الجزء السادس والتسعون كتاب الحج والعمرة

باب فضل الحجر وعلة استلامه واستلام سائر الأركان

بينا نحن في الطواف إذ مرّ رجل من آل عمر ، فأخذ بيده رجل فاستلم الحجر ، فانتهره وأغلظه وقال له : بطل حجّك، إنّ الذي تستلمه حجرٌ لا يضرّ ولا ينفع ، فقلت لأبي عبد الله (ع) : جُعلت فداك !.. أما سمعت قول العمري لهذا الذي استلم الحجر ؟.. قال : فأصابه ما أصابه ، فقال : وما الذي قال ؟.. قلت : قال له : يا عبد الله !.. بطل حجّك ، ثمّ إنّما هو حجرٌ لا يضرّ ولا ينفع ، فقال أبو عبد الله (ع) :
كذب ثمّ كذب ثمّ كذب ، إنّ للحجر لساناً ذلقاً يوم القيامة يشهد لمن وافاه بالموافاة ، ثمّ قال :
إنّ الله تبارك وتعالى لمّا خلق السماوات والأرض ، خلق بحرين بحراً عذباً وبحراً أجاجاً ، فخلق تربة آدم من البحر العذب ، وشنّ عليها من البحر الأجاج ، ثمّ جبل آدم فعرك عرك الأديم فتركه ما شاء الله .
فلمّا أراد أن ينفخ فيه الروح أقامه شبحاً ، فقبض قبضةً من كتفه الأيمن فخرجوا كالذر ، فقال : هؤلاء إلى الجنّة ، وقبض قبضةً من كتفه الأيسر فقال : هؤلاء إلى النار ، فأنطق الله عزّ وجلّ أصحاب اليمين وأصحاب اليسار ، فقال أهل اليسار : يا ربّ !.. لِمَ خلقت لنا النار ولم تبيّن لنا ، ولم تبعث إلينا رسولاً ؟.. فقال الله عزّ وجلّ لهم :
ذلك لعلمي بما أنتم صائرون إليه وإني سائلكم ، فأمر الله عزّ وجلّ النار فأسعرت ، ثمّ قال : لهم تقحّموا جميعاً في النار ، فإنّي أجعلها عليكم برداً وسلاماً ، فقالوا :
يا ربّ !.. إنّما سألناك لأي شيءٍ جعلتها لنا هرباً منها ، ولو أمرت أصحاب اليمين ما دخلوا ، فأمر الله عزّ وجلّ النار فأسعرت ثمّ قال لأصحاب اليمين : تقحموا جميعاً في النار !.. فتقحموا جميعاً فكانت عليهم برداً وسلاماً ، فقال لهم جميعاً :
الست بربّكم ؟.. قال أصحاب اليمين : بلى طوعاً ، وقال أصحاب الشمال : بلى كرهاً ، فأخذ منهم جميعاً ميثاقهم ، وأشهدهم على أنفسهم .
قال : وكان الحجر في الجنّة فأخرجه الله عزّ وجلّ ، فالتقم الميثاق من الخلق كلّهم فذلك قوله عزّ وجلّ :
{ وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون } .
فلما أسكن الله عزّ وجلّ آدم الجنة وعصى ، أهبط الله عزّ وجلّ الحجر فجعله في ركن بيته ، وأهبط آدم على الصفا فمكث ما شاء الله ، ثمّ رآه في البيت فعرفه وعرف ميثاقه وذكره ، فجاء إليه مسرعاً ، فأكبّ عليه وبكى عليه أربعين صباحاً تائباً من خطيئته ونادماً على نقضه ميثاقه .
قال: فمن أجل ذلك أُمرتم أن تقولوا إذا استلمتم الحجر : أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدته ، لتشهد لي بالموافاة يوم القيامة . ص218
المصدر:العلل ص425

قال النبي (ص) لعايشة وهي تطوف معه بالكعبة حين استلما الركن :
يا عايشة !.. لولا ما طبع الله على هذا الحجر من أرجاس الجاهلية وأنجاسها إذاً لاستُشفى به من كل عاهة ، وإذاً لألفي كهيئة يوم أنزله الله عزّ وجلّ ، وليبعثنّه الله على ما خُلق عليه أوّل مرة ، وإنّه لياقوتة بيضاء من ياقوت الجنّة ، ولكنّ الله عزّ وجلّ غيّر حسنه بمعصية العاصين .
وسترت بنيّته عن الأئمة والظلمة ، لأنّه لا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء بدؤه من الجنّة ، لأنّ مَن نظر إلى شيءٍ منها على جهته وجبت له الجنّة .
وإنّ الركن يمين الله عزّ وجلّ في الأرض ، وليبعثنّه الله يوم القيامة وله لسان وشفتان وعينان ، ولينطقنّه الله يوم القيامة بلسانٍ طلقٍ ذلقٍ ، ليشهد لمَن استلمه بحقّ استلامه اليوم ، بيعة لمَن لم يدرك بيعة رسول الله (ص) .ص219
المصدر:العلل ص427

قال الصادق (ع) : مرّ عمر بن الخطاب على الحجر الأسود فقال : والله يا حجر !.. إنّا لنعلم أنّك حجرٌ لا تضرّ ولا تنفع ، إلاّ أنّا رأينا رسول الله (ص) يحبّك فنحن نحبّك ، فقال له أمير المؤمنين (ع) :
كيف يا بن الخطّاب ؟!.. فوالله ليبعثنّه الله يوم القيامة وله لسانٌ وشفتان ، فيشهد لمَن وافاه ، وهو يمين الله في أرضه يبايع بها خلقه ، فقال عمر : لا أبقانا الله في بلدٍ لا يكون فيه عليّ بن أبي طالب .ص221
المصدر:العلل ص426

لما وصلت بغداد في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة للحجّ ، وهي السنة التي ردّ القرامطة فيها الحجر إلى مكانه من البيت ، كان أكبر همّي الظفر بمَن ينصب الحجر ، لأنّه يمضي في أثناء الكتب قصّة أخذه ، وأنّه لا يضعه في مكانه إلاّ الحجة في الزمان ، كما في زمان الحجاج وضعه زين العابدين (ع) في مكانه واستقرّ .
فاعتللت علّة صعبة ، خفت منها على نفسي ، ولم يتهيّأ لي ما قصدت له فاستنبتُ المعروف بابن هشام ، وأعطيته رقعة مختومة أسأل فيها عن مدّة عمري ، وهل تكون الموتة في هذه العلّة ؟.. أم لا ؟.. وقلت :
همّي إيصال هذه الرقعة إلى واضع الحجر في مكانه ، وأخذ جوابه وإنّما أندبك لهذا ، فقال المعروف بابن هشام :
لمّا حصلت بمكّة ، وعزم على إعادة الحجر ، بذلت سدنة البيت جملة تمكّنت معها من الكون بحيث أرى واضع الحجر في مكانه ، وأقمت معي منهم مَن يمنع عني ازدحام الناس ، فكلّما عمد إنسان لوضعه اضطرب ولم يستقم ، فأقبل غلامٌ أسمر اللون حسن الوجه ، فتناوله ووضعه في مكانه فاستقام كأنّه لم يزل عنه ، وعلت لذلك الأصوات .
فانصرف خارجاً من الباب ، فنهضت من مكاني أتبعه ، وأدفع الناس عنّي يميناً وشمالاً حتّى ظنّ بي الاختلاط في العقل ، والنّاس يفرجون لي ، وعيني لا تفارقه حتّى انقطع عن النّاس ، فكنت أسرع المشي خلفه ، وهو يمشي على تؤدة ولا أدركه .
فلمّا حصل بحيث لا أحد يراه غيري وقف والتفت إليّ فقال : هات ما معك ، فناولته الرقعة ، فقال : من غير أن ينظر إليها : قل له : لا خوف عليك في هذه العلّة ، ويكون ما لا بدّ منه بعد ثلاثين سنة .
قال : فوقع عليّ الدمع حتّى لم أطق حراكاً ، وتركني وانصرف .
قال أبو القاسم : فأعلمني بهذه الجملة ، فلما كان سنة سبع وستين اعتلّ أبو القاسم ، وأخذ ينظر في أمره وتحصيل جهازه إلى قبره ، فكتب وصيّته واستعمل الجدّ في ذلك ، فقيل له :
ما هذا الخوف ، ونرجو أن يتفضل الله بالسلامة ، فما علّتك بمخوفة ؟!.. فقال : هذه السنة التي خوِّفت فيها ، فمات في علّته . ص227
المصدر:الخرائج ص38

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى