الجزء الرابع والسبعون كتاب الروضة

باب وصية أمير المؤمنين صلوات الله عليه للحسين صلى الله عليه

يابنيّ !..أوصيك بتقوى الله في الغنى والفقر ، وكلمة الحق في الرضا والغضب ، والقصد في الغنى والفقر ، وبالعدل على الصديق والعدوّ ، وبالعمل في النشاط والكسل ، والرضى عن الله في الشدة والرخاء .
أي بنيّ !..ما شرٌّ بعده الجنة بشرّ ، ولا خيرٌ بعده النار بخير ، وكلّ نعيمٍ دون الجنة محقور ، وكل بلاءٍ دون النار عافية .
واعلم أي بنيّ !.. أنه مَن أبصر عيب نفسه ، شُغل عن عيب غيره .. ومَن تعرّى من لباس التقوى ، لم يستتر بشيء من اللباس .
ومَن رضي بقسم الله ، لم يحزن على ما فاته .. ومَن سلّ سيف البغي ، قُتل به .. ومَن حفر بئرا لأخيه وقع فيها .
ومَن هتك حجاب غيره ، انكشفت عورات بيته .. ومَن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره .. ومَن كابد الأمور عطب .
ومَن اقتحم الغمرات غرق.. ومَن أُعجب برأيه ضلّ .. ومَن استغنى بعقله زلّ .. ومَن تكبّر على الناس ذلّ .
ومَن خالط العلماء وُقّر .. ومَن خالط الأنذال حُقّر .. ومَن سفّه على الناس شُتم .. ومَن دخل مداخل السوء أُتّهم.. ومَن مزح استُخفّ به .. ومَن أكثر من شيء عُرف به .
ومَن كثُر كلامه كثُر خطاؤه ، ومَن كثُر خطاؤه قلّ حياؤه ، ومَن قلّ حياؤه قلّ ورعه ، ومَن قلّ ورعه مات قلبه ، ومَن مات قلبه دخل النار .
أي بنيّ !..مَن نظر في عيوب الناس ، ورضي لنفسه بها فذاك الأحمق بعينه ، ومَن تفكّر اعتبر ، ومَن اعتبر اعتزل ، ومَن اعتزل سلم ، ومَن ترك الشهوات كان حرّاً ، ومَن ترك الحسد كانت له المحبّة عند الناس .
أي بنيّ !..عزّ المؤمن غناه عن الناس ، والقناعة مال لا ينفد ، ومَن أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ، ومَن عَلِم أنّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلاّ فيما ينفعه.
أي بنيّ !..العجب ممن يخاف العقاب فلم يكفّ ، ورجا الثواب فلم يتُب ويعمل .
أي بنيّ !..الفكرة تورث نورا ، والغفلة ظلمة ، والجدال ضلالة ، والسعيد مَن وُعظ بغيره ، والأدب خير ميراث ، وحُسن الخلق خير قرين ، ليس مع قطيعة الرحم نماء ، ولا مع الفجور غنى.
أي بني !.. العافية عشرة أجزاء : تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله ، وواحد في ترك مجالسة السفهاء.
أي بنيّ !..مَن تزيّا بمعاصي الله في المجالس أورثه الله ذلا ، ومَن طلب العلم عَلِم.
يا بنيّ !.. رأس العلم الرفق وآفته الخُرق ، ومن كنوز الإيمان الصبر على المصائب ، والعفاف زينة الفقر ، والشكر زينة الغنى ، كثرة الزيارة تورث الملالة ، و الطمأنينة قبل الخُبرة ضد الجزم ، وإعجاب المرء بنفسه يدل على ضعف عقله .
أي بنيّ !..كم نظرة جلبت حسرة ، وكم من كلمةٍ سلبت نعمة ….
أي بنيّ !..لا تؤيس مذنبا ، فكم من عاكفٍ على ذنبه خُتم له بخير ، وكم من مقبلٍ على عمله مفسد في آخر عمره صائرٌ إلى النار ، نعوذ بالله منها ….
يا بنيّ !..بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد ، في كلّ جرعة شَرَق وفي كل أُكلة غصص ، لن تُنال نعمة إلا بفراق أخرى ، ما أقرب الراحة من النّصب ، والبؤس من النعيم ، والموت من الحياة ، والسقم من الصحة ….
واعلم أي بنيّ !..أنه مَن لانت كلمته وجبت محبته ، وفقّك الله لرشده ، وجعلك من أهل طاعته بقدرته ، إنه جواد كريم . ص239
المصدر: التحف ص88

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى