الجزء الخامس والسبعون كتاب الروضة

باب ما أوصى به أمير المؤمنين عليه السلام عند وفاته

عن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) قال : لما حضرت والدي الوفاة أقبل يوصي فقال :
ثم إني أوصيك يا حسن وكفى بك وصيا ، بما أوصاني به رسول الله (ص) ، فإذا كان ذلك يا بني الزم بيتك ، وابك على خطيئتك ، ولا تكن الدنيا أكبر همك .
وأوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها ، والزكاة في أهلها عند محلّها ، والصمت عند الشبهة ، والاقتصاد والعدل في الرضا والغضب ، وحُسن الجوار ، وإكرام الضيف ، ورحمة المجهود ، وأصحاب البلاء ، وصلة الرحم ، وحب المساكين ومجالستهم ، والتواضع فإنه من أفضل العبادة .
وقصّر الأمل ، واذكر الموت ، وازهد في الدنيا فإنك رهين موت ، وغرض بلاء ، وصريع سقم .
وأوصيك بخشية الله في سر أمرك وعلانيتك ، وأنهاك عن التسرع بالقول والفعل ، وإذا عرض شيء من أمر الآخرة فابدأ به ، وإذا عرض شيء من أمر الدنيا فتأنَّ حتى تصيب رشدك فيه .
وإياك ومواطن التهمة ، والمجلس المظنون به السوء !.. فإن قرين السوء يغيّر جليسه .
وكن لله يا بني عاملا ، وعن الخنى زجوراً ، وبالمعروف آمراً ، وعن المنكر ناهياً ، وواخ الإخوان في الله ، وأحب الصّالح لصلاحه ، ودارِ الفاسق عن دينك ، وأبغضه بقلبك ، وزايله بأعمالك كيلا تكون مثله .
وإياك والجلوس في الطرقات !.. ودع الممارات ومجاراة من لا عقل له ولا علم ، واقصد يا بني في معيشتك ، واقتصد في عبادتك ، وعليك فيها بالأمر الدائم الذي تطيقه ، والزم الصمت تسلم ، وقدّم لنفسك تغنم ، وتعلّم الخير تعلم ، وكن لله ذاكرا على كل حال ، وارحم من أهلك الصغير ، ووقّر منهم الكبير ، ولا تأكلنّ طعاما حتى تصدّق منه قبل أكله .
وعليك بالصوم فإنه زكاة البدن وجُنّة لأهله ، وجاهد نفسك ، واحذر جليسك ، واجتنب عدوك ، وعليك بمجالس الذكر وأكثر من الدعاء فإني لم آلك يا بني نصحا ، وهذا فراق بيني وبينك . ص99
المصدر: مجالس المفيد ص129 ، أمالي الطوسي 1/6

وصيته (ع) عند الوفاة :
ثم إني أوصيك يا حسن وجميع ولدي ، وأهل بيتي ، ومن بلغه كتابي من المؤمنين بتقوى الله ربكم ، ولا تموتنّ إلا وانتم مسلمون ، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، فإني سمعت رسول الله (ص) يقول :
” صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصوم ” ، وإن المبيرة وهي الحالقة للدِّين فساد ذات البين ، ولا قوة إلا بالله .. انظروا ذوي أرحامكم فصلُوهم يهوّن الله عليكم الحساب .
الله الله في الأيتام !.. لا يضيّعوا بحضرتكم ، فقد سمعت رسول الله (ص) يقول : ” من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله له الجنة كما أوجب لآكل مال اليتيم النار “.
الله الله في القرآن !.. فلا يسبقنّكم إلى العلم به غيركم .
الله الله في جيرانكم !.. فإن رسول الله (ص) أوصى بهم ، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورّثهم .
الله الله في بيت ربكم !.. فلا يخلو منكم ما بقيتم ، فإنه إن تُرك لم تناظروا ، وأدنى ما يرجع به من أَمّهُ أن يُغفر له ما سلف .
الله الله في الصلاة !.. فإنها خير العمل ، إنها عماد دينكم .
الله الله في الزكاة !.. فإنها تطفئ غضب ربكم .
الله الله في صيام شهر رمضان !.. فإن صيامه جُنّة من النار .
الله الله في الفقراء والمساكين !.. فشاركوهم في معائشكم .
الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم !.. فإنما يجاهد رجلان :
إمّام هدى ، أو مطيع له مقتدٍ بهداه .
الله الله في ذرية نبيكم !.. لا تظلمنّ بين أظهركم وأنتم تقدرون على المنع عنهم .
الله الله في أصحاب نبيكم الذين لم يُحدثوا حدثاً ، ولم يأووا محدثا !.. فإن رسول الله (ص) أوصى بهم ، ولعن المحدث منهم ومن غيرهم ، والمؤوي للمحْدِثين .
الله الله في النساء ، وما ملكت أيمانكم !.. فإن آخر ما تكلم به نبيكم أن قال: “أوصيكم بالضعيفين : النساء وما ملكت أيمانكم ” .
الصلاة ، الصلاة ، الصلاة ، لا تخافوا في الله لومة لائم ، يكفكم من أرادكم وبغي عليكم ، قولوا للناس حسنا كما أمركم الله ، ولا تتركوا الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، فيُولّي الله أمرَكم شرارَكم ، ثم تدعون فلا يستجاب لكم عليهم.
عليكم يا بنيّ بالتواصل والتّبادل والتبادر !.. وإياكم والتقاطع والتدابر والتفرق !.. وتعاونوا على البر والتقوى !.. ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، واتقوا الله إن الله شديد العقاب !.. وحفظكم الله من أهل بيت ، وحفظ نبيكم فيكم ، استودعكم الله ، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، ثم لم يزل يقول : لا إله إلا الله حتى مضى.ص101
المصدر: التحف ص197

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى