الجزء الخامس والتسعون كتاب اعمال الايام

باب ذكر ما يحسن أن يكون أواخر ملاطفته لمالك نعمته ، واستدعاء رحمته

قال الصادق (ع) : كان علي بن الحسين (ع) إذا دخل شهر رمضان ، لا يضرب عبداً له ولا أمةً ، وكان إذا أذنب العبد والأمة ، يكتب عنده أذنب فلان ، أذنبت فلانة يوم كذا وكذا ، ولم يعاقبه ، فيجتمع عليهم الأدب حتى إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان ، دعاهم وجمعهم حوله ، ثم أظهر الكتاب ثم قال : يا فلان !.. فعلت كذا وكذا ، ولم أؤدّبك أتذكر ذلك ؟.. فيقول : بلى ، يا بن رسول الله ، حتى يأتي على آخرهم ويقرّرهم جميعاً ، ثم يقوم وسطهم ويقول لهم : ارفعوا أصواتكم وقولوا :
يا علي بن الحسين !.. إنّ ربك قد أحصى عليك كلّ ما عملت ، كما أحصيت علينا كل ما عملنا ، ولديه كتابٌ ينطق عليك بالحقّ ، لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً مما أتيت إلا أحصاها ، وتجد كلّ ما عملت لديه حاضراً ، كما وجدنا كلّ ما عملنا لديك حاضراً ، فاعف واصفح كما ترجو من المليك العفو ، وكما تحب أن يعفو عنك ، فاعف عنا تجده عفوّاً ، وبك رحيماً ، ولك غفوراً ، ولا يظلم ربك أحداً ، كما لديك كتابٌ ينطق بالحقّ علينا ، لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً مما أتيناها إلا أحصاها .
فاذكر يا علي بن الحسين !.. ذلّ مقامك بين يدي ربك الحكم العدل ، الذي لا يظلم مثقال حبّةٍ من خردلٍ ، ويأتي بها يوم القيامة ، وكفى بالله حسيباً وشهيداً ، فاعف واصفح يعف عنك المليك ويصفح ، فإنه يقول :
{ وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم } .
وهو ينادي بذلك على نفسه ويلقّنهم ، وهم ينادون معه ، وهو واقفٌ بينهم يبكي وينوح ، ويقول :
ربّ !.. إنك أمرتنا أن نعفو عمّن ظلمنا ، فقد ظلمنا أنفسنا ، فنحن قد عفونا عمن ظلمنا كما أمرت فاعف عنا ، فإنك أولى بذلك منا ومن المأمورين ، وأمرتنا أن لا نردّ سائلاً عن أبوابنا ، وقد أتيناك سؤّالاً ومساكين ، وقد أنخنا بفنائك وببابك ، نطلب نائلك ومعروفك وعطاءك ، فامنن بذلك علينا ولا تخيّبنا ، فإنك أولى بذلك منا ومن المأمورين .
إلهي !.. كرمت فأكرمني ، إذ كنت من سؤّالك ، وجدت بالمعروف فاخلطني بأهل نوالك يا كريم !.. ثم يقبل عليهم ويقول :
قد عفوتُ عنكم ، فهل عفوتم عني ، ومما كان مني إليكم من سوء ملكة ؟.. فإني مليكُ سوءٍ ، لئيمٌ ظالمٌ ، مملوكٌ لمليكٍ كريمٍ جوادٍ عادلٍ محسنٍ متفضّلٍ .
فيقولون قد عفونا عنك يا سيدنا وما أسأت .
فيقول لهم : قولوا : اللهم !.. اعف عن علي بن الحسين كما عفا عنا ، فأعتقه من النار كما أعتق رقابنا من الرّق ، فيقولون ذلك ، فيقول :
اللهم !.. آمين ربّ العالمين ، اذهبوا فقد عفوت عنكم ، وأعتقت رقابكم رجاء للعفو عني وعتق رقبتي ، فيعتقهم .
فإذا كان يوم الفطر أجازهم بجوائز تصونهم ، وتغنيهم عمّ في أيدي الناس ، وما من سنةٍ إلا وكان يعتق فيها في آخر ليلة من شهر رمضان ما بين العشرين رأساً إلى أقلّ أو أكثر ، وكان يقول :
إنّ لله تعالى في كلّ ليلةٍ من شهر رمضان ، عند الإفطار سبعين ألف ألف عتيقٍ من النار ، كلاًّ قد استوجب النار ، فإذا كان آخر ليلةٍ من شهر رمضان ، أعتق فيها مثل ما أعتق في جميعه ، وإني لأحبّ أن يراني الله وقد أعتقت رقاباً في ملكي في دار الدنيا ، رجاء أن يعتق رقبتي من النار .
وما استخدم خادماً فوق حولٍ ، كان إذا ملك عبداً في أول السنة ، أو في وسط السنة ، إذا كان ليلة الفطر أعتق واستبدل سواهم في الحول الثاني ثم أعتق ، كذلك كان يفعل حتى لحق بالله تعالى.
ولقد كان يشتري السودان ، وما به إليهم من حاجةٍ ، يأتي بهم عرفات ، فيسدّ بهم تلك الفرج والخلال ، فإذا أفاض أمر بعتق رقابهم وجوائز لهم من المال . ص188
المصدر:الإقبال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى