الطريق إلى الله

الباب الأول : في الحاجة إلى تهذيب الأخلاق

.الباب الأول
في الحاجة إلى تهذيب الأخلاق ، وبيان ثمرته وشدة الاعتناء بشانه

اعلم أيدك الله أنّ النبي صلى الله عليه وآله قال: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق . البحار : 68/382 ولا التباس في ذلك ، فإنّ أمر المعاد والمعاش لا ينتظم ، ولا يتهنأ طالبه إلا بالخُلق الكريم ، فلا تتوهم أن العمل الصالح الكثير ينفع من دون تهذيب الخلق وتقويمه ، بل يجيئ الخلق السيئ فيُفسد العمل الصالح ، كما يفسد الخلّ العسل [الكافي : 2/321] .. فأي نفع فيما عاقبته الفساد؟.

ولا تتوهّم أنّ العلم الكثير ينفع من دون إصلاح الخلق وتهذيبه ، حاشا وكلا ّ، فإنّ أهل البيت عليهم السلام قالوا: لا تكونوا علماء جبّارين ، فيذهب بحقكم باطلُكم . أمالي الصدوق : 9/294

ولا تتوهّم أنّ صاحب الخلق السيئ ، يقدر أن يتهنّأ (1) بمعاشرة والد أو ولد أو زوج ……………

(1) إنّ هذا المدخل الذي دخل منه المؤلف مدخلٌ مهمٌّ لجذب النفوس التي لا تستجلبها المعاني الإلهية التي تحتاج إلى بلوغ روحي ، كطلب درجة الرضوان الإلهي ، والنظر إلى الوجه الكريم وغير ذلك .. فليس هناك عاقلٌ لا يريد السعادة الإجتماعية والحياة الدنيوية المستقرّة إلى جانب الرغبة في العاقبة الحميدة ، سواء في البرزخ أو القيامة .. وعليه فإنّ سلوك هذا الطريق يضمن الاطمئنان القلبي والاستقرار الاجتماعي ، وهما الضالتان التي فقدهما أهل الدنيا باتباعهم عن نهج السماء .( المحقق )

……. أو صديق أو رفيق أو دار أو أستاذ أو تلميذ ..كلا ، بل كلهم يتأذّون منه وينفرون عنه ، وكيف يمكنه اكتساب الكمالات المتفرّقة في الناس ، وأهل الكمال ينفرون منه ويهربون عنه ؟!..

واعلم أنّ من نظر إلى طريقة أهل البيت عليهم السلام ، وتتبع في أثارهم وجد هدايتهم للخلق ، وجلبهم للدين ، إنما هو بأخلاقهم الكـريمة ، وبذلك أمروا شيعتهم فقالـوا : كونوا دعاة للنـاس بغير ألسنتكم . الكافي : 2/46..
بل يعنون بأخلاقكم الكريمة ، وأفعالكم الجميلة ، حتى تكونوا قدوة لمن اقتدى ، وأسوة لمن تأسّى.

فإذا ظهر أنّ أمر المعاش والمعاد إنما يتمّان بمكارم الأخلاق ، وإنّ إتمام مكارم الأخلاق هو فائدة البعثة ، التي ما صلح الوجود إلا بها ، تبيّن أنّ تهذيب الأخلاق مقدّمٌ على كلّ واجب وأهم من كل لازم ، ومع ذلك هو مفتاح كل خير ، والمنبع لكل حسن ، والجالب لكل ثمرة ، والمبدأ لكل غاية.

انظر فيما ورد من أنّ الكفار يثابون على مكارم الأخلاق .. وفي الذي كان دأبه مخالفة النفس فجرّه ذلك إلى الإيمان .. وفي الذي كان سخياً وكان من الأسرى عند النبي صلى الله عليه وآله ، فنزل جبرائيل (ع)من الله عزّ وجلّ بأن : لا تقتلوه لسخائه ، فجرّه ذلك إلى السلامة من القتل في العاجل ، والفوز بالجنة آجلاً . البحار : 68/390.

فإذا عرفت هذه المقدمة ، التي يظهر لكل من اختارها وجرّبها صحتها وصدقها ، فاعلم – وفّقك االله وأرشدك – أنّ لأهل البيت (ع) أصولاً في الأخلاق ، وقواعد وضوابط تُعين ملاحظتها على كسب الأخلاق بسهولة ويسر ، لا بتكلف وعسر ، كما يدور عليه كلام علماء الأخلاق.

فإنّ النبي (ص) أتانا في علم الشريعة بالشريعة السمحة السهلة ، موافقاً لما أخبرنا به ربه عزّ وجلّ ، من أنه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر ، وأنه ما جعل علينا في الدين من حرج .. كذلك في علم الطريقة فتح لنا أبواب اليسير ، وسدّ عنا أبواب العسير.

فلا يثبطنّك الشيطان عن أخذ نصيبك من علم الأخلاق ، بأن ذلك أمر صعب يتوقف على مجاهدة النفس ، ورياضات بالغة !.. وأين أنت عن ذلك؟!.. فإنا رأينا أهل المجاهدات الشاقة ، والرياضات البالغة ، ما أوصلتهم إلا لمقاصد دنيوية ، ومقامات ردية ، من غير رسوخ لهم بطريقة أهل البيت عليهم السلام ، ولا تشبه لهم في أطوارهم.(2)

(2) لقد أشار المصنف هنا إلى ظاهرةٍ خطيرةٍ طالما أوقعت مدّعي السير إلى الله تعالى في الوهم .. فحصروا الطريق بتعذيب النفس بالرياضات التي ما أنزل الله تعالى بها من سلطان ، فخسروا لذّة الدنيا ، ولم يصلوا إلى لذّة الآخرة . والسرّ في ذلك أنهم جعلوا جهاد النفس ذريعةً لحيازة شيء من متاع الدنيـا – ولو كان جلباً للمريدين – لعلمهم أن السيطرة على النفس بقواها المختلفة تجعلها مؤثرة في بعض الأمور ، فأنّ النفس طاقةٌ من طاقات هذا الوجود مليئةٌ بالأسرار المذهلة ، فكما أنّ الطاقات الأرضية تعمـل الأعاجيب في عالم الآفاق ، فكذلك الطاقات النفسية تعمل الغرائب في عالم الأنفس .. ولكن لنتساءل ونقول: هل أننا خلقنا لمثل ذلك ؟!.. وهل طلب منا المجاهدة لنحقق حظاً من حظوظ أنفسنا؟….( المحقق )

وأصل هذا المعنى وبيانه: أن تعلم أن الله سبحانه وتعالى بلطف حكمته وجميل صنعته بهر العقول ، وامتحن أهلها ، بأن طلب من الخلق أمورا كلية عظيمة ، وجعل مفاتيحها امورا جزئية حقيرة ، فمن استعظم الامور الموصلة إليها وتهاون عنها ، فاته ما أريد منه ، وكان ذلك من أعظم الامتحان له ، ومن توسّل بتلك الأمور الجزئية ، أوصلته إلى تلك المطالب النفيسة الكلية ، فهو لم يأت إلا الجزئي الحقير مع أنه أوصله إلى الكلي النفيس الكثير ، وذلك من أعظم السعادات له.
فتدبّر هذه الحكمة البالغة ، وأمعن النظر فيها ، يظهر لك كيف أقام الحجة البالغة على هذا الخلق ، وأكمل لهم النعمة السابغة.

فيا لها من نعمة!..كيف أوصلهم بهذه الجزئيات إلى هذه المراتب السامية ؟!..
ويا لها من حجةٍ !.. كيف عرّضوا أنفسهم للهلكةالدائمة ، والعقاب الأليم ، وكان يخلّصهم منها الإتيان بجزئيات حقيرة؟!..

فمن تأمّل هذه الحكمة واقتبسها من آثار أهل البيت عليهم السلام ، ظهر له معنى قوله: إنّ من استقلّ قليل الرزق حرم كثيره [ الكافي:2/207] وأنّ مبدأ كل الشرور والمهلكات هو استقلال القليل ، واستحقار الحقير.
كما أن مبدأ الخير نابعٌ من مهفوم هذا الحديث ، فإنّ مَن لم يستقلّ قليل الرزق لم يُحرم كثيره.

وبعد تتبعك هذا المعنى تجد شواهده في الحبل المحكم ، والأخبار لا تُحصى ولا تُعد منها قولهم: اتقوا محقرات الذنوب [ الكافي:2/207].

وقولهم: لا تستحقروا طاعة ً، فربما كان رضا الله تعالى فيها .. ولا تستحقروا معصيةً .. فربما كان سخط الله فيها.
إلى غير ذلك من أخبارهم عليهم السلام ، فاتضح للمستبصر المسترشد أن طريقة الشرع الشريف المحمدية ، إنما هي مبنية على أمور جزئية سهلة يسيرة بإذن الله موصلة إلى أسنى المطالب وأهنى الرغائب.(3)

(3) إنّ هذا الأسلوب من الترغيب مؤثرٌ في النفوس التي تخشى البدء بالحركة بعد مرحلة اليقظة ، ظناً منها بأن طريق الآخرة سالبةٌ لنعيم الدنيا وملذاتها.. وأنّ الأمر يحتاج إلى مجاهداتٍ مرهقةٍ كالتي يتبعها المرتاضون من أهل الفرق المنحرفة بل الكافرة .. وأنّ الغايات لا تُنال إلا بما يلحق بالمعسورات أو المتعذرات وغير ذلك من موجبات الوهن .
والحال أنّ الشريعة ما حرّمت حراماً إلا وكان – في الغالب – حـلالاً بجانبـه بدلاً عنه .. ودائرة الإلزاميات – فعلاً وتركاً – أضيق بكثير من دائرة المباحات بما لا يُقاس معه .. فأين التضييق الذي يجعله العبد ذريعةً للركون إلى ما يشبه حياة البهائم التي همّها علفها وشغلها تقممها ؟!..( المحقق )

ويزيد هذا المعنى وضوحاً ، التأمل في الحديث القدسي ، حيث يقول رب العزة سبحانه : أن من تقرّب إليّ شبراً أتقرّب إليه ذراعاً . [الجواهر السنية : 129].
فإذا كان هو سبحانه يدنو إلى من دنا منه ، ويدعو إلى نفسه من أدبر عنه ، فكيف بمن أقبل إليه ، وقرع بابه؟!..

وكفاك قول سيد العابدين في دعاء السحر: وإن الراحل إليك قريب المسافة ، وإنك لا تحتجب عن خلقك إلا أن تحجبهم الآمال دونك ، أو تحجبهم الأعمال السيئة .. في بعض النسخ.

فيا أيها الأخ الطالب للإقبال على الله !.. والمتمني لهذه المرتبة السنيّة ، استمع مني مقالة ناصحٍ لك ، مقتبسة من مشكاة أهل البيت عليهم السلام لا سواهم ، لأن من شذّ عنهم شذّ إلى النار وهي:

إنك بعد أن علمت أن المطلوب من العبد التخلّق بالأخلاق الكريمة التي بشرفها نسبت إلى الرب ، رب العزة ، فقد ورد عنهم : تخلّقوا بأخلاق الله. شرح الاسماء الحسنى للسبزواري : 2/41
وهي أخلاق محمد (ص) وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وشيعتهم.

واعلم أنّ قوام ذلك المعنى ونظامه إنما هو الجلوس على بساط الاستقامة ، ومجانبة الإفراط والتفريط ، فتقرّب إلى الله تعالى بما تيسّر لك من الطاعات ، واجتناب ما يكرهه من السيئات.

واجعل بناء أمرك على عدم المسامحة والمماهلة في جزئي ولا كلي ، فكل ما تعلمه راجحاً من الأمور المعلومة الرجحان اجعل همك في فعله ، ولو كان جزئياً حقيراً في نظرك ، وكل ما تعلمه بعدم الرجحان من الأمور فاجعل همك في تركه واجتنابه، وإن كان جزئياً حقيراً في نظرك.

ولا تجعل بناء أمرك على التسامح والتساهل لا في جزئي ولا كلي ، بل ليكن أمرك مبنياً على الضبط والاتقان.

وإياك أن تتعلق بالإكثار من الأعمال من دون ملاحظة الضبط والإتقان ، فإن ّأمراً واحداً تتقنه وتضبطه وتوقعه على وجهه على وفق الوضع المراد ، ينتج نتيجه الألوف من الأعمال الحسنة ، لا على وجه الضبط والإتقان، بل الآلاف الكثيرة من الأعمال الحسنة غير المتقنة ، لا تنتج نتيجة واحدة من الأعمال المتقنة المضبوطة ،
بل لا نسبة بينها عند أهل المعرفة والحكمة.(4)

(4) هذه صورةٌ من الواقعية والمنطقية في منهج المؤلف .. فإنه يحاول أن يرفع بمستوى السالك إلى مرتبة الربط دائماً بين الأسباب والنتائج ، وإنّ الفعل لا ينبغي أن يقوم به العبد مبتورة عن الهدف الذي يسعى إليه ، ألا وهو تحقيق العبودية الشاملة لله رب العالمين .. فالفعل الكثير الذي لا يحقق الهدف لا قيمة له ، كما لو كان رياءً ، أو مزاحماً لواجب أهم ، أو موجباً للغرور والعجب ، أو داعياً لنفرة النفس من أصل الطريق …..( المحقق )

لا أقول لك: لا يقع منك الإخلال بجزئي ولا بكلي ، حتى تستعظم هذا المعنى وتقول: إنى لي به ، وأنا أنا.

بل أقول لك: لا تجعل بناء أمرك على الإخلال بجزئي مسامحة ومساهلة ، فأما إذا وقع منك الإخلال بأمرٍ لغلبة الهوى ، ومخادعة النفس والشيطان، فذلك أمر آخر ، وذلك من شأن غير المعصوم ، فمقصودنا توطين النفس على عدم المسامحة والمساهلة.

فهذه الجزئيات من الشرع عند المواظبة عليها ، وترك التسامح والتساهل فيها ، تفيد الترقّي والوصول إلى المقامات الرفيعة العالية ، فإن الله سبحانه قد جعلها بإذنه مفاتيح تلك الخزائن ، ومن قبض مفاتيح الخزائن بيده استغنى وفاز فوزاً عظيماً.

ولولا خشية الإطناب لأوضحت إيضاحاً شافياً ، وأكثرت الشواهد عليه ، وهو حقيق بذلك ، فإنه أتقن وأضبط باب يفتح منه ألف باب من الحكمة الإلهية ، وعسى أن نزيده بياناً في الأبواب الآتية إن شاء الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى