الجزء الثامن والثمانون كتاب الصلاة

باب النوادر(وفيه فذلكة الابواب)

*
المصدر: الفتح
بيــان:
قال السيد قدس سره : اعلم أني ما وجدت حديثاً صريحاً أنّ الإنسان يستخير لسواه ، لكن وجدت أحاديث كثيرة تتضمن الحثّ على قضاء حوائج الإخوان من الله جلّ جلاله بالدعوات وساير التوسلات ، حتى رأيت في الأخبار من فوايد الدعاء للإخوان ما لا أحتاج إلى ذكره الآن لظهوره بين الأعيان ، والاستخارات على ساير الروايات هي من جملة الحاجات ومن جملة الدعوات ، واستخارة الإنسان عن غيره داخلة في عموم الأخبار الواردة بما ذكرناه ، لأنّ الإنسان إذا كلّفه غيره من الإخوان الاستخارة في بعض الحاجات ، فقد صارت الحاجة للذي يباشر الاستخارات فيستخير لنفسه ، وللذي يكلّفه الاستخارة .
أما استخارته لنفسه بأنه هل المصلحة للذي يباشر الاستخارة في القول لمن يكلّفه الاستخارة ، وهل المصلحة للذي يكلّفه الاستخارة في الفعل أو الترك؟..وهذا مما يدخل تحت عموم الروايات بالاستخارات ، وبقضاء الحاجات ، وما يتوقف هذا على شيء يختص به في الروايات .ص285
ما ذكره السيد من جواز الاستخارة للغير لا يخلو من قوة للعمومات ، لاسيما إذا قصد النائب لنفسه أن يقول للمستخير : افعل أم لا ؟.. كما أومأ إليه السيد ، وهو حيلة لدخولها تحت الأخبار الخاصة ، لكنّ الأولى والأحوط أن يستخير صاحب الحاجة لنفسه ، لأنّا لم نرَ خبراً ورد فيه التوكيل في ذلك .
ولو كان ذلك جائزاً أو راجحاً ، لكان الأصحاب يلتمسون من الأئمة (ع) ذلك ، ولو كان ذلك لكان منقولاً لا أقلّ في رواية ، مع أنّ المضطر أولى بالإجابة ودعاؤه أقرب إلى الخلوص عن نية .ص285

وجدت في كتاب محمد بن جرير الطبري ، الذي سماه كتاب الآداب الحميدة ، نقلته بحذف الإسناد عن روح بن الحارث عن أبيه عن جده ، أنه قال لبنيه :
يا بني !.. إذا دهمكم أمرٌ أو أهمّكم فلا يبيتنّ أحدكم إلا وهو طاهرٌ على فراش ولحاف طاهرين ، ولا يبيتنّ ومعه امرأة ، ثم ليقرأ { والشمس وضحيها } سبعاً ، { والليل } سبعاً ، ثم ليقل :
” اللهم!.. اجعل لي من أمري هذا فرجاً ” فإنه يأتيه آتٍ في أول ليلة أو في الثالثة أو في الخامسة – وأظنه قال أو في السابعة – يقول له : المخرج مما أنت فيه كذا .
قال أنس : فأصابني وجعٌ لم أدر كيف آتي له ، ففعلت أول ليلة ، فأتاني اثنان: فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ، ثم قال أحدهما للآخر : حسّه!.. فلمس جسدي كله فلما انتهى إلى موضع من رأسي قال : احتجم ههنا ولا تحلق ، ولكن اطله بغراء ثم التفت إليّ أحدهما أو كلاهما ، فقال لي : فكيف لو ضممت إليهما التين والزيتون ؟.. قال : فاحتجمت فبرأت ، وأنا فلست أُحدّث أحداً به إلا حصل له الشفاء ، قال آخر : وجرّبته فصحّ .ص286
المصدر:كتاب الآداب الحميدة
بيــان:
أظن أنه قد اتضح لك مما قرع سمعك ، ومرّ عليه نظرك في الأبواب السابقة ، أنّ الأصل في الاستخارة الذي يدلّ عليه أكثر الأخبار المعتبرة ، هو أن لا يكون الإنسان مستبداً برأيه ، معتمداً على نظره وعقله ، بل يتوسل بربه تعالى ، ويتوكل عليه في جميع أموره ، ويقرّ عنده بجهله بمصالحه ، ويفوّض جميع ذلك إليه ، ويطلب منه أن يأتي بما هو خيرٌ له في أُخراه وأُولاه ، كما هو شأن العبد الجاهل العاجز مع مولاه العالم القادر فيدعو بأحد الوجوه المتقدمة مع الصلاة أو بدونها ، بل بما يخطر بباله من الدعاء إن لم يحضره شيءٌ من ذلك للأخبار العامة ، ثم يأخذ فيما يريد ثم يرضى بكل ما يترتب على فعله من نفع أو ضر .
وبعد ذلك الاستخارة من الله سبحانه ، ثم العمل بما يقع في قلبه ويغلب على ظنه أنه أصلح له ، وبعده الاستخارة بالاستشارة بالمؤمنين ، وبعده الاستخارة بالرقاع أو البنادق أو القرعة بالسبحة والحصا ، أو التفؤل بالقرآن الكريم .
والظاهر جواز جميع ذلك كما اختاره أكثر أصحابنا ، وأوردوها في كتبهم الفقهية والدعوات وغيرها ، وقد اطلعت ههنا على بعضها ، وأنكر ابن إدريس الشقوق الأخيرة ، وقال : إنها من أضعف أخبار الآحاد وشواذ الأخبار ، لأنّ رواتها فطحية ملعونون مثل زرعة وسماعة وغيرهما ، فلا يلتفت إلى ما اختصّا بروايته ولا يعرّج عليه ، قال : والمحصّلون من أصحابنا ما يختارون في كتب الفقه إلا ما اخترناه ، ولا يذكرون البنادق والرقاع والقرعة إلا في كتب العبادات دون كتب الفقه ، وذكر أنّ الشيخين وابن البراج لم يذكروها في كتبهم الفقهية ، ووافقه المحقق فقال : وأما الرقاع وما يتضمن افعل ولا تفعل ، ففي حيّّز الشذوذ فلا عبرة بهما .
وأصل هذا الكلام من المفيد – ره – في المقنعة ، حيث أورد أولاً أخبار الاستخارة بالدعاء والاستشارة وغيرهما مما ذكرنا أولاً ، ثم أورد استخارة ذات الرقاع وكيفيتها ، ثم قال : قال الشيخ :
وهذه الرواية شاذة ليست كالذي تقدّم ، لكنا أوردناها للرخصة دون تحقيق العمل بها .. انتهى ، ولعله مما ألحقه أخيرا في الهامش فأدرجوه في المتن .
وقال السيد بن طاووس – ره – : عندي من المقنعة نسخة عتيقة جليلة كُتبت في حياة المفيد -رض- وليست فيه هذه الزيادة ، ولعلها قد كانت من كلام غير المفيد على حاشية المقنعة ، فنقلها بعض الناسخين فصارت في الأصل ، ثم أوّلها على تقدير كونها من الشيخ بتأويلات كثيرة ، وأجاب عن كلام المحقق وابن إدريس – ره – بوجوه شتى لم نتعرّض لها لقلة الجدوى .
وقال الشهيد – رفع الله درجته – في الذكرى : وإنكار ابن إدريس الاستخارة بالرقاع لا مأخذ له مع اشتهارها بين الأصحاب ، وعدم رادّ لها سواه ، ومَن أخذ مأخذه كالشيخ نجم الدين ، قال : وكيف تكون شاذة وقد دوّنها المحدّثون في كتبهم ، والمصنّفون في مصنّفاتهم ، وقد صنّف السيد العالم العابد صاحب الكرامات الظاهرة والمآثر الباهرة ، رضي الدين أبو الحسن علي بن طاووس الحسني – ره – كتاباً ضخماً في الاستخارات واعتمد فيه على رواية الرقاع ، وذكر من آثارها عجائب وغرائب أراه الله تعالى إياها ، وقال : إذا توالى الأمر في الرقاع فهو خيرٌ محض ، وإن توالى النهي فذلك الأمر شرٌّ محض ، وإن تفرّقت كان الخير والشرّ موّزعاً بحسب تفرّقها على أزمنة ذلك الأمر بحسب ترتبها . ص288

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى