الجزء التاسع والسبعون كتاب الطهارة

باب نقل الموتى والزيارة بهم

كان أمير المؤمنين (ع) إذا أراد الخلوة بنفسه أتى طرف الغريِّ ، فبينما هو ذات يوم هناك مشرفٌ على النجف ، فإذا رجلٌ قد أقبل من البرية راكباً على ناقةٍ وقدّامه جنازةٌ ، فحين رأى علياً (ع) قصده حتى وصل إليه وسلّم عليه ، فردّ عليه السلام وقال : من أين ؟.. قال : من اليمن ، قال (ع) : وما هذه الجنازة التي معك ؟.. قال :
جنازة أبي لأدفنه في هذه الأرض ، فقال له علي (ع) :
لِمَ لم تدفنه في أرضكم ؟.. قال :أوصى بذلك وقال :
إنه يُدفن هناك رجلٌ يدعى في شفاعته مثل ربيعة ومضر ، فقال (ع) له : أتعرف ذلك الرجل ؟.. قال : لا ، قال (ع) : أنا والله ذلك الرجل – ثلاثاً – فادفن فقام ودفنه . ص68
المصدر:إرشاد القلوب
بيــان:
اعلم أنّ المشهور بين الأصحاب كراهة نقل الميت إلى غير بلد موته من غير المشاهد المشرفّة ، بل نقل المحقق في المعتبر والعلامة في التذكرة وغيرهما إجماع العلماء عليه ، والمشهور بينهم جواز النقل إلى المشاهد بل استحبابه ، وقال في المعتبر : إنه مذهب علمائنا خاصة ، قال : وعليه عمل الأصحاب من زمن الأئمة (ع) إلى الآن ، وهو مشهور بينهم لا يتناكرونه .
قال الشهيد – رحمه الله – : ولو كان هناك مقبرة بها قومٌ صالحون أو شهداء استحبّ الحمل إليها ، لتناله بركتهم وبركة زيارتهم ، ولو كان بمكة أو بالمدينة فبمقبرتيهما ، أما الشهيد فالأَولى دفنه حيث قُتل ، لما روي عن النبي (ص) : ادفنوا القتلى في مصارعهم ، ثم قال : ويستحب جمع الأقارب في مقبرةٍ ، لأنّ النبي (ص) لما دفن عثمان بن مظعون قال : أدفن إليه مَن مات من أهله ، ولأنه أسهل لزيارتهم فيُقدَّم الأب ثم مَن يليه في الفضل ، والذكر على الأُنثى .
وقال الشهيد الثاني – رحمه الله – : يجب تقييد جواز النقل إلى المشاهد بما إذا لم يخف هتك الميت لبعد المسافة أو غيرها ولا يخفى متانته ، لأنه هتكٌ لحرمة الميت وإضرارٌ بالمؤمنين ، مع أنّ النقل المنقول عن الأصحاب وفي الأخبار المعتبرة ، إنما كان من المسافات القريبة التي لم يستلزم النقل إليها مثل ذلك . ص 69

لما حضرت الحسن (ع) الوفاة استدعى الحسين (ع) فقال له : يا أخي !.. إني مفارقك ولاحقٌ بربي ، فإذا قضيت نحبي فغمّضني وغسّلني وكفّني ، واحملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله (ص) ، لأُجدد به عهداً ، ثم ردني إلى قبر أمي فاطمة (ع) فادفني هناك .ص70
المصدر:الإرشاد ص174
بيــان:
روي هذا المضمون في أخبار كثيرة تقدمت في باب شهادة الحسن (ع) ويدل على استحباب تقريب الميت إلى الضّرايح المقدسة والزيارة بهم كما هو الشايع في المشاهد المقدسة ، وعلى استحباب الدفن بقرب الأقارب والصلحاء والمقدّسين ، ويشهد بذلك دفن ثلاثة من الأئمة بعده بجنبه صلوات الله عليهم أجمعين ، وفي الصحاح النحب النذر والمدة والوقت ، يقال : قضى فلان نحبه إذا مات . ص 70

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى