الجزء الخامس والتسعون كتاب اعمال الايام

باب ذكر ما نورده من طبقات أهل الوداع لشهر الصيام

*
المصدر:الإقبال
بيــان:
فنقول : اعلم أنّ الوداع لشهر رمضان يحتاج إلى زيادة بيان ، والناس فيه على طبقات :
طبقةٌ منهم كانوا في شهر رمضان على مراد الله – جلّ جلاله – وآدابه فيه في السرّ والإعلان ، فهؤلاء يودّعون شهر الصيام وداع من صاحبه بالصفاء والوفاء وحفظ الذمام ، كما تضمّنه وداع مولانا زين العابدين (ع) .
وطبقةٌ منهم صاحبوا شهر رمضان تارةً يكونون معه على مراد الله – جلّ جلاله – في بعض الأزمان ، وتارةً يفارقون شروطه بالغفلة أو بالعصيان ، فهؤلاء إن اتفق خروج شهر رمضان وهم مفارقون له في الآداب والاصطحاب .
فالمفارقون لا يودّعون ولا هم مجتمعون ، وإنما الوداع لمن كان مرافقاً وموافقاً في مقتضى العقول والألباب ، وإن اتفق خروج شهر رمضان وهم في حال حسن صحبته ، فلهم أن يودّعوه على قدر ما عاملوه في حفظ حرمته ، وأن يستغفروا ويندموا على ما فرّطوا فيه من إضاعة شروط الصحبة والوفاء ، ويبالغوا عند الوداع في التلهّف والتأسّف ، كيف عاملوه بوقت من الأوقات بالجفاء .
وطبقةٌ ما كانوا في شهر رمضان مصاحبين له بالقلوب ، بل كان فيهم من هو كارهٌ لشهر الصيام ، لأنه كان يقطعهم عن عاداتهم في التهوين ، ومراقبة علاّم الغيوب ، فهؤلاء ما كانوا مع شهر رمضان حتى يودّعوه عند الانفصال ، ولا أحسنوا المجاورة له لمّا نزل من القرب من دارهم ، وتكرّهوا به ، واستقبلوه بسوء اختيارهم ، فلا معنى لوداعهم له عند انفصاله ، ولا يلتفت إلى ما يتضمّنه لفظ وداعهم وسوء مقالهم .
فلا تكن أيها الإنسان !.. ممن نزل به ضيفٌ غنيٌّ عنه ، وما نزل به ضيفٌ مذ سنة أشرف منه ، وقد حضر للإنعام عليه ، وحمل إليه معه تحف السعادات ، وشرف العنايات ، وما لا يبلغه وصف المقال من الآمال والإقبال ، فأساء مجاورة هذا الضيف الكريم ، وجفاه وهوّن به ، وعامله معاملة المضيف اللئيم ، فانصرف الضيف الكريم ذامّاً لضيافته ، وبقي الذي نزل به في فضيحة تقصيره وسوء مجاورته ، أو في عار تأسفه وندامته .
فكن إما محسناً في الضيافة والمعرفة بحقوق ما وصل به هذا الضيف من السعادة والرحمة ، والرأفة والأمن من المخافة ، أو كن لا له ولا عليه ، فلا تصاحبه بالكراهة وسوء الأدب عليه ، وإنما تهلك بأعمالك السخيفة نفسك الضعيفة ، وتشهرها بالفضايح والنقصان ، في ديوان الملوك والأعيان ، الذين ظفروا بالأمان والرضوان . ص171

وقد وقّع (ع) بعد كلّ مسألةٍ بالجواب ، وهذا لفظ ما وجدناه : وداع شهر رمضان متى يكون ؟..فقد اختلف أصحابنا ، فبعضهم قال : هو في آخر ليلةٍ منه ، وبعضهم قال : هو في آخر يومٍ منه إذا رأى هلال شوال .
الجواب : العمل في شهر رمضان في لياليه ، والوداع يقع في آخر ليلةٍ منه ، فإن خاف أن ينقص الشهر جعله في ليلتين . ص172
المصدر:الإقبال

*
المصدر:الإقبال
بيــان:
واعلم أنك تدّعي في بعض هذه الوداعات ، أنّ شهر رمضان أحزنك فراقه وفقده ، وأوجعك لما فاتك من فضله ورفده ، فيُراد منك تصديق هذه الدعوى ، بأن يكون على وجهك أثر الحزن والبلوى .
ولا تختم آخر يوم منه بالكذب في المقال ، والخلل في الفعال ، ومن وظائف الشيعة الإمامية بل من وظائف الأمّة المحمدية أن يستوحشوا في هذه الأوقات ، ويتأسّفوا عند أمثال هذه المقامات على ما فاتهم من أيام المهدي ، الذي بشّرهم ووعدهم به جدّه محمد عليهما أفضل الصلوات على قدومه ، ما لو كان حاضراً ظفروا به من السعادات ، ليراهم الله جلّ جلاله على قدم الصفا والوفاء لملوكهم ، الذين كانوا سبب سعادتهم في الدنيا ويوم الوعيد ، وليقولوا ما معناه :

فالمصيبة بفقده على أهل الأديان أعظم من المصيبة بفقد شهر رمضان ، فلو كانوا قد فقدوا والداً شفيقاً ، أو أخاً معاضداً شقيقاً ، أو ولداً بارّاً رفيقاً ، أما كانوا يستوحشون لفقده ، ويتوجّعون لبعده ؟.. وأين الانتفاع بهؤلاء من الانتفاع بالمهدي خليفة خاتم الأنبياء ، وإمام عيسى بن مريم في الصلاة والولاء ، ومزيل أنواع البلاء ، ومصلح أمور جميع من تحت السماء ؟.. ص186

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى