الجزء الخامس والسبعون كتاب الروضة

باب وصية المفضل بن عمر لجماعة الشيعة

وإيّاكم والهجران !.. فإني سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : والله لا يفترق رجلان من شيعتنا على الهجران ، إلاّ برئْتُ من أحدهما ولعنتُه ، وأكثر ما أفعل ذلك بكليهما ، فقال له معتّب : جعلت فداك !.. هذا الظالم فما بال المظلوم ؟.. قال:
لأنّه لا يدعو أخاه إلى صلته ، سمعت أبي وهو يقول :
” إذا تنازع اثنان من شيعتنا ففارق أحدهما الآخر ، فليرجع المظلوم إلى صاحبه حتى يقول له : يا أخي !.. أنا الظالم حتى ينقطع الهجران فيما بينهما ، إنّ الله تبارك وتعالى حَكَمٌ عدل يأخذ للمظلوم من الظالم “.
لا تحقّروا ولا تجفوا فقراء شيعة آل محمد (ع) ، وألطفوهم وأعطوهم من الحق الذي جعله الله لهم في أموالكم وأحسنوا إليهم.. لا تأكلوا الناس بآل محمد ، فإني سمعت أبا عبد الله (ع) يقول :
” افترق الناس فينا على ثلاث فرق : فرقة أحبونا انتظار قائمنا ليصيبوا من دنيانا ؛ فقالوا وحفظوا كلامنا ، وقصّروا عن فعلنا ، فسيحشرهم الله إلى النار .. وفرقة أحبونا وسمعوا كلامنا ، ولم يقصّروا عن فعلنا ؛ ليستأكلوا الناس بنا ، فيملأ الله بطونهم نارا ، يسلّط عليهم الجوع والعطش.. وفرقة أحبونا وحفظوا قولنا وأطاعوا أمرنا ، ولم يخالفوا فعلنا ، فأولئك منا ونحن منهم ” .
ولا تدعوا صلة آل محمد (ع) من أموالكم : من كان غنياً فبقدر غناه ، ومن كان فقيراً فبقدر فقره ، فمن أراد أن يقضيَ الله له أهمّ الحوائج إليه ، فليَصِل آل محمد وشيعتهم بأحوج ما يكون إليه من ماله.. لا تغضبوا من الحقّ إذا قيل لكم ، ولا تبغضوا أهل الحق إذا صدعوكم به ، فإنّ المؤمن لا يغضب من الحق إذا صدع به.
وقال أبو عبد الله (ع) مرّة وأنا معه : يا مفضّل !.. كم أصحابك ؟.. فقلت : وقليل ، فلمّا انصرفت إلى الكوفة أقبَلَت عليّ الشيعة فمزّقوني كلّ ممزّق : يأكلون لحمي ، ويشتمون عرضي ، حتى أنّ بعضهم استقبلني فوثب في وجهي ، وبعضهم قعد لي في سكك الكوفة يريد ضربي ، ورموني بكلّ بهتان حتى بلغ ذلك أبا عبد الله (ع) ، فلمّا رجعت إليه في السنّة الثانية كان أوّل ما استقبلني به بعد تسليمه عليّ أن قال :
يا مفضّل !.. ما هذا الذي بلغني أنّ هؤلاء يقولون لك وفيك ؟.. قلت : وما عليّ من قولهم ، قال : أجل بل ذلك عليهم ، أيغضبون ؟.. بؤسٌ لهم !.. إنّك قلت : إنّ أصحابك قليل ، لا والله ما هم لنا شيعة ، ولو كانوا لنا شيعة ما غضبوا من قولك وما اشمأزوا منه ، لقد وصف الله شيعتنا بغير ما هم عليه ، وما شيعة جعفر إلاّ من كفّ لسانه ، وعمل لخالقه ، ورجا سيّده ، وخاف الله حق خيفته .
ويحهم !.. أفيهم من قد صار كالحنايا من كثرة الصلاة ؟.. أو قد صار كالتائه من شدّة الخوف ؟.. أو كالضرير من الخشوع ؟.. أو كالضّني من الصيام ؟.. أو كالأخرس من طول الصمت والسكوت ؟.. أو هل فيهم من قد أدأب ليله من طول القيام ، وأدأب نهاره من الصيام ؟.. أو منع نفسه لذّات الدنيا ونعيمها خوفاً من الله وشوقاً إلينا – أهل البيت – ؟..
أنّى يكونون لنا شيعة وإنّهم ليخاصمون عدوّنا فينا ، حتى يزيدوهم عداوة ، وإنهم ليهرّون هرير الكلب ويطمعون طمع الغراب ، أمَا إنّي لولا أنّني أتخوّف عليهم أن أغريهم بك ، لأمرتك أن تدخل بيتك وتغلق بابك ، ثم لا تنظر إليهم ما بقيت ، ولكن إن جاؤوك فاقبل منهم ، فإنّ الله قد جعلهم حجة على أنفسهم ، واحتجّ بهم على غيرهم.
لا تغرّنكم الدنيا وما ترون فيها من نعيمها وزهرتها وبهجتها ومُلكها ، فإنّها لا تصلح لكم ، فوالله ما صلحت لأهلها.ص383
المصدر: التحف ص513

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى