الجزء الرابع والسبعون كتاب الروضة

باب خُطَبه صلوات الله عليه المعروفة

خطبته المعروفة بالوسيلة :
أيها الناس !..إنّ في الإنسان عشرَ خصال يُظهرها لسانه : شاهدٌ يخبر عن الضمير ، وحاكمٌ يفصل بين الخطاب ، وناطقٌ يردُّ به الجواب ، وشافعٌ تدرك به الحاجة ، وواصفٌ تعرف به الأشياء ، وأميرٌ يأمر بالحسن ، وواعظٌ ينهي عن القبيح ، ومُعزٌّ تسكن به الأحزان ، وحامدٌ تجلّى به الضغائن ، ومؤنقٌ يُلهي الأسماع….
أيّها الناس !..إنّ المنيّة قبل الدنيّة ، والتجلّد قبل التبلّد ، والحساب قبل العقاب ، والقبر خيرٌ من الفقر ، وعمي البصر خيرٌ من كثير من النّظر ، والدّهر يومٌ لك ويومٌ عليك ، فاصبر فبكليهما تُمتحن …. وللنفوس خواطر للهوى ، والعقول تزجر وتنهى….
وفي تقلّب الأحوال علم جواهر الرجال …. وليس في البرق الخاطف مستمتعٌ لمن يخوض في الظلمة ، ومَن عُرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة …. ووَصولٌ معدم خيرٌ من جاف مكثر …. ومن أطلق طَرَفه كثر أسفُه …. وفي سعة الأخلاق كنوز الأرزاق …. مَن غضب على مَن لا يقدر أن يضرّه ، طال حزنه وعذّب نفسه …. كثرة الزّيارة تورث الملالة …. طوبى لمن أخلص لله عمله وعلمه وحبّه وبغضه وأخذه وتركه وكلامه وصمته وفعله وقوله …. الخبر . ص289
المصدر:التحف ص92

خطبته (ع) المعروفة بالديباج :
فاعلموا عباد الله !.. أنّ العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله ، بل الحجّة عليه أعظم وهو عند الله ألوم ، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه ، مثل ما على هذا الجاهل المتحيّر في جهله ، وكلاهما حائرٌ بائرٌ مضلٌ مفتونٌ ، مبتورٌ ما هم فيه ، وباطلٌ ما كانوا يعملون …. ومحادثة النساء تدعو إلى البلاء ، ويزيغ القلوب ، والرّمق لهن يخطف نور أبصار القلوب ، ولمح العيون مصائد الشيطان ، ومجالسة السلطان يهيج النيّران…. الخبر .ص292
المصدر:التحف ص149

الخطبة المنبرية :
أيتها النفوس المختلفة ، والقلوب المتشتّتة ، الشّاهدة أبدانهم ، الغائبة عقولهم !.. كم أدلّكم على الحقّ ، وأنتم تنفرون نفور المعزى من وعوعة الأسد !.. هيهات أن أطلَع بكم ذروة العدل ، أو أُقيم اعوجاج الحقّ .
اللهم !.. إنّك تعلم أنّه لم يكن مني منافسة في سلطان ، ولا التماس فضول الحطام ، ولكن لأردّ المعالم من دينك ، وأُظهر الصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ، وتُقام المعطّلة من حدودك .
الّلهم !.. إنّك تعلم أنّي أوّل من أناب ، وسمع فأجاب لم يسبقني إلاّ رسولك .
اللهم !.. لا ينبغي أن يكون الوالي على الدماء والفروج والمغانم ، والأحكام ومعالم الحلال والحرام ، وإمامة المسلمين وأمور المؤمنين البخيل ، لأنّ تهمته في جميع الأموال ، ولا الجاهل فيدّلهم بجهله على الضلال ، ولا الجافي فينفرّهم بجفائه ، ولا الخائف فيتخذ قوماً دون قوم ، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ، ولا المعطّل للسنن فيؤدّي ذلك إلى الفجور ، ولا الباغي فيدحض الحقّ ، ولا الفاسق فيشين الشّرع.ص295
المصدر:مناقب ابن الجوزي ص70

خطبة أخرى في مدح رسول الله (ص) والأئمة (ع) : ثم قرن بتوحيده نبوة نبيه ، فشهدت له السماوات والأرض والملائكة والعرش والكرسيّ والشمس والقمر والنّجوم وما في الأرض بالنبوّة والفضيلة ، ثمّ خلق آدم وأبان للملائكة فضله ، وأراهم ما خصّه به من سابق العلم ، فجعله محراباً وقبلةً لهم ، فسجدوا له وعرفوا حقّه.
ثم إنّ الله تعالى بيّن لآدم (ع) حقيقة ذلك النور ومكنون ذلك السرّ ، فأودعه شيئاً وأوصاه وأعلمه أنّه السرّ في المخلوقات ، ثم لم يزل ينتقل من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكيّة إلى أن وصل إلى عبد المطلب ، فألقاه إلى عبد الله ثم صانه الله عن الخثعميّة حتى وصل إلى آمنة .
فلمّا أظهره الله بواسطة نبيّنا (ص) استدعى الفُهوم إلى القيام بحقوق ذلك السرّ اللطيف ، وندب العقول إلى الإجابة لذلك المعنى المودع في الذرّ قبل النّسل ، فمَن وافقه قبسٌ من لمحات ذلك النور اهتدى إلى السرّ ، وانتهى إلى العهد المودع في باطن الأمر وغامض العلم ، ومَن غَمَرته الغفلة وشغلته المحنة عَشَى بصرُ قلبه عن إدراكه ، فلا يزال ذلك النور ينتقل فينا أهل البيت ، ويتشعشع في غرايزنا إلى أن يبلغ الكتاب أجله ، فنحن أنوار الأرض والسماوات ، ومحض خالص الموجودات ، وسفن النجاة ، وفينا مكنون العلم ، وإلينا مصير الأمور ، وبمهديّنا تنقطع الحجج ، فهو خاتم الأئمة ، ومنقذ الأمّة ، ومنتهى النور ، وغامض السرّ ، فليهنّأ من استمسك بعروتنا ، وحُشِر على محبّتنا. ص300
المصدر:مناقب ابن الجوزي ص76 بزيادات واختلاف

أيها الناس !.. شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة ، وعرّجوا عن طريق المنافرة ، وضعوا تيجان المفاخرة ، أفلح من نهض بجناح ، أو استسلم فأراح .. ماء آجن ، ولقمة يغصّ بها آكلها ، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزّارع بغير أرضه .. فإن أن أقل يقولوا : حَرِص على المُلك ، وإن أسكتْ يقولوا : جزع من الموت ، هيهات بعد اللتيّا والتي ، والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه ، بل اندمجتُ على مكنون علمٍ لو بحتُ به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطويّ البعيدة .ص332
المصدر:مطالب السؤول ص59

ومن خطبه عليه السلام في استنفار الناس إلى أهل الشام وقد تثاقلوا :
أفٍ لكم قد سئمت عتابكم ، أرضيتم من الآخرة بالحياة الدنيا عوضاً ، وبالذلّ من العزّ خُلُقاً ، إذا دعوتكم إلى جهاد عدوّكم ، دارات أعينكم كأنّكم من الموت في غمرة ، ومن الذهول في سكرة …. الخبر .ص333
المصدر:مطالب السؤول ص59

من خطبه (ع) يوبّخ أهل الكوفة وقد تثاقلوا في الخروج إلى الخوارج معه :
فخبّروني يا أهل العراق !.. مع أيّ إمام بعدي تقاتلون ، أم أية دار تمنعون ؟.. الذليل والله مَن نصرتموه ، والمغرور مَن غررتموه ، وأصبحت ولا أطمع في نصركم ، ولا أصدّق قولكم ، فرّق الله بيني وبينكم ، وأبدلكم بي غيري ، وأبدلني بكم مَن هو خيرٌ لي منكم ، أمَا إنّه ستلقون بعدي ذلاّ شاملاّ وسيوفاً قاطعة ، وأثْرة قبيحة ، يتّخذها الظالمون عليكم سنّة ، فتبكي عيونكم ، ويدخل الفقر بيوتكم وقلوبكم ، وتتمنّون في بعض حالاتكم أنّكم رأيتموني فنصرتموني ، وأرقتم دماءكم دوني فلا يُبعد الله إلاّ من ظلم ….
اللهم !.. إنّ دجلة والفرات نهران أصمّان أبكمان ، فأرسل عليهم ماء بحرك ، وانزع عنهم ماء نصرك ، حبّذا إخواني الصالحين ، إن دُعوا إلى الإسلام قبلوه ، وقرؤا القرآن فأحكموه ، ونُدبوا إلى الجهاد فطلبوه ، فحقيق لهم الثناء الحسن ، واشوقاه إلى تلك الوجوه ، ثمّ ذرفت عيناه ونزل عن المنبر ، وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون إلى ما صرت إليه ، صرت إلى قوم إن أمرتهم خالفوني ، وإن اتّبعتهم تفرّقوا عنّي ، جعل الله لي منهم فرجاً عاجلاً.
ثم دخل منزله فجاءه رجل من أصحابه فقال : يا أمير المؤمنين !..إنّ الناس قد ندموا على تثبطهم وقعودهم ، وعلموا أنّ الحظّ في إجابتك لهم ، فعاودهم في الخطبة فلمّا أصبح من الغد دخل المسجد الأعظم ونودي في الناس ، فاجتمعوا فلما غصّ المسجد بالناس صعد المنبر وخطب هذه الخطبة :….
فوالله أن لو لقيم وحدي وهم أضعاف ما هم عليه لما كنت بالذي أهابهم ، ولا أستوحش منهم ومن قتالهم ، فإنّي من ضلالتهم التي هم عليها والحق الذي أنا عليه لعلى بصيرة ويقين ، وإنّي إلى لقاء ربّي لمشتاق ، وبحسن ثوابه لمنتظر ، وهذا القلب الذي ألقاهم به هو القلب الذي لقيت به الكفار مع رسول الله (ص) ، وهو القلب الذي لقيت به أهل الجمل وأهل صفّين ليلة الهرير ، فإذا أنا نفرتكم فانفروا خفافاً وثقالاً ، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون .
اللهم !.. اجعلنا وإياهم على الهدى ، وجنّبنا وإياهم البلوى ، واجعل الآخرة لنا ولهم خيراً من الأولى ، فلمّا فرغ من كلامه أجابه الناس سراعاً ، فخرج بهم إلى الخوارج .ص340
المصدر:بحار الانوارج74/340

من خطبة له (ع) يوم الجمعة :
اللهم !.. صلِّ على محمد وآل محمد ، وبارك على محمد وآل محمد ، وتحّنن على محمّد وآل محمد ، وسلّم على محمد وآل محمد ، كأفضل ما صلّيت وباركت وترحّمت وتحنّنت وسلّمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد .
اللهم !.. أعطِ محمداً الوسيلة والشرّف والفضيلة والمنزلة الكريمة .
اللهم !.. اجعل محمداً وآل محمد أعظم الخلائق كلّهم شرفاً يوم القيامة ، وأقربهم منك مقعداً ، وأوجههم عندك يوم القيامة جاهاً ، وأفضلهم عندك منزلة ونصيباً .
اللهم !.. أعطِ محمداّ أشرف المقام ، وحباء السلام ، وشفاعة الإسلام .
اللهم !.. وألحقنا به غير خزاياً ولا ناكبين ولا نادمين ولا مبدلين إله الحق آمين …. الخبر .ص352
المصدر:روضة الكافي ص173

من خطبة له (ع) في الناس بصفّين :
فليست تصلح الرّعية إلاّ بصلاح الولاة ، ولا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرّعية ، فإذا أدّت الرّعية من الوالي حقّه ، وأدى إليها الوالي كذلك عزّ الحقّ بينهم ، فقامت مناهج الدين ، واعتدلت معالم العدل ، وجرت على إذلالها السنن ، وصلح بذلك الزمان ، وطاب بها العيش ، وطمع في بقاء الدولة ، ويئست مطامع الأعداء ، وإذا غلبت الرعية على واليهم ، وعلا الوالي الرعية ، اختلف هنالك الكلمة ، وظهرت مطامع الجور ، وكثُر الإدغال في الدين ، وتُركت معالم السنن ، فعُمل بالهوى ، وعُطّلت الآثار ، وكثُر علل النفوس ، ولا يستوحش لجسيم حقٍّ عُطّل ، ولا لعظيم باطل أُثّل ، فهنالك تذل الأبرار ، وتعزّ الأشرار ، وتخرب البلاد ، وتعظم تبعات الله عزّ وجلّ عند العباد …. الخبر . ص356
المصدر:روضة الكافي ص352

من خطبة لأمير المؤمنين (ع) :
وقد عاتبتكم بدرّتي التي أُعاتب بها أهلي فلم تبالوا ، وضربتكم بسوطي الذي أُقيم به حدود ربّي فلم ترعووا ، أتريدون أن أضربكم بسيفي ، أمَا إنّي أعلم الذي تريدون ويقيم أوَدَكم ، ولكن لا أشتري صلاحكم بفساد نفسي ، بل يسلّط الله عليكم قوماً فينتقم لي منكم ، فلا دنيا استمتعتم بها ، ولا آخرة صرتم إليها ، فبُعداً وسُحقاً لأصحاب السعير .ص365
المصدر:روضة الكافي ص360

ومن خطبة له (ع) :
أيّها الناس !..الآن الآن من قبل الندم ومن قبل أن تقول نفس :{ يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ، أو تقول لو أنّ الله هداني لكنت من المتقين ، أو تقول حين ترى العذاب لو أنّ لي كرة فأكون من المحسنين } ، فيردّ الجليل جلّ ثناؤه :
{ بلى قد جاءتك آياتي فكذّبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } ، فوالله ما سأل الرجوع إلا ليعمل صالحاً ، ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً .
أيها الناس !..الآن الآن ما دام الوثاق مطلقاً ، والسّراج منيراً ، وباب التوبة مفتوحاً ، ومن قبل أن يجفّ القلم ، وتُطوى الصحيفة ، فلا رزق ينزل ، ولا عمل يصعد ، المضمار اليوم والسباق غداً ، فإنكم لا تدرون إلى جنّة أو إلى نار ، وأستغفر الله لي ولكم . ص376
المصدر:أمالي الطوسي 2/296

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى