فسح القصور إلى ضيق القبور ، ومن النظافة وحسن الصورة إلى قبح المنظر والسيرة ، واسأل عن قبره بلسان فصيح وقل :
بالله يا قبر هل زالت محاسنه —– وهل تغير ذاك المنظر النضر

وكيف كان ، فاغتنم يا حبيبي ما أقول لك : إن حالة الناس في ذكر الموت وحالاته على أقسام .. فهم بين منهمكٍ في الدنيا وشهواتها ، وخائضٍ في غمرات لذاتها ، وبين سالك مبتدئ ، وعارف واصل .

والاول: لا يذكر الموت إلا بذمّ ، لصده إياه عن محبوبه ، وكونه حاجباً له عن مطـلوبه ، بل يفرّ منه ويعاديه وإن كان لزاماً أن يلاقيه ، فلا يستفيد من ذكره إلا بُعداً .

والثاني: يستعد بذكره لاقتناء الخيرات ، والمسارعة إلى تحصيل فضائل الملكات ، ويكرهه خوفاً من أن يلقاه قبل الوصول إلى هذه الكمالات ، وهو في هذا الحال معذور ، ولا يُعد من كلاب دار الغرور ، بل لا يُحسب من الذين كرهوا لقاء الله عزّ وجلّ فكره لقاءهم ، وعلامته الاشتغال بما يعده للممات ، والتهيؤ للزاد قبل الفوات .

واما الثالث:  وإن كان لا فائدة في ذكره – فهو إنما يذكره ويشتاق إليه حباً له وشوقاً منه إليه ، إذ فيه لقاء الحبيب ، ولذا قال سـلام الله عليه : والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه . البحار 28/ص233 .. لما فيه من الخلاص من سجن الطبيعة ، والوصول إلى الدرجات العالية الرفيعة ، وإلى ذلك أشار بقوله سلام الله عليه :
فزت ورب الكعبة . البحار 42/239..

وهناك قسم آخر أعلى : وأرفع مما ذكر ، إلا أنه لا مجال لذكره.

(محمد البهاري الهمداني )

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى