الجزء التاسع والسبعون كتاب الطهارة

باب علل الصلاة ونوافلها وسننها

قال رسول الله (ص) : لي مع الله وقتٌ لا يسعني ملكٌ مقرّب ، ولا نبيٌّ مرسل . ص 243
المصدر:بحار الانوارج79/ص243
بيــان:
ثمّ إنه يظهر من هذا الخبر أن الصلاة لمّا كانت معراج المؤمن فكما أنّ النبي (ص) نفض عن ذيله الأطهر علائق الدنيا الدنيّة ، وتوجّه إلى عرش القرب والوصال ، ومكالمة الكبير المتعال ، وكلما خرق حجاباً من الحجب الجسمانية كبّر الربّ تعالى ، وكشف بسببه حجاباً من الحجب العقلانيّة ، حتى وصل إلى عرش العظمة والجلال ، ودخل مجلس الأُنس والوصال ، فبعد رفع الحجب المعنوية بينه وبين مولاه كلّمه وناجاه ، فاستحقّ لأن يتجلّى له نورٌ من أنوار الجبروت ، فركع وخضع لذلك النور ، فاستحقّ أن يتجلّى عليه نورٌ أعلى منه ، فرفع رأسه وشاهده وخرّ ساجداً لعظمته .
ثمّ بعد طيّ تلك المقامات ، والوصول إلى درجة الشهود ، والاتصال بالربّ الودود ، رفع له الأستار من البين ، وقرّبه إلى مقام قاب قوسين ، فأكرمه بأن يقرن اسمه باسمه في الشهادتين ، ثمّ حباه بالصلاة عليه وعلى أهل بيته المصطفين ، فلمّا لم يكن بعد الوصول إلا السلام ، أكرمه بهذا الانعام ، أو أمره بأن يسلّم على مقرّبي جنابه الّذين فازوا قبله بمثل هذا المقام ، تشريفاً له بإنعامه ، وتأليفاً بين مقرّبي جنابه ، أو أنّه لمّا أذنه بالرجوع عن مقام ” لي مع الله ” الذي لا يرحمه فيه سواه ، ولم يخطر بباله غير مولاه ، التفت إليهم فسلّم عليهم ، كما يومي إليه هذا الخبر .
فكذا ينبغي للمؤمن إذا أراد أن يتوجه إلى جنابه تعالى بعد تشبّثه بالعلائق الدنيّة ، وتوغله في العلائق الدّنيوية ، أن يدفع عنه الأنجاس الظاهرة والباطنة ، ويتحلى بما يستر عورته الجسمانيّة والروحانيّة ، ويتعطّر بروايح الأخلاق الحسنة ، ويتطهّر من دنس الذنوب والأخلاق الذميمة ، ويخرج من بيته الأصنام والكلاب والصور والخمور الصورية ، وعن قلبه صور الأغيار ، وكلب النفس الأمّارة ، وسكر الملك والمال والعزّة ، وأصنام حبّ الذهب والفضّة والأموال والأولاد والنساء وسائر الشهوات الدّنيوية .
ثمّ يتذكّر بالأذان والإقامة ما نسيه بسبب الاشتغال بالشبّهات والأعمال ، من عظمة الله وجلاله ولطفه وقهره وفضل الصّلاة وسائر العبادات مرّة بعد أخرى ، ويتذكّر أمور الآخرة وأهوالها وسعاداتها وشقاواتها ، عند الاستنجاء والوضوء والغسل وأدعيتها إذا علم أسرارها ، ثمّ يتوجّه إلى المساجد الّتي هي بيوت الله في الأرض ، ويُخطر بباله عظمة صاحب البيت وجلاله إذا وصل إلى أبوابها ، فلا يكون عنده أقلّ عظمة من أبواب الملوك الظاهرة الّتي إذا وصل إليها دهش وتحيّر وارتعد وخضع واستكان .
فإذا دخل المسجد ، وقرب المحراب الّذي هو محلّ مجاذبة النفس والشيطان ، استعاذ بالكريم الرّحمن من شرورهما وغرورهما ، وتوجه بصورته إلى بيت الله ، وبقلبه إلى الله ، وأعرض عن كلّ شيءٍ سواه ، ثمّ يستفتح صلاته بتكبير الله وتعظيمه ، ليضمحلّ في نظره مَن عداه ، ويخرق بكلّ تكبيرٍ حجاباً من الحجب الظلمانيّة الراجعة إلى نقصه ، والنورانية الراجعة إلى كمال معبوده ، فيقبل بعد تلك المعرفة والانقياد والتسليم بشراره إلى العليم الحكيم ، واستعان في أموره باسم المعبود الرّحمن الرّحيم ، ويحمده على نعمائه ، ويقرّ بأنّه ربّ العالمين ، وأخرجه من كتم العدم إلى أن أوصله إلى مقام العابدين .
ثمّ بأنّه الرّحمن الرّحيم ، وبأنّه مالك يوم الدين ، يجزي المطيعين والعاصين ، وإذا عرفه بهذا الوجه استحقّ لأن يرجع من مقام الغيبة إلى الخطاب ، مستعيناً بالكريم الوهّاب ، ويطلب منه الصّراط المستقيم ، وصراط المقرّبين ، والأنبياء والأئمة المكرّمين ، مقراً بأنهم على الحقّ واليقين ، وأنّ أعدائهم ممّن غضب الله عليهم ولعنهم ومن الضالين ، ويتبرأ منهم ومن طريقتهم تبرأ الموقنين .
ثمّ يصفه سبحانه بتلاوة التّوحيد بالوحدانيّة ، والتنزيه عمّا لا يليق بذاته وصفاته ، فإذا عبد ربّه بتلك الشرايط ، وعرفه بتلك الصفات ، يتجلّى له نورٌ من أنوار الجلال ، فيخضع لذلك بالركوع والخضوع ، ويقرّ بأنّي أعبدك وإن ضربت عنقي ، ثمّ بعد هذا الخضوع والانقياد يستحقّ معرفة أقوى ، ويناسبه خضوع أدنى ، فيقرّ بأنك خلقتني من التّراب، والمخلوق منه خليق بالتذلّل عند ربّ الأرباب ، ثمّ بأنك تعيدني بعد الموت إلى التراب ، فيناسب تلك الحالة خضوع آخر .
فإذا عبد الله بتلك الآداب إلى آخر الصلاة ، وخاض في خلال ذلك بحار جبروته ، واكتسب أنوار فيضه ومعرفته ، وصل إلى مقام القرب والشهود ، فيقرّ بوحدانيّة معبوده ، ويثني على مقرّبي جنابه ، ثمّ يسلّم عليّهم بعد الحضور والشهود ، وفي هذا المقام لطائف ودقايق لا يسع المقام ذكرها ، وأوردنا شذراً منها في بعض مؤلفاتنا ، وإنّما أومأنا ههنا إلى بعضها لمناسبة شرح الرواية ، والله وليّ التوفيق والهداية . ص 251

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى