تذكرة المتقين

في صفات العلماء

يحسن بنا أن نذكر لك بعض صفات علماء الآخرة الذين هم في مقابل علماء الدنيا ، لئلا يتوهم كل مدّعٍ أن له الحق في تربية النفوس ، وهي:

الأولى : الزهد في الدنيا بمعنى رفع العلقة القلبية عنها ، ولازمتها رفع العلقة الظاهرية.. لأن أقل مراتب العلم هو العلم بحقارة الدنيا وفنائها ، والعلم بجلالة الآخرة وبقائها ، وكذلك العلم بحقيقة أن الدنيا والآخرة ضرتان لا تجتمعان .. فلو لم يعرف الحقيقة الأولى فواحمقاه !.. وإن لم يعرف الحقيقة الثانية فوا كفراه!.. وإن لم يعرف الحقيقة الثالثة فوازندقتاه! .. وإذا عرف الحقائق الثلاثة ولكن لم يجد له سبيلا على نفسه ، فهو أسير شهواته ومثل هذه النفوس غير قابلة لأن تُعدّ في عداد العلماء.
ولنعم ما قال الشاعر :
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف اذا الرعاء لها ذئاب

إن علامة هذه الملكة الشريفة هي : الاجتناب عن العلوم الدنيوية إلا بمقدار ما يتوقف عليه العلم الأخروى .

الثانية: الفرارمن الأمراء والحكام لا سيما السلاطين ، إذا كان التقرّب طلباً للجاه والمال.
نعم لو تمت الحجة فيما بينه وبين ربه ، واطمئن إلى أن هذه الخلطة والعشرة نافعة للدين ، ولإقامة الشرع المبين ، ومواجهة المبدعين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما كان عليه ألأئمة الهادىن (ع) فهذا من خير الأعمال .. لكن هذا لا يتيسر إلا لمن يطمئن بعدم تأثير تصرفات الحكام في سلوكه ، والروايات شاهدة بأعلى صوتها على ذلك.. وهذه هي سيرة العلماء الأبرار .

الثالثة: أن يوافق قولُـه عملَه فلقـد روى عن الصادق (ع) في قوله تعالى : {إنما يخشى الله من عباده العلماء} . فاطر/28 .. يعني بالعلماء : من صدّق فعلُه قولَـه ، ومن لم يصدق فعلُه قولَه فليس بعالم.

الرابعة: أن يفرّ من الفتوى فراره من الأسد .. فلقد ورد أن أصحاب النبي (ص) كانوا لا يتقدمون في الجواب ، خوفاً من الوقوع في الخلاف.
وعليه أن يتحاشى الجدال والمناظرة ، لأن ذلك من أسباب الفتنة والخبائث ، كما تشهد به الأخبار.

الخامسة: أن يغلب عليه السكينة والحزن والوقار ، متجلياً فيه الخضـوع والخشوع ، بحيث يذكّر الله تعالى رؤيتُه ، ويشهد على علمِـه عملُه.. والشاهد على ذلك ما روى عن أمير المؤمنين (ع):
إن العلم ذو فضائل كثيرة .. إلى آخره . الكافي 1/48..
فعليك بالتأمل فيها ليكون نافعا لك إن شاء الله تعالى.

السادسة: أن يهتم بعلم الباطن ، ومراقبة القلب ، ومعرفة السلوك الأخروي .. فإن العلوم على قسمين: قسمٌ مدون في الكتب ، وقسمٌ منقوش في الصدور لا يمكن التعبير عنه بالألفاظ .. وليُعلم أن الفيوضات الغيبية ، إنما هي من القسم الثاني وبها تنكشف المعارف الحقة ، ويتحقق بها أصل الإنسانية ، ويصل العالم بها إلى مرحلة الكمال.

السابعة: أن يستفرغ وسعه في فهم الآيات والروايات ليكون ما فهمه – بنفسه – هو الحجة ما بينه وبين ربه ، لا تقليداً لما هو المسموع من الأقوال أو المدون في الكتب.. فكلام الغير كفعله ليس حجة على أحد ، ضرورة أنه لا عبرة بكلام غير من عصمه الله من الزلل ، ولعل إلى جملة ما ذُكر أشار النبي (ص) بعد تلاوته قوله تعالى :
{ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } . الأنعام/125.. عندما سئل عن شرح الصدر قائلاً: التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزوله . البحار 65/236..

فإن قلت أنك غير عامل بما تقول!.. قلت : نعم ، حقٌّ وصدقٌ .. أعاذنا الله من شر النفس وجمامها ، ووفقنا لما فيه خيرها وصلاحها ، لأن الحق مرّ والثبات عليه أمرّ ، وطريق تحصيله صعب وتلقيه أصعب ، فالنفوس تميل إلى ما هو في العمل أسهل ، والأبدان تنزع إلى ما هو للطبع أميل.
وبهذا تعرف – بقرينة المقابلة – وصف علماء السوء .. كما تعرف صفة الذين نصبوا أنفسهم في مقام الهداية والإرشاد.

أصناف المغرورين

اعلم أن فرق المغترين كلها غير محصورة ، وجهات الغرورأيضاً مختلفة.. ومعنى الغرور هو : خطأ النفس في الحكم ، فترى الشر خيرا ، والخير شراً ، كل ذلك بداعي الهوى .. وأصحاب الغرور والهوى على أقسام :
فمنهم الكفار الذين باعوا آجل الآخرة بعاجل الدنيا ، لنقص يقينهم بالله ورسوله .. وإن مما يثير العجب أنهم يرجعون إلى الخبير بالشيء عند جهلهم به كأربـاب الصناعات ، ولو أنهم رجعوا إلى الأنبياء – وهم الخبراء بمصالح العباد – لخرجوا من كفرهم.. ومما أوقعهم في الوهم أيضاً ما يرونه من ابتلاء المؤمنين بالفقر تارة ، وبأنواع من البلاء تارة أخرى ، والحال أن غيرهم من الكفار والفسّاق متنعمون متلذذون في دنياهم ، ومن هنا يصيبهم الغرور بأن ما أُعطوا إنما هو لكرامتهم وهوان غيرهم.. كذبوا والله العظيم !.. فإن ترادف النعم الدنيوية ليس دليلاً على القرب ، فلم يكن إقبال الدنيا على فراعنة العصور دليلاً على قربهم من الله تعالى ، بل كانت الدنيا سبب هلاكهم وبُعدهم عن الله جلّ جلاله.

ومن هنا كان أطباء النفوس يحذّرون أتباعهم من لذائذ الدنيا ، كالوالد البار الذي يحمي ولده عند المرض عن ضار الطعام ولو كان لذيذاً .. كلّ ذلك حبّا له وشفقه عليه.
وعليه فلو كان للمولى عبدان: عبدٌ أوكله المولى إلى نفسه ، وعبدٌ كلّفه بشاق الأعمال لتحصيل الصحة والكمال ، فيا ترى أيهما أحب إلى مولاه ؟!..

واعلم أن السلف الصالح كانوا يحزنون من إقبال الدنيا عليهم ويقولون : ذنب عجلت عقوبته ، ويفرحون بإدبارها عنهم ويقولون : مرحباً بشعار الصالحين .. والمغرور على العكس يظن الأول كرامة والثاني إهانة ، وإليه يشير قوله عز من قائل :
{ أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون سنستدرجهم من حيث لا يـعلمون } . المؤمنون/56.. { فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } .. الأنعام/44

ومنهم الفسقة من اهل الحق الذين غرّهم حلم رب العالمين وعفوه وفضله تارة ، وغلبة الرجاء عليهم تارة أخرى .. ومنهم من غرّه انتسابه إلى رسول الله (ص) غافلين جميعاً عن أن الرجاء بلا عمل غلط محض ، إذ لو كان الرجاء كافياً لما أتعب المعصومون (ع) أبدانهم الطاهرة في صنوف الطـاعات ، حارمين أنفسهم لذة الراحة ، مشتغلين في الليل والنهار بالابتهال والتضرع.
ولا يخفى عليك أن أقوالهم (ع) وإن كانت تقبل التأويل إلا أن أفعالهم ليست كذلك ، فافهم واغتنم .
واما المغرورين بالنسب ، فعليهم الالتفات إلى أن الركون إلى محض النسب يخالف قوله تعالى : { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} . المؤمنون/101 .. وكذلك قوله تعالى :
{ ولا تزر وازارة وزر أخرى }. فاطر /18.. فإن من يرى خلاص نفسه بخلاص غيره ، شأنه شأن من يرى أنه يشبع بشبع غيره، أو أنه يزداد علماً بعلم غيره وإن لم يتعب نفسه بالاكتساب .. هيهات هيهات!.. فالتقوى واجبة على كل فرد وجوباً عينياً ، ولا يجزي والد عن ولده ، بل يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه ، والشفاعة لا تكون إلا مع حصول شروطـها ، فهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى.

ومن أصناف المغرورين العلماء ، سواء كان غرورهم من جهة العلم أو من جهة العمل .
فاما من الجهة الأولى فطوائف وفرق:

ففرقة اكتفت بالجدل وإظهار الفضل في المجالس من دون أن تستضئ بنور العلم ولا بنور العمل ، فمثلها كمثل خيط في مهب الرياح تسوقه حيثما تريد.. وهؤلاء يُُعلم مآلهم بالتأمل في حالهم.

وفرقة توغلت في بعض العلوم الأدبية ، بتصور أنها من المقدمات الشرعية.. فصرفوا جلّ وقتهم في تحصيل تلك العلوم ، والحال أنهم جاهلون بما خُلقوا لأجله.

وفرقة انشغلت بعلوم الفقة وما يستلزمه من الأصول ، غافلين عن أن الفقة مقدمة للعمل ، والعمل مقدمة لتهذيب الأخلاق، والتهذيب مقدمة للتوحيد.. وبذلك تكون قد وقفت على المرحلة الاولى ، فلم يبق لديهم وقتٌ لطي باقي المراحل ، إلا أن يقال : أنها ستُطوى لهم في عالم البرزخ ، وإلا فلا مجال لذلك!..

وفرقة تعمقت في مختلف العلوم ، إلا أنها أهملت القوة العملية ، وأعرضت عن تزكية النفس .

وفرقة عملت بالواضحات الأخلاقية والسمعية ، ولكنها أهملت المكنونات القلبية والأمور الغامضة الخفية ، فتراه يتكبّر بدعوى إعزاز الدين ، ويرائي بدعوى إرشاد الجاهلين ، وكل هذا تغريرٌ لنفسه ، والله تعالى مطلع على سـريرته .. فتراه يخوض في أموال اليتامى والفقراء والمساكين ، ويصرفها في شهواته ، وفيمن يختلف إليه من الأنصار والمريدين ، ظناً منه أنه يستحق بذلك جزيل الأجر والمثوبة بإعانة الفقـراء ، وتخليص الأغنياء من اشتغال الذمة ، وترويج العلم بإعانة الطلبة والله العالم بالضمائر.

وفرقة أخرى من الوعاظ المتكلفين لشريف الملكات ، والداعين إلى الفضائل والمكرمات ، والمحذّرين من الخبائث والشبهات ، ولكنهم غارقون في المذموم من الصفات ، متوهمون أن معرفة اصطلاحات العارفين ونقل أقوالهم ، يُدخلهم في زمرة السالكين إلى الله تعالى ، وإن مجرد دعوتهم للخلق إلى الله تعالى يوجب لهم الجزاء الأوفى من رب العالمين.
وكأنّ هؤلاء لم يسمعوا كلام ربهم الموجب للحسرة والندامة يوم القيامة : {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} . الصف/3 .. ولم يسمعوا الحديث القدسي القائل: عظ نفسك ثم عظ الناس وإلا فاستح مني .

واعلم أن مِنْ هؤلاء مَنْ يتقن صناعة الألفاظ ، ويُكثر من التشبيهات والإستعارات ، ويلفّق الآيات مع الروايات جذباً لقلوب العوام ، معتمداً على ما هو الخارج عن الشرع والعقل ، من الحكايات العجيبة والقصص الغريبة ، حرصاً منه على حصول وقْع كلماته ومقالته في الصدور .. بل ينقل الشبهات التي لا يستوعبها العوام ، ليوجب زيادة في انحرافهم وجرأتهم على المعاصي من دون أن يشعر بذلك ، إن هؤلاء لا يمكن أن يكونوا هداةً للخلق ، فإنّ ضررهم أبقى وأدوم ، وفسادهم أكثر وأعظم بل هم أضلّ الناس ، وأخزى من الخناس.

وفرقة أخرى اشتغلت بتهذيب الباطن وتصفيته من لوث الكدورات ، وقطع النفس عن الشواغل والعلائق الدنيوية ، وقطعت طمعها من الخلق واتصلت بالخالق ، ودعتْها شفقتها على العباد إلى دعوتهم إلى طريق الهدى والسداد ، إلا أن الشيطان وجد بُغيته فيهم بدعواته الخفية ، فيبدأ أحدهم بالتصنع في الألفاظ والعبارات والحركات ، فيرى إقبالاً من الخلق باذلين له الأنفس والأموال ، فعندئذ تغلب عليه لذة الشهوات ، فيرجع إليها بعدما تركها ، اطمئنانا إلى أنه لا سبيل للشيطان عليه.. والحال أنه لو كان سالكاً طريق النجاة لما أمِنَ كيد الشيطان في حالٍ من الأحوال ، بل كان مواظباً على التضرع والابتهال ، ومستعيناً في دفعه بالكريم المتعال ، وخائفاً على نفسه من خطر سوء الخاتمة نعوذ بالله تعالى من ذلك.

وقد قيل أنه ظهر الشيطان لوليٍّ من الأولياء – بقي من عمره ساعة واحدة – فسأله الشيطان عن خوف ذلك الولي من كيده ، فأجابه : بأنه لا يأمن كيده حتى في تلك الساعة !.

وفرقة أخرى من الصوفية يتظاهرون بترك الدنيا ، والحال أنه لو أقبل عليهم شيءٌ منها بغتة لماتوا فرحا بها ، أنّى لهم وترك الدنيا !.. ولو سلّمنا أنهم تاركون للدنيا حقيقة ، فإن هذا المقدار لا يكفي للتقرب إلى الله تعالى ، بل لا بد من تحصيل عقائد أهل الإيمان ، وعدم ترك شعار الإسلام ، ومعرفة الحلال والحرام ، والسعي في الرزق ، وعدم القاء الكَلّ على الناس.

وفرقة أخرى تسمّت باسم العارفين ، واكتفت من العرفان بخفض الصوف ، وطأطأة الرأس ، والتشبّه بالباكين وخاصة إذا سمعت شيئاً في العشق والحب والتوحيد ، مع عدم معرفتهم لمعانيها .. بل تجاوز بعضهم الحد بالشهيق والنهيق واختراع الأذكار ، والتغني بالأشعار ، ثم الحركات الشنيعة بدعوى الوجد ، ظانين أنهم يتقربون إلى الله بذلك ، والحال أنهم يتعرضون لسخطه ومقته.

وفرقة تعدّت هذه المقامات ، وانسلخت عن قيود الشريعة مرتكبين الحرام والمشتبهات ، تاركين المستحبات والواجبات ، بدعوى أن الله تبارك وتعالى غنيّ عن الطاعات ، وأن المناط هو عمل القلب فلا داعي للعمل بالجوارح ، إذ أن الواصل الواله المستغرق في مشاهدة المحبوب ، مستغن عن مثل ذلك.

فعند ذلك يخوض في الشهوات الدنيوية ، زعما منه أنها لا تصد عن المعارف الحقيقة مع قوة النفوس وثبات الأقدام ، وأن الذي يحتاج إلى رياضة البدن إنما هو من عوام الناس ، وأن السالك طريق المجاهدة والعمل بالشريعة إنما هو من المبتدئين !

فنقول في ردهم : إن الأمر لو كان كذلك ، فلِمَ كان أئمة الهدى (ع) – وهم المقصودون في خلق السماوات والأرض – يلتجأون إلى الله تعالى بالتضرع والبكاء ، لاشتغالهم بالمباحات من الأكل والشرب وغيره ، لئـلا يكون ذلك مانعاً من الدرجات العلى في جوار رب العالمين؟!.. فهذه الفرقة من أضعف الناس عقلاً ، وهم أشد جهلاً وحمقاً.

وآخر قد غرق في الأوهام البعيدة ، مدعياً أنه قد وصل إلى أعلى درجات المقربين ، وأنه في رتبة مشاهدة المعبود ، ومجاورة المحمود ، والملازمة في عين الشهود ، ملفّقاً الكلمات الباطلة ، متوهماً أنه اطلع على الملك والملكوت ، وحلّ بساحة القدس والجبـروت ، وعندئذ ينظـر بعين التحقير والإزدراء إلى العلماء والصالحين والفقهاء ، مدعياً لنفسه من خوارق العادات ما لم يدّع لنفسه أحدٌ من الأنبياء والأولياء ، والحال أنه لم يؤذن في التصرف في طبائع الأشياء لكل من أراد ذلك ، بل إن ذلك خاص بالأنبياء ولمن أراد الله تعالى له ذلك ، ولا يستفاد أكثر من ذلك في الاخبار.

ومن أدلة جهلهم أنهم يرتكبون شنائع الأفعال ، بدعوى قهر النفس وإزالة ملكاتها الرذيلة ، والحال أن عملهم هـذا لهو من ذمائم الصفات ، وهل يُدفع الرذيلة بالرذيلة ، والذميمة بالذميمة؟!..

وهل خلت الشريعة من الرياضات الحقة : كقيام الليـل ، وصوم النهار ، والأسفار العبـادية وغيره ، لتصل النوبة إلى الرياضات المخترعة ؟!.

وفرقة اشتغلت بالرياضات الشرعية الصحيحة ، وقطعت بعض المراحل السـلوكية ، وظهرت بعض العلامات الحقيقية إلا أنها أيضاً وقعت في الخلط والاشتباه ، لعظمة الأمر ، ظناً منهم الوصول إلى الله جل جلاله ، والسر في ذلك الاشتباه أن لله تعالى سبعين حجاباً من نور ، ولا يصل السالك إلى واحد منه إلا وهو يظن أنه لا مجال للتعدي عنه .

وليُعلم هنا أن من جملة الحجب هو حجاب القلب عندما يتنور بالنور ، فيظهر القلب لصاحبه بعد أن كان محجوباً ، ولذا تقول في الدعاء:
إلهي قلبي محجوب وعقلي مغلوب.

فإذا تنور القلب ورأى صاحبه أنه صار جميلاً ، فحينئذٍ تصيبه الدهشة وربما يسبق إلى لسانه كلمة أنا الحق أو ليس في جبتي سوى الله ، أو إني كعبة ألا طوفوا حولي ، ونحو هذه من الخرافات ، فإذا لم يخرج من هذه الحجابية بقى في الضلالة أبد الآباد.. ومن هنا أيضاً قالت النصارى في المسيح ما قالوا .

وكيف كان ، فهذا من مزال أقدام السالكين .. ولقد كان أستاذنا يوصي دائماً تلاميذه محذّراً إياهم من الخلط والاشبتاه قائلاً :
( يستحيل أن يكون الممكن واجباً والله الهادي ).. ومن هنا يُعلم معنى : والمخلِصون على خطر عظيم .

واعلم أنك لن تخرج من ظلمات الغرور والتمني إلا بالتضرع التام ، وبصدق الإنابة إلى الله تعالى والإخبات له ، ومعرفة عيوب نفسك ، تلك العيوب التي لا توافق العلم والعقل ، ولا يقره الدين والشريعة ، وسنن القدوة من أئمة الهدى سلام الله عليهم أجمعين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى