تذكرة المتقين

المراسلة الخامسة للشيخ البهاري

أيها العالم المجاهد !.. الذي اجتهد ليلاً ونهاراً حتى أدخل نفسه في زمرة العلماء الراشدين والفقهاء المجتهدين ، حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء ، تيقّظ من رقدتك ونومك ، كي ترى ما أشكل عليك في تحصيل شرائط العـلم وآدابها ، وكيفية المواظبة عليها.
اعلم أنه قد ورد أن العلماء ورثة الأنبياء ، ولا شك ولا ريب في أن هذا الإرث ليس هو الدرهم والدينار ، بل المراد منه ما يكون من جهة تبليغ الأحكام ، وإرجاع العامة إلى الجادة المستقيمة ، وتثبيتهم عليها مهما أمكن ..
فعلى هذا لا بد للعالم من مراعاة أمور كي تتحقق فيه هذه الوراثة ، وأنّى لك مراعاتها !..

فمنهـا: أن لا يكون حبيس داره ، مع ما يرى من مواظبة الناس على المنكرات الواضحة ، إن كان قادراً لدفعها مع اجتماع شرائطه .. فعليه أولا أن يبدأ بإصلاح نفسه ، وذلك بالمواظبة على فعل الطاعات وترك المحرمات ، ثم بتعليم أهله وأقاربه ثم جيرانه ثم أهل بلده ، ثم أهل القرى والبوادي وهكذا إلى أقصى العالم ، بمقدار ما يسعه ذلك ، ما لم يقم بهذا التكليف من به الكفاية ..
وليس هناك شيء – مما فُرض عيناً أو كفاية – أهم من ذلك ، فأين أنت أيها المداهن والمسامح من هذه الوظيفة؟!.

وإياك وأن تخضم مال الله تعالى خضم الإبل نبتة الربيع ، لتأكل منه قسماً وتعطي قسما منه لأولادك.

واعلم أن على العالم ان يكون صابراً محتسباً ، كما كان السلف صابرين في جفاء المخلوقين.
وأن يكون ملجأ وملاذا للمسلمين حقيقة في حاجاتهم وابتلاءاتهم.. فإن حجة الإسلام ، هو ما كان قوله وفعله حجة على المسلمين ، وإلا كانت حجة خالية عن أي ملاك.

و منهـا: أن لا يكون له همّ وغرض في جميع حركاته وسكناته إلا هداية الخلق وسوقهم إلى الشريعة ، بأي سبب حصل ، وبأية حيلة تحققت ، وبأي فرد جرى على يده هذا الأمر ، صغيراً كان أو كبيراً ، وضيعاً كان أو شريفاً ، فلا يتبرّم إذا جرى الخير على يده في الباطن ونسب إلى غيره في الظاهر .

فهل كان يثقل على النبي (ص) أن يرى أعرابياً تجري الهداية على يده للناس جميعاً بسبب بعثته (ص) ، وهو يعلم أن الغاية من بعثته حاصلة وإن كان على يد أعرابي؟!.. ولكن أقول لك بصدق :
إننا لا نستوعب هذه الحقيقة ، فضلاً عن العمل بها في محله ، هيهات هيهات!..

و منهـا: أن يكون متواضعاً لله جل جلاله في ذاته ، من دون أن يكون ذلك لغرض من الأغراض ، كالطمع المركوز في النفوس أو غيره .. ومن المعلوم أنه لا يتحقق الشرف التام إلا بالتواضع في ذات الله جل جلاله ، وأما ما شاع في زماننا هذا ، من شدة الخضوع والتذلل للأغنياء وغيرهم من أهل الدنيا وتسميتها تواضعاً ، فهو تدليس ومكر وتلبيس وتملق وتذلل مذموم ، ولا يكون هذا إلا تفريطاً في فضيلة التواضع .

نعم ، للتواضع مراتب بالنسبة للمتواضَع له .. والعدل الحقيقي هو إعطاء كل ذي حق حقَّه ، فتواضع العالم للعالم يغاير تواضعه للسوقي ، وتفصيل ذلك موكول إلى محله.

و منهـا: أن لا يكون غافلاً عن مولاه في آن من الآنات ، بل يكون مراعيا لمراقبته ، كمراقبة الحكام لما يجري في عاصمة ملكهم !.. فعليه أن يعرض أعماله كلها على مولاه ، ليعلم القبول من الرد ، وبهذه المناسبة تأمل فيما قيل : من أن المفتي لا يستفتى إلا من الله تعالى.

و منهـا: أنه لا بد من أن يكون منصوراً بالرعب ، بعد قطع طمعه عن حكام الدنيا ، وتمكين الخوف الإلهي جلّت عظمته في مكنون سريرته.

(محمد البهاري الهمداني )

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى