الجزء السادس والتسعون كتاب الحج والعمرة

باب الوقوف بعرفات وفضله وعلله وأحكامه والإفاضة منه

قال الحسن بن عليّ بن أبي طالب (ع) : جاء نفرٌ من اليهود إلى رسول الله (ص) فسأله أعلمهم من مسائل ، فكان فيما سأله :
أخبرني لأيّ شيءٍ أمر الله بالوقوف بعرفات بعد العصر ؟.. قال النبي (ص) :
إنّ العصر هي الساعة التي عصى فيها آدم ربّه ، وفرض الله عزّ وجلّ على أمّتي الوقوف والتضرّع والدعاء في أحبّ المواضع إليه ، وتكفّل لهم بالجنّة ، والساعة التي ينصرف فيها الناس هي الساعة التي تلقّى فيها آدم من ربّه كلماتٍ فتاب عليه ، إنّه هو التواب الرحيم ، ثمّ قال النبي(ص) :
والذي بعثني بالحقّ بشيراً ونذيراً !.. إنّ لله باباً في السماء يقال له باب الرحمة ، وباب التوبة ، وباب الحاجات ، وباب التفضل ، وباب الإحسان ، وباب الجود ، وباب الكرم ، وباب العفو ، ولا يجتمع بعرفات أحدٌ إلاّ استأهل من الله في ذلك الوقت هذه الخصال .
وإنّله عزّ وجلّ مائة ألف ملك مع كلّ ملك مائة وعشرون ألف ملك ، ولله رحمة على أهل عرفات ينزلها على أهل عرفات ، فإذا انصرفوا أشهد الله ملائكته بعتق أهل عرفات من النار ، وأوجب الله عزّ وجلّ لهم الجنّة ، ونادى منادٍ : انصرفوا مغفورين فقد أرضيتموني ورضيت عنكم .
قال : اليهودي : صدقت يا محمّد !.. ص 249
المصدر:أمالي الصدوق ص187

قال الباقر (ع) : دعا النبي (ص) يوم عرفة حين غابت الشمس ، فكان آخر كلامه هذا الدعاء ، وهملت عيناه بالبكاء ثمّ قال :
اللهمّ !.. إنّي أعوذ بك من الفقر ، ومن تشتت الأمور ، ومن شرّ ما يحدث بالليل والنهار ، أصبح ذلي مستجيراً بعزّك ، وأصبح وجهي الفاني مستجيراً بوجهك الباقي ، يا خير مَن سئل ، وأجود مَن أعطى ، وأرحم مَن استرحم !.. جلّلني برحمتك ، وألبسني عافيتك ، واصرف عني شرّ جميع خلقك . ص251
المصدر:قرب الإسناد ص12

قال الباقر (ع) : ما من برّ ولا فاجرٍ يقف بجبال عرفات فيدعو الله ، إلاّ استجاب الله له ، أمّا البرّ ففي حوائج الدنيا والآخرة ، وأمّا الفاجر ففي أمر الدنيا .ص 251
المصدر:قرب الإسناد ص166

قال الباقر (ع) :لقد نظر عليّ بن الحسين (ع) يوم عرفة إلى قوم يسألون النّاس فقال :
ويحكم !.. أغير الله تسألون في مثل هذا اليوم ؟.. إنّه ليرجى في هذا اليوم لما في بطون الحبالى أن يكون سعيداً .ص252
المصدر:الخصال 2/294

سئل الصادق (ع) : لِمَ سميّ يوم التروية يوم التروية ؟.. قال: لأنّه لم يكن بعرفات ماء ، وكانوا يستقون من مكّة من الماء ريّهم ، وكان يقول بعضهم لبعض :
تروّيتم ؟.. ترويتم ؟.. فسمّي يوم التروية لذلك .ص254
المصدر:العلل ص435

قال الصادق (ع) : الحاجّ إذا دخل مكّة وكل الله به ملكين ، يحفظان عليه طوافه وصلاته وسعيه ، فإذا وقف بعرفة ضربا على منكبه الأيمن ثمّ قالا : أمّا ما مضى فقد كُفيته ، فانظر كيف تكون فيما تستقبل .ص 254
المصدر:ثواب الأعمال ص43

كان الباقر (ع) إذا كان يوم عرفة لم يردّ سائلاً . ص254
المصدر:ثواب الأعمال ص128

قال الصادق (ع) : من مرّ بالمأزمين وليس في قلبه كبر غفر الله له ، قيل له : ما الكبر ؟.. قال : يغمص (أي يحتقر) النّاس ، ويسفّه الحقّ ، وقال : وملكان موكّلان بالمأزمين يقولان : ربّ سلّم سلّم . ص255
المصدر:المحاسن ص66

قال السجاد (ع) وهو واقف بعرفات للزهري : كم تقدّر من الناس ههنا ؟.. قال : أقدّر أربعة ألف ألف وخمسمائة ألف كلّهم حجّاج ، قصدوا الله بأموالهم ، ويدعونه بضجيج أصواتهم ، فقال له :
يا زهري !.. ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج !.. فقال الزهري : كلّهم حجاج أفهم قليل ؟.. فقال:
يا زهري !.. ادن إليّ وجهك ، فأدناه إليه فمسح بيده وجهه ثمّ قال : انظر !.. فنظر إلى الناس ، قال الزهري : فرأيت أولئك الخلق كلّهم قردة ، لا أرى فيهم إنساناً إلاّ في كل عشرة ألف واحد من الناس .
ثم قال لي : ادن يا زهري !.. فدنوت منه فمسح بيده وجهي ، ثم قال : انظر فنظرت إلى الناس ، قال الزهري : فرأيت أولئك الخلق كلّهم خنازير .
ثم قال لي : ادن إليّ وجهك ، فأدنيت منه فمسح بيده وجهي ، فإذا هم كلّهم ديبه إلاّ تلك الخصايص من الناس النفر اليسير .
فقلت : بأبي وأمّي أنت يا بن رسول الله !.. قد أدهشتني آياتك وحيرتني عجائبك قال :
يا زهري !.. ما الحجيج من هؤلاء إلاّ النفر اليسير الذين رأيتهم بين هذا الخلق الجمّ الغفير ، ثمّ قال لي : امسح يدك على وجهك ففعلت فعاد أولئك الخلق في عيني أناساً كما كانوا أوّلاً .
ثمّ قال لي : مَن حجّ ووالى موالينا ، وهجر معادينا ، ووطّن نفسه على طاعتنا ، ثمّ حضر هذا الموقف مسلماً إلى الحجر الأسود ما قلّده الله من أمانتنا ووفيّاً بما ألزمه من عهودنا ، فذلك هو الحاج والباقون هم مَن قد رأيتهم.
يا زهري !.. حدّثني أبي عن جدّي رسول الله (ص) أنّه قال :
ليس الحاج المنافقون المعاندون لمحمّد وعليّ ومحبّيهما الموالون لشانئيهما ، وإنّما الحاجّ المؤمنون المخلصون الموالون لمحمّد وعليّ ومحبيّهما المعادون لشانئيهما ، إنّ هؤلاء المؤمنين الموالين لنا المعادين لأعدائنا ، لتسطع أنوارهم في عرصات القيامة على قدر موالاتهم لنا ، فمنهم مَن يسطع نوره مسيرة ثلاثمائة ألف سنة ، وهو جميع مسافة تلك العرصات ، ومنهم مَن تسطع أنواره إلى مسافات بين ذلك يزيد بعضها على بعض على قدر مراتبهم في موالاتنا ومعاداة أعدائنا ، يعرفهم أهل العرصات من المسلمين والكافرين بأنّهم الموالون المتولّون المتبرّؤن ، يقال لكلّ واحد منهم :
يا وليّ الله !.. انظر في هذه العرصات إلى كلّ مَن أسدى إليك في الدنيا معروفاً ، أو نفّس عنك كرباً ، أو أغاثك إذ كنت ملهوفاً ، أو كفّ عنك عدواً ، أو أحسن إليك في معاملةٍ فأنت شفيعه ، فإن كان من المؤمنين المحقّين زيد بشفاعته في نِعَم الله عليه ، وإن كان من المقصّرين كُفي تقصيره بشفاعته ، وإن كان من الكافرين خفّف من عذابه بقدر إحسانه إليه .
وكأني بشيعتنا هؤلاء يطيرون في تلك العرصات كالبزاة والصقور ، فينقضّون على مَن أحسن في الدنيا إليهم انقضاض البزاة والصقور على اللحوم تتلقّفها وتخطفها ، فكذلك يلتقطون من شدايد العرصات مَن كان أحسن إليهم في الدنيا ، فيرفعونهم إلى جنّات . ص 259
المصدر:تفسير الإمام ص257

قال رجل لعلي بن الحسين (ع) : يا بن رسول الله (ص) !.. إنّا إذ وقفنا بعرفات ومنى ، وذكرنا الله ومجّدناه ، وصلينا على محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ذكرنا آباءنا أيضا بمآثرهم ومناقبهم وشريف أعمالهم ، نريد بذلك قضاء حقوقهم ، فقال عليّ بن الحسين (ع) :
أَوَ لا أنبئكم بما هو أبلغ في قضاء الحقوق من ذلك ؟.. قالوا : بلى ، يا بن رسول الله !.. قال (ع) : أفضل من ذلك وأولى أن تجدّدوا على أنفسكم ذكر توحيد الله والشهادة ، وذكر محمد رسول الله والشهادة له بأنّه سيّد النبيين ، وذكر عليّ وليّ الله والشهادة له بأنّه سيد الوصيين ، وذكر الأئمة الطاهرين من آل محمد الطيبين بأنهم عباد الله المخلصين ، وبأنّ الله عزّ وجلّ إذا كان عشية عرفة وضحوة يوم منى ، باهى كرام ملائكته بالواقفين بعرفات ومنى وقال لهم :
هؤلاء عبادي وإمائي حضروني ههنا من البلاد السحيقة البعيدة ، شعثاً غبراً قد فارقوا شهواتهم وبلادهم وأوطانهم وأخدانهم ابتغاء مرضاتي ، ألا فانظروا إلى قلوبهم وما فيها ، فقد قوّيت أبصاركم يا ملائكتي على الاطلاع عليها ، قال :
فتطّلع الملائكة على قلوبهم فيقولون :
يا ربّنا !.. اطّلعنا عليها وبعضهم سود مدلهمّة ، يرتفع عنها كدخان جهنّم ، فيقول الله : أولئك الأشقياء الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، تلك قلوبٌ خاوية من الخيرات خالية من الطاعات مصّرة على الموذيات المحرّمات ، تعتقد تعظيم مَن أهنّاه ، وتصغير مَن فخّمناه وبجّلناه ، لئن وافوني كذلك لأشدّدن عذابهم ، ولأطيلنّ حسابهم .
تلك قلوب اعتقدت أنّ محمداً رسول الله (ص) كذب على الله ، أو غلط عن الله في تقليده أخاه ووصيه إقامة أود عباد الله والقيام بسياساتهم ، حتّى يروا الأمن في إقامة الدين في إنقاذ الهالكين ، ونعيم الجاهلين ، وتنبيه الغافلين الذين بئس المطايا إلى جهنّم مطاياهم !.. ثمّ يقول الله عزّ وجلّ :
يا ملائكتي !.. انظروا فينظرون فيقولون :
ربّنا !.. وقد اطّلعنا على قلوب هؤلاء الآخرين وهي بيضٌ مضيئةٌ ، يرتفع عنها الأنوار إلى السماوات والحجب وتخرقها إلى أن تستقر عند ساق عرشك يا رحمن !.. يقول الله عزّ وجلّ :
أولئك السعداء الذين تقبّل الله أعمالهم ، وشكر سعيهم في الحياة الدنيا ، فإنّهم قد أحسنوا فيها صنعاً ، تلك قلوبٌ حاويةٌ للخيرات ، مشتملةٌ على الطاعات ، مدمنةٌ على المنجيات المشرفات ، تعتقد تعظيم مَن عظّمناه ، وإهانة مَن أرذلناه ل، ئن وافوني كذلك لأثقلنّ من جهة الحسنات موازينهم ، ولأخفّفنّ من جهة السيئات موازينهم ، ولأعظمنّ أنوارهم ، ولأجعلنّ في دار كرامتي ومستقر رحمتي محلّهم وقراراهم .
تلك قلوبٌ اعتقدت أنّ محمداً رسول الله (ص) هو الصادق في كلّ أقواله ، المحقّ في كلّ أفعاله ، الشريف في كلّ خلاله ، المبرّز بالفضل في جميع خصاله ، وأنّه قد أصاب في نصبه أمير المؤمنين علياً إماماً وعلماً على دين الله واضحاً ، واتخذوا أمير المؤمنين إمام هدى وواقياً من الرّدى ، الحقّ ما دعا إليه والصواب والحكمة ما دّل عليه ، والسعيد مَن وصل حبله بحبله ، والشقي الهالك مَن خرج من جملة المؤمنين به والمطيعين له ، نِعْمَ المطايا إلى الجنان مطاياهم !..
سوف ننزّلهم منها أشرف غرف الجنان ، ونسقيهم من الرحيق المختوم من أيدي الوصائف والولدان ، وسوف نجعلهم في دار السلام من رفقاء محمد نبيّهم زين أهل الإسلام ، وسوف يضمّهم الله ثمّ إلى جملة شيعة عليّ القرم الهام ، فنجعلهم بذلك من ملوك جنّات النعيم خالدين في العيش السليم والنعيم المقيم ، هنيئاً لهم جزاء بما اعتقدوه وقالوه ، بفضل الله الكريم الرحيم نالوا ما نالوه .ص 261
المصدر:تفسير الإمام ص258

نظر علي بن الحسين (ع) يوم عرفة إلى رجالٍ يسألون فقال (ع) : هؤلاء شرارٌ من خلق الله ، الناس مقبلون على الله ، وهم مقبلون على الناس .ص261
المصدر:عدة الداعي ص70

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى